الأحد 15 محرم 1441 - 15 سبتمبر 2019

الإمام أبو حامد الغزالي حجة الإسلام

الأحد 28 جمادى الأولى 1440 - 3 فبراير 2019 462 كاتب الترجمة : أحمد محمد كنعان
الإمام أبو حامد الغزالي حجة الإسلام

أبو حامد الغزّالي (ت 505هـ/1111م) عالم مجدد، ترك إرثاً علمياً كبيراً، وبصمةٌ راسخة في عدّة علوم، منها الفلسفة، والفقه، وعلم الكلام، والتصوف، وتعد كتبه مرجعية في مختلف هذه العلوم والفنون .

ولد الغزالي وعاش في طوس التي كانت من كبرى مدن خراسان (إيران حالياً) ثم انتقل إلى نيسابور، حيث لازم شيخه الجويني (إمام الحرمين) فأخذ عنه معظم العلوم، ثم رحل إلى بغداد بطلب من الوزير السلجوقي "نظام الملك" فعمل مدرّساً في المدرسة النظامية، واكتسب خلال تلك الفترة شهرةً واسعةً طبقت الآفاق، وصار مقصداً لطلاب العلم الشرعي من جميع البلدان، حتى كان يجلس في مجلسه أكثر من 400 من أفاضل الناس وعلمائهم يستمعون له ويكتبون عنه العلم، وبعد 4 سنوات من التدريس قرر اعتزال الناس والتفرغ للعبادة وتربية نفسه، متأثراً بالصّوفية، فخرج من بغداد خفيةً في رحلة طويلة استغرقت 11 سنة، تنقل خلالها بين دمشق والقدس والخليل ومكة المكرمة والمدينة المنورة، وكتب خلال رحلته هذه كتابه الأشهر "إحياء علوم الدين" الذي ضمنه خلاصةً تجربته التربوية الروحية، ثم عاد إلى بلده طوس متخذاً بجوار بيته مدرسةً للفقهاء، وخانقاه (مكان للتعبّد والعزلة) للصوفية. 

أثر الغزالي في علم الأصول :

خاض الغزالي في حياته تجربة فكرية غنية أفضت بهِ إلى مُراجعات فكرية كان لها بالغُ الأثر في إثراء فكره، وسعة رؤيته، فقد اطلع على مختلف العُلوم، والتقى بأربابها، فانفتحت له أبوابها، وخبر صنوفاً من الفُنون فأتقنها، وكان له اشتِغَال طويل وتأمل عميق في العُلوم المنهَجِيَّة الدَّقِيقة كأصُول الدين، والفلسفة، فأورَثَه الاشتغال بهذه العلوم ذِهناً منهجياً فريداً؛ وهذا ما حقق له روحاً مَوسُوعية نادرة المثال، حتى وصفه شيخُه الإمام الجويني بأنه : "بحرٌ مغدِق".

وهكذا صار الغزالي فقيهاً أصولياً بارعاً، ترك تراثاً أصولياً فقهياً يدل على مدى تمكنه من هذا العلم وعلو منزلته فيه، ومن مؤلفاته في هذا الميدان : 

1 - "المنخول من تعليق الأصول" : ويسمى "المنخول" اختصاراً، وهو كتاب يميل إلى الإيجاز والاختصار، وقد ألَّفه الغزالي في حياة أستاذه الإمام الجويني رحمه الله تعالى 

2 - "تهذيب الاصول" : وهو كتاب مطوَّل يميل فيه الى الاستقصاء والتبحر، وهو مفقود، لكن ذكره الغزالي في "المستصفى" .

3 - "شفاء الغليل في بيان الشَبَه والمُخيلِ ومسالك التعليل." 

هكذا أورده الغزالي في خاتمة الكتاب، ويسمى إيجازاً : "شفاء الغليل في بيان مسالك التعليل" وهو مطبوع في بغداد بتحقيق وتعليق الدكتور حمد الكبيسي، ومطبوع طبعة حديثة في بيروت، دار الكتب العلمية، سنة 1420 هـ/ 1999 م، وقد ذكره الغزالي في "المستصفى" وفي "فضائح الباطنية" وذكره العلامة تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" وذكره علماء آخرون . 

4 - "المستصفى من علم الأصول" : وهو أحد دعائم علم أصول الفقه، وهو كتاب مستوفٍ للموضوع، ممتع غاية الإمتاع، عليه يعوّل الباحثون، ومنه ينهل المتعطشون لمعرفة الأصول.

عقلانية الغزالي وموقفه من المبتدعة والصوفية :

احتج الغزالي بالعقل في الرد على غلاة الصوفية القائلين بالفناء والاتحاد، ورأى أنه قد ينكشف للصوفي ما لا يمكن للعقل إدراكه، لكن ليس من الممكن أن ينكشف له شيء يحكم العقلُ باستحالته، فالغزالي يرى أن العقل هو الميزان الذي قيضه الله للإنسان لقياس مدى صدق معارفه ووضع الحدود لها، ومن ثم فإنه ليس ثمة تعارض بين مقتضيات التعقل، وشؤون الإيمان الديني. ويرى أن من لم تكن بصيرته الباطنية ثاقبة فلن يعلق به من الدين إلا قشوره. أما في مسائل الإلهيات والغيب فيقرر الغزالي أنه ليس للعقل دور أكثر من تقبلها والتسليم بصدقها .

وبهذه العقلية المستبصرة ساهم الغزالي في تنقية الدين من بعض البدع والانحرافات، وأضفى على علوم الدين بعداً عقلانياً جديداً، استحق به لقب "حجة الإسلام" .

الغزالي والتربية الروحية والخلقية

شغلت التربية الروحية والخلقية حيزاً واسعاً من حياة الغزالي ومؤلفاته، وقد أراد بهذه التربية جملة من الغايات التي عرضها بصورة خاصة في موسوعته " إحياء علوم الدين" حيث أفاض الحديث حول المكونات الرئيسية للنفس الإنسانية وهي : العقل والروح والجسم، ونظر إليها باعتبارها كياناً واحداً متكاملاً، ورأى جملة من الأساليب والطرائق التربوية التي تحقق هذا التكامل، خلاصتها :

• المجاهدة والرياضة لتزكية القلب والروح .

• التفكر لتربية العقل، لترقية النفس الإنسانية في مجالات الإدراك .

• اللعب لتربية الجسم وتنشيط العقل والحواس .

وكان الغزالي مع ذلك كله شديد الدعوة إلى إرضاء الله تعالى، مع التحذير من مطامع الدنيا، والحث على إحياء الشريعة؛ فكان يرى أن من أهداف التربية الخلقية إعداد الإنسان في هذه الحياة الفانية للدار الآخرة الباقية؛ لأن الغاية المثلى للإنسان في هذه الدنيا هي حسن العبودية لله تعالى وتمام طاعته والخضوع له سبحانه .

الغزالي الباحث عن جوهر الدين :

كان الغزالي رحمه الله تعالى يعظم السُنّة وظاهر الشريعة، وكان ينحو على علماء الدين المحافظين اهتمامهم بالظاهر وبالأمور الثانوية أكثر من اهتمامهم بالباطن وبالأمور الجوهرية، ولهذا كان يرفع من شأن الصوفية وتجاربها الروحية ·· لكنه كان في الوقت نفسه شديد النقد لغلاة الصوفية القائلين بنظرية الحلول والاتحاد بالله، كما ذكرنا .

المعالم الأساسية في فكر الغزالي :

برع الغزالي في أن يجعل من السُنّة النبوية والفلسفة والصوفية نظاماً واحداً منسجماً، وأن يقنع قطاعاً كبيراً من علماء الدين بالرضا عن المنطق الفلسفي في التفكير المنظم، وأن يعيد الصوفية إلى الانصياع لظاهر الشريعة، وأن يكبح جماح الفلاسفة في تعلقهم المطلق بالعقل، وقد رأينا أن كتبه التالية تمثل أبرز معالم فكره :

1 – إحياء علوم الدين : وهو من أهم كتبه وأكثرها انتشاراً بين المسلمين، وهو كتاب موسوعي شامل قيل فيه : لو أتلفت جميع الكتب التي ألفت عن الإسلام وسلم منها هذا الكتاب فقط لاستعاض الناس به عن فقدها، ولذا سمي الجامع لعلوم الدين .

2 – المنقذ من الضلال : وهو سفر حافل، سجل فيه الغزالي سيرته الذاتية، ووصف فيه ما لقي في رحلته الروحية من القلق النفسي والاضطراب الفكري قبل أن يصل إلى الإيمان التام واليقين، وإلى مفهوم عن الدين باعتباره حياة روحية وأعمالاً صالحة، وليس مجرد طقوس وشعائر وعبادات شكلية فحسب .. رحمه الله رحمة واسعة .

3 – فضائح الباطنية : والباطنية فرقة ضالة، سميت بهذا الاسم لأن أتباعها ادعوا أن للقرآن ظاهراً وباطناً، وأنه لا يعلم بهذا الباطن إلا إمامهم، فكان ذلك مدعاة لانخداع كثير من الناس بكلامهم، ومن أشهر هذه الفرق (الإسماعيلية والقرامطة والخرمية) وقد عرض الغزالي في الكتاب أسباب خطورة هذه الفرق على الإسلام لأنهم اندسوا فى صفوف المسلمين، لكي ينشروا عقائدهم الفاسدة؛ التي منها تأويلاتهم المنحرفة للقرآن، ودعوتهم لإباحة المحرمات؛ كإباحة نكاح البنات والأخوات، وشرب الخمر وبقية الملذات المحرمة، وقد فضح الغزالي غرض هذه الفرق، وأن دعوتهم في حقيقتها دعوة إلى دين المجوس، وقد كان الغزالي بهذا العمل فدائياً مغواراً، لأنه تصدى لهؤلاء الغلاة الإرهابيين الذين لم يكونوا يترددون في اغتيال خصومهم؛ وكانوا ينشرون الرعب حيث وجدوا، كما هي حال "داعش" في عصرنا أو أشد، وفي هذا دليل على شجاعة الغزالي وقوة إيمانه الذي جعله يكتب هذا الكتاب الذي كان بمثابة حكم إعدام ضد هؤلاء الغلاة الإرهابيين، دون أن يهاب مكرهم !

4 – تهافت الفلاسفة : وقد شكل هذا الكتاب ضربة قاصمة لاستكبار الفلاسفة وادعائهم معرفة الحقيقة في المسائل الغيبية بعقولهم، وقد أعلن الغزالي في كتابه هذا فشل الفلسفة في إيجاد جواب للغيبيات مثل طبيعة الخالق، ونحو ذلك من المسائل التي لا سبيل لإدراك حقيقتها بالعقل المجرد، وصرح الغزالي أن اهتمامات الفلسفة ينبغي أن تنحصر في المسائل القابلة للقياس والملاحظة مثل الطب والرياضيات والفلك، وكان يرى عبثية محاولات الفلاسفة لإدراك كثير من حقائق الوجود بالعقل المجرد، وكانت هذه ضربة قاصمة من الغزالي للفلسفة !

لكن هذا الموقف من الغزالي نحو الفلسفة عامة، لم يمنعه من إقامة صلح بين المنطق الذي قال به بعض الفلاسفة والعلوم الإسلامية، مبيناً أن المنطق الذي قال به فلاسفة اليونان ينبغي الأخذ به بعيداً عن التصورات اليونانية الوثنية، ومن هذا المنطلق شن هجوماً عنيفاً على الفلاسفة المسلمين الذين تبنوا الفلسفة اليونانية مع ما فيها من هذه التصورات المناقضة للإيمان .

*****

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات