السبت 13 جمادى الأولى 1440 - 19 يناير 2019

أخ عزيز ومعلم كريم الشيخ صلاح الدين الإدلبي

الخميس 4 جمادى الأولى 1440 - 10 يناير 2019 194 كاتب الترجمة : عبد الباسط بيك 
أخ عزيز ومعلم كريم الشيخ صلاح الدين الإدلبي

من فضل الله على عباده أن يجمعهم - وخاصة في الغربة - مع صفوة من الأخيار يكونوا عونًا له؛ ليخففوا عنهم مرارة معاناة الغربة وقسوة البعد عن الأهل والأصدقاء . 

وقد أكرمني الله في غربتي بمثل هذا الصنف من الناس الذي صار نادرا .

وصلت إلى لمغرب في آخر شهر تشرين عام 1972 وأنا لا أعرف أحدًا مشرقيا أو مغربيا، وانتسبت إلى كلية الحقوق، فكان أول صديق لي طالب أردني من الرمثا من أسرة الكيلاني الكريمة، وتتابعت حبَّات المسبحة فكان معظم من عرفتهم من الأردن . ولاحظت أن الجميع يوجِّه لي هذا السؤال: هل تعرف الشيخ صلاح الدين إدلبي وهو طالب علم يدرس في دار الحديث الحسنية، وهو مثلك من حلب؟ . فكان النفي هو جوابي لهم . 

كثرة السؤال عن هذا الشيخ الذي قال عنه الإخوة الكثير من الكلام الجميل، جعلني أتوق للتعرف عليه. وزاد الشوق حين التقيت بأخوين من حلب يدرسان معي في الكلية نفسها ،وهما الأخوان العزيزن: الأخ الحبيب هاشم منقذ الأميري، والأخ الفاضل شريف نجيب خياطة، وكانا يعرفان الشيخ صلاح وأسرته من حلب، فحدَّثاني عنه وعن والده الشيخ أحمد وجده الشيخ محمد سعيد رحمها الله، ما زادني شوقا للتعرف عليه، وهو من سلالة عائلة عريقة من العلماء الأفاضل، ويعود نسبهم الكريم للشيخ السيد أحمد الرفاعي القطب الصوفي المعروف . 

جاء شهر رمضان فدعوت وشقيقي بعض الإخوة من حلب للإفطار، وكان الشيخ صلاح يعرف شقيقي قبل أن يعرفني، فلبَّى الدعوة وكان أول لقاء لي معه . وقد جاء في الحديث النبوي الشريف :"الأرواح جند مجندة ما تعارف منها ائتلف ". وقد تأكد فعلا في أول لقاء، فحصل بيني وبين الشيخ صلاح تجاوب روحاني، وهنا كانت نقطة الانطلاقة. 

وقبل أن أدخل في تفاصيل العلاقة التي توطدت بيننا لابد أن أشير إلى نفسية وشخصية هذا الأخ الكريم التي شجعتني لأكون صديقا له. 

وجدت في معالمه الخارجية النقاوة والرصانة والهدوء ونظافة الهندام، والحياء باد على وجهه، والخجل والأدب في حديثه، والتأدب مع الله والناس فلا يشارك في لغو الحديث إن سمعه، ويسعى لأن يكون الحديث مفيدا وليس مجرد كلام عابر أو عائم .

بدأت بزيارة الأخ صلاح الدين في مقر سكناه بمدينة سلا ، وكانت الزيارات متعة لي غير عادية فمجالسته بها العلم والإفادة، وفتح اللقاء لي معه أبوابًا جديدة لم أكن أعلمها بشكل عميق، فدخلت إلى علم الحديث النبوي عبره، فقدم لي معلومات غزيرة فتعلمت مصطلحات وتعابير وجمل ما كنت أعلمها كمصطلح الجرح والتعديل مثلا، ثم أكرمني بكتاب شيخنا الشهيد الدكتور صبحي الصالح الذي يشمل على اختصار واضح لأبرز معالم علوم الحديث النبوي .

وزرت وتعرفت على عدد من علماء المغرب مع أخي صلاح، فزرت كما ذكرت في مقال سابق العلامة الفقيه التطواني رحمه الله، ثم الفقيه أبو بكر المريني، والفقيه الحصيني رحمهم الله من مدينة سلا التي كان يسكن فيها . 

وكان الشيخ صلاح يحب مجالسة العلماء ، ويدخل في مناقشات معهم حول العلوم الدينية، ويسمع من المغاربة ما لم يسمعه من علماء المشرق من أفكار ومعلومات قيمة نفعته بمزاوجة فكرية بين المشرق والمغرب . 

لم يهنىء لي بال وتكتمل فرحتي وسعادتي إلى أن صار الأخ صلاح جاري في العمارة التي أسكنها، فصار اللقاء يوميًا على الغداء والعشاء حيث أنني كنت مكلفا بالطبخ، فكنا نستغل تلك الأوقات بالحوار حول مواضيع فقهية وتاريخية من السيرة النبوية، فكانت أحاديثه دروس علم وفائدة لي ولمن يحضر معنا .

وكنا نستفتي الأخ صلاح حول عدد من الأمور فكان يقدم لنا آراء أهل المذاهب الأربعة حول المسألة، و كنا نقول له : أنت يا شيخنا إلى أيّها يرتاح خاطرك فكان دائما يميل إلى الأصعب والأحوط. 

كانت دار الحديث الحسنية منتدى جمع شمل طلبة العلم من المغرب ومن بقية البلدان العربية . 

وكان الاخ صلاح الدين مرتبطا بعلاقات طيبة مع عدد من الطلبة المسلمين القادمين من عدد من الدول . 

وعن طريقه تعرفت على الأخ زهور السلام من الهند وهو خريج جامعة عليكرة الإسلامية وكان مهذبا ومتواضعا تواضع علماء الهند يتكلم العربية ويكتبها بطلاقة . 

وقدم لي الاخ صلاح طالبا من السودان وهو عبدالرحيم عثمان رحمه الله، وكان معروفا بطيبه وابتسامته الدائمة مثل بقية أهل السودان .

ومن إيران عرفني بطالب آخر اسمه قاسم يوسفي وهو من مشهد وكان متعبدا بمذهبه الشيعي، وكان الحوار بينه وبين الأخ صلاح حامي الوطيس حول موضوعات مثل قضية المسح على الرجلين عند أهل المذهب الشيعي بدل غسلهما . وثمة طالب آخر من البوسنة نسيت اسمه . 

ولا يمكن لي أن أنسى الاخ الدكتور داوود الفاعور رحمه الله من الأردن الذي صار صديق الجميع .

هؤلاء وغيرهم من الطلبة المسلمين كانوا زينة دار الحديث الحسنية ، توحي بمكانتها وقيمتها العلمية خارج المغرب .

تابع الشيخ صلاح دراسته في دار الحديث الحسنية، واشتغل ملحقا بوزارة الشؤون الإسلامية فساهم في تحقيق كتب ومخطوطات طبعتها وزارة الأوقاف المغربية وأشرف شخصيا على طباعتها وتصحيحها بالمطبعة الملكية بمدينة المحمدية .

الدكتور صلاح الادلبي أيام دراسته في المغرب

للأسف فإن هذا الجهد بقي خفيا لا يعرفه كثيرون لأن ما كان يحققه ويشرف على طباعته لا يكتب اسمه عليه كما جرت العادة . والأخ صلاح يمتلك شخصية التحدّي والصمود في مجال البحث فتراه باحثا ومنقبا ومقارنا ومحللا ومفسّرا ثم مستنبطا لآراء خاصة به قد تخالف ما وصل إليه الآخرون حيث أن عمق دراسته وخبرته مكّنته من الوصول إلى هذا المقام العلمي الكريم . 

ولا أنسى موضوع رسالته للماجستير حول شخصية كعب الأحبار التي أثارت نقاشًا حول تلك الشخصية، ثم بحثه في الدكتوراه حول نقد المتن في الحديث النبوي.

ومن فضائله عليَّ - حفظه الله- أنه حبَّب إلي حضور مناقشة الأبحاث الأكاديمية بدار الحديث الحسنيَّة، فتعرفت على عدد من كبار علماء المغرب الذين كانو أعضاء في لجان المناقشة. 

سكنت لاحقا مع الأخ صلاح الدين في بيت واحد، فصرت أقرب إليه من مجرد جار في العمارة إلى مشارك له في السكن، فارتفعت درجة التعارف مع هذا الأخ العزيز. 

وتعلمت منه عدم السؤال عمَّا ما ليس لي به شأن، وعدم التدخل في خصوصيات الآخرين، وما سمعته سابًّا ولا شاتما لأحد مهما أغضبه أو أزعجه، وكان أقصى ما يقول عنه: عليه من الله ما يستحق . 

ومن جملة ما تعلمت منه: ضبط مخارج الحروف في تلاوة القرآن، وأذكر أخي صلاح الدين كلما قرأت الفاتحة نبّهني إلى مخارج حرفي السين والصاد. 

وأشير إلى أن أول من نبَّهني إلى أنَّ لدي أسلوبًا جيدا في الكتابة والتجويد كان هو . وأنا على يقين أن ما وصل إليه الدكتور صلاح الدين الإدلبي كان - بعد فضل الله - بجهوده وصبره ومعاناته التي مرَّ بها فصقلت خبرته وتجاربه فأصبح كالماس الثمين ببريقه ولا يعرف قيمة الماس إلا خبير . 

استلم الشيخ صلاح إمامة مجلس الحي الجامعي بالرباط فسُرَّ بشخصيته وخطبه يوم الجمعة الكثير من الطلبة، وصار كشوكة في خاصرة الاتجاه اليساري بين الطلبة ، فتضايقوا منه رغم أن خطبه لم تكن سياسية إنما كانت إسلامية تعبوية . 

هذا بعض ما جادت به الذاكرة عن أخ عزيز ومعلم كريم.

جزاك الله خيرا يا أخي الكريم أبا أحمد، وأكرمك بمقام عزيز كريم عنده

 من يسار الناظر على الصورة يظهر : الدكتور صلاح الدين الإدلبي ثم الدكتور رفيق مهايني من دمشق ثم الشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري، ثم محيي الدين الحلو، ثم انس عرقسوسي ثم السوداني عبدالرحيم عثمان رحمه الله وكان طالبا بدار الحديث الحسنية وهو ظريف والشاب الصغير هو الدكتور ملهم الاميري أصغر ابناء الاستاذ عمر رحمه الله.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا