الخميس 18 رمضان 1440 - 23 مايو 2019

الشيخ محمد بلنكو

الأحد 4 رجب 1440 - 10 مارس 2019 299 كاتب الترجمة : محمد عدنان كاتبي
الشيخ محمد بلنكو

1315-1412هـ

1897-1991م

 الشيخ محمد بن الحاج عمر بلنكو الحنفي الحلبي. 

مفتي حلب، عالم فقيه، له مشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية.

ولد في حلب (حي الباشا)، ونشأ في أسرة موسرة، برعاية والده الذي اعتنى بتعليمه، وأرسله إلى كتاب الحي، فختم تلاوة القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والحساب، ولما يتجاوز العاشرة من عمره. وأراد والده أن يعلمه مهنته في صناعة (النشاء)، لكنه انصرف عنها إلى حضور حلقات النحو والصرف التي كان يقيمها الشيخ محمد الناشد في جامع (بانقوسا).

ويرى الشيخ الناشد علائم الذكاء والفطنة في الشاب المتحمس للعلم فيرشحه ليكون من الطلاب الأوائل في المدرسة (الخسروية) بعد ترميمها وإصلاح أنظمة التعليم فيها(1).

وفي المدرسة (الخسروية) تلقى علوم القرآن الكريم والفقه والحديث والتفسير والفرائض والسيرة والتاريخ وسائر العلوم العربية على شيوخها الكبار أمثال: الشيخ أحمد الكردي، والشيخ إبراهيم السلقيني، والشيخ محمد الزرقا، والشيخ أحمد الشمّاع، والشيخ أحمد الإدلبي، والشيخ محمد أسعد العبجي، والشيخ محمد نجيب سراج الدين، والشيخ عيسى البيانونيوالشيخ محمد راغب الطباخ، وغيرهم.

وفي المدرسة (الخسروية) أكبّ المترجم له على الدرس والتحصيل حتى تخرج فيها مع الدفعة الأولى، وحاز على شهادتها التي كانت تعتبر مجموعة إجازات من شيوخه، الذين مهروها بتوقيعاتهم، وذلك سنة: 1345هـ 1926م(2).

ولم يقنع الشيخ بما حصله في المدرسة (الخسروية)، بل شدّ الرحال إلى مصر، لمتابعة طلبه العلم في أزهرها الشريف، وهناك تتلمذ على شيوخ الأزهر الكبار، أمثال: محمد بخيت المطيعي، والشيخ يوسف الدجوي

والشيخ سلامة العرامي، وغيرهم.

وبعد أن أتمّ تحصيله في الأزهر، عاد إلى حلب، ليقوم بواجبه في نشر العلم من جهة، والمشاركة في أحداث وطنه من جهة ثانية، ففي مجال نشر العلم، كان للمترجم له دروس في الفقه الحنفي في المدرسة (الخسروية)، كما كانت له دروس خاصة للطلاب المتخرجين من (الكلية الشرعية)، بالإضافة إلى دروسه في المساجد، وخطبة الجمعة في الجامع الأموي الكبير، أما في المجال الوطني، فقد انضم المترجم له إلى صفوف الحركة الوطنية، التي كانت تقاوم الاحتلال الفرنسي تحت اسم (الكتلة الوطنية)، وشارك في العديد من المواقف الوطنية، يلقي الخطب الحماسية ويلهب مشاعر الجماهير، ويسير على رأس المظاهرات التي كانت تندد بالاستعمار وأعماله، مما عرضه للسجن والنفي إلى جزيرة (أرواد)، وظل في منفاه مع صديقه الأستاذ إحسان الجابري ثلاثة أشهر، وفي عهد الاستقلال، كان الشيخ من أوائل الداعين للوحدة العربية، والمناصرين لها. 

شغل الشيخ عدداً من المناصب الإدارية والشرعية منها:

1- مفتشاً للمعاهد الدينية في وزارة الأوقاف.

2- نائباً لرئيس رابطة العلماء في حلب.

3- رئيساً لرابطة العلماء، وذلك بعد وفاة مؤسسها ورئيسها الشيخ محمد راغب الطباخ.

4- عضواً في مجلس أوقاف حلب.

5- عضواً في المجلس الإسلامي الأعلى في دمشق.

6- مستشاراً لرابطة العالم الإسلامي في الفقه الحنفي، في مكة المكرمة.

7- مفتياً لمدينة حلب، وذلك منذ عام: 1957م، وقد جدد انتخابه لهذا المنصب عدة مرات، إلى أن تركه بسبب كبر سنه، عام: 1967م. 

وكانت له يد على دائرة الإفتاء، حيث أعاد تنظيمها وتأسيسها، وجدد فرشها، وعمل على تخصيص سيارة خاصة توضع تحت تصرف المفتي إلى غير ذلك من الإصلاحات، كما كانت له مشاركة كبيرة في الأمور الاجتماعية، والمشاريع الخيرية. 

فقد شارك بإنشاء عدد من الجمعيات الخيرية ورأس بعضها، أو كان عضواً في إدارتها منها:

1- جمعية المبرة الإسلامية ورئسها مدة طويلة.

2- جمعية البر والأخلاق الإسلامية.

3- جمعية رعاية المتسولين.

4- جمعية المقاصد الخيرية، وعمل فيها على إنشاء مشفى 

(المقاصد الخيرية) - مشفى شيحان العمالي الآن-

كما شارك في إنشاء المكتبة الوقفية، وتنظيمها ونقل الكتب إليها من المدارس الشرعية.

ـ صورة الشيخ محمد بلنكو والشيخ مصطفى الزرقا ـ

قوي الشخصية، مسدد الرأي، محدّث لا يبارى، ذو حجة حاضرة محب للعلم والعلماء، يشجع طلاب العلم، ويسهم في بناء المدارس الشرعية.

كريم النفس، سخي اليد، دائم السعي في حوائج الضعفاء والمحتاجين والفقراء.

نحيل الجسم، ربعة بين الرجال، منور الشيبة، بهي الطلعة، حسن المظهر، يزين رأسه بعمامة بيضاء، لفت بإحكام فوق (طربوش) أحمر.

انصرف في آخر أيامه إلى العبادة، وقراءة القرآن، وتلاوة أذكار وأوراد السادة (النقشبندية)، وكان قد أخذ طريقتهم عن شيخه الشيخ محمد أبي النصر الحمصي، وصحب ابنه الشيخ عبد الباسط، كما كان صديقاً للشيخ محمد النبهان، الذي كان يحبه ويثني عليه بقوله: (أبو عمر رجل)(3).

غير أنه حافظ على مجالسه بعد صلاة الجمعة في جامع (عمر سالم) يرد فيه على أسئلة المستفتين والسائلين.

وكان منهجه في الحياة وفي الإفتاء. الأخذ بالأيسر والأسهل في كل ما يسأل عنه، يردد كلمته المشهورة: (الوقت لا يساعد إلا أن نيسر على المسلمين أمور دينهم، والله من وراء القصد) (4)، وقد أخذ عليه بعض علماء عصره هذا التيسير، وعدوه تساهلاً ورقة في دينه.

لم يترك المترجم أي أثر علمي، وذلك لانشغاله في الأمور السياسية والاجتماعية، وأعمال البر والخير، والفتوى، غير أني رأيت في دائرة الإفتاء في حلب سجلا كبيراً فيه الكثير من فتاوى الشيخ، واطلعت عليها وهي تدل على غزارة علمه وتبحره في الفقه الحنفي.

أصيب أواخر أيامه بمرض عضال أقعده في بيته، منقطعاً إلى العبادة والدعاء، إلى أن وافته المنيّة، يوم الأربعاء، الخامس عشر من جمادى الآخرة، سنة: اثنتي عشرة وأربعمئة وألف للهجرة، الموافق للثامن عشر من شهر كانون الأول، عام: واحد وتسعين وتسعمئة وألف للميلاد.

وحزنت عليه مدينة حلب، وشيّعته بجنازة حافلة، شهدها جلّ علماء المدينة وطلاب العلم فيها، وألقيت الكلمات المؤثرة التي أشادت بالفقيد وعددت مآثره الكريمة، ودفن في مقبرة (الصالحين)، وقد زرت قبره مراراً وقرأت على أحد ألواحه:

يا من بعون الله قمت مبدّداً حجب الظلام

العزم جيشك والتوكل عدة عند الصدام

حتى ظفرت بما أردت من المطالب والمرام

المصادر والمراجع

1- كتاب علماء من حلب في القرن الرابع عشر، للمؤلف.

2- كتاب الإعلام بمن تولى إفتاء حلب من الأعلام للمؤلف

3- ترجمة خطية بيد نجل المترجم، السيد عبد الغني بلنكو.

4- سجلات المدرسة الخسروية.

5- سجلات دائرة الإفتاء في حلب.

6- مقابلات شفهية مع عدد من شيوخنا إخوان المترجم، منهم الشيخ محمد زين العابدين الجذبة، والشيخ محمد عثمان بلال، والشيخ أحمد قلاش، وغيرهم. 

====-

(1) انظر حديثنا عن المدرسة الخسروية في كتابنا (التعليم الشرعي ومدارسه في حلب في القرن الرابع عشر الهجري).

(2) انظر الحاشية رقم 1 من ترجمة الشيخ عبد الله الحماد ص 317. 

(3) عن مقابلة شفهية مع نجل المترجم، السيد عبد الغني

(4) تاريخ الإفتاء في حلب الشهباء، للمؤلف ص: 290 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا