الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 - 13 نوفمبر 2019

الداعية فتحي يكن - غاية السكن وإظهار المنن في ترجمة الد

الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1401
الداعية فتحي يكن - غاية السكن وإظهار المنن في ترجمة الد
غاية السكن وإظهار المنن في ترجمة الداعية فتحي يكن
بقلم: ماجد درويش
في التاسع من شهر شباط عام 1933 م / الموافق له : الرابع عشر من شهر شوال عام 1351 للهجرة النبوية الشريفة، شهدت طرابلس الشام ، ولادة طفل من أبوين كريمين، وأسرة عريقة، طفلٍ قدَّر الله تعإلى أنه سيكون له تأثير بالغ ومباشر في مجريات الحياة الدعوية في بلاد الشام والعالم الإسلامي قاطبة.
العائلة وأصولها
تعود أصول عائلة فقيدنا إلى تركيا، حاضرة الإسلام، ومعقل الخلافة القادمة إن شاء الله تعالى، وقد غادر الجد الأول للعائلة تركيا في القرن السابع عشر الميلادي، لخلاف مع السلطان آنذاك، واستوطن حلب وطرابلس، وكان من أحفاده [حمزة باشا يكن] والي طرابلس، وهو جد العائلة اليكنية الطرابلسية وأصل شجرتها.
النشأة
خير من يحدثنا عن نشأة فقيدنا هو فقيدنا نفسه، إذ كان قد كتب شيئاً من مذكراته، فيقول فيها عن نشأته الأولى:
النشأة الأولى : مرحلة الطفولة
"كانت ولادتي ـ بمشيئة الله تعالى: في التاسع من شباط من العام 1933 م.
نشأت في بيئة متدينة محافظة أبـا ً عن جدّ.. وعشت طفولتي الأولى في كنف جدتي لأبي، المرحومة السيدة [وسيلة مرحبا] التي وجَدَت بي السلوى والعوض عن زوجها جدي المرحوم [محمود شريف يكن] الذي توفي قبل ولادتي بأيام.
كانت جدتي رحمها الله على جانب كبير من التدين، صارمة وذات شخصية قوية. تعلمت على يديها الوضوء والصلاة والأدب، وخصالاً لا تزال تلازمني حتى اليوم: النظافة، والترتيب، والحزم ، ومحبة المساكين .
في غرفتها المتأنقة أثاثاً، المتألقة بياضاً، كنت أقضي سحابة يومي حتى التحاقي بالمدرسة.. تارة أعبث بشعرها الفضي ـ وهي تضمني إليها بحنان ـ وطوراً ألعب فوق سريرها المعدني، المجلل " بشراشف " تحاكي في بياضها بياض الثلج الناصع في أعالي الجبال.
على هذا النحو درجت، وفي هذا البيت الذي يقع في منطقة الرفاعية، بمدينة طرابلس، عشت وتربيت، بين جدة متدينة وصارمة، وأب لايقل عنها صرامة وإن كانت مفعـمة بالمحبة والعاطفة، ولكنها دفينة ويندر ظهورها؟
أما والدتي [عائشة] ـ رحمها الله رحمة واسعة ـ فكانت كتلة من عاطفة، ولكنها جامحة يصعب التحكم فيها، أو التخفيف من ضرامها.
صرامة لكنها مفيدة
صحيح أننا كأطفال صغار كنا نتضايق من الصرامة التي جعلت منزلنا أشبه بالثكنة العسكرية، ولكننا بدأنا ندرك فائدتها بعد أن تقدم بنا السن؟
على مدخل الباب الخارجي كان والدي [محمد عنايت] رحمه الله قد أثبت لوحة للبلاغات الصادرة عنه ، منها :
• تحديد موعد العودة إلى المنزل مساء.
مواعيد تناول الطعام، صباحا وظهرا ومساء.
مواعيد الاستحمام.
تعليمات تتعلق بالنظافة واخرى بالترتيب.
وتنبيهات تتعلق بالدراسة، إلى غير ذلك من الامور المستجدة.
أذكر أن حضوره وهيبته وصرامته قد تركت أثراً على كل أفراد العائلة، حتى القطط التي كان لا يخلو بيتنا من واحدة منها، فقد كانت تختفي عن الأنظار عندما كانت تسمع صوت مفاتيحه وهو يعالج قفل الباب" !..
جدي لأمي حكمت شريف يكن
ويستطرد فقيدنا رحمه الله تعإلى في الكلام عن آبائه الذين كان لهم في تكوينه الفضل الكبير والأثر المباشر، وبالأخص جدُّه لأمه العلامة الكبير، والحقوقي الشهير، والأديب اللامع، والمؤرخ حكمت شريف يكن، فيقول: " أما جدي لأمي فهو المرحوم حكمت شريف يكن، الكاتب والشاعر والمؤرخ والاديب المعروف، وإن بقيت معظم مؤلفاته مخطوطات لم تأخذ طريقها إلى الطباعة بعد. ولد في طرابلس عام 1880 وتوفي في اللاذقية عام 1948.
ولقد قامت زوجتي ـ حفظها الله وجزاها خيراً ـ منذ سنوات بتحــقـيــق أحـــد كتبه تاريخ طرابلس الشام ، من أقدم عصورها إلى هذه الأيام فيما تنتظر المخطوطات الأخرى من يتعهدها بالتحقيق والطباعة، كتاريخ الأديان الذي يقع في اثنين وثلاثين جزءًا. وكان رحمه الله يتقن التركية، ويتكلم الفارسية والأوردية والفرنسية.
على غلاف كتابه [ تاريخ طرابلس الشام ] نظم جدي البيتين التاليين من الشعر:
"طرابلس الفيحاء شامة" قطرنا مدى الدهر في خد البلاد غدت شامة
"وجـُـلًـقُ" لما شبهوها بعينهــا فانسانها كانت " طرابلس شامــة"
تلقى العلم في الآستانة وعاد إلى الفيحاء يحمل الشهادات العليا ، كما نهل من علوم شيوخها وأعلامها كالشيخ محمود نشابه 1813-1890 و الشيخ عبدالغني الرافعي 1816-1890 و الشيخ عبد القادر الرافعي وغيرهم .
ومن آثار وأعمال الجد رحمه الله ، أنه أصدرفي اللاذقية جريدة (الرغائب ) التي توقفت أثناء الحرب العالمية الأولى لاعتبارات كثيرة ، ثم عادت للصدور.
تزوج جدي سيدة من اللاذقية هي المرحومة [ نظيرة ]ابنة مفتي المدينة الشيخ عبد القادر المفتي بحكم عمله فيها، حيث أنجبت له ثلاث بنات هنَّ : عائشة "والدتي"، وعزمية، التي توفيت بعد فترة وجيزة من زفافها من المهندس صلاح رمضان ، وعربية زوجة مدحت عجان من اللاذقية .
أحبني جدي حباً شديداً، ومميزاً، جعله يختصني في وصيته بمكتبته الزاخرة العامرة .. وبسبب من صغر سني يوم وفاته، فقد ضاع الكثير من محتويات هذه المكتبة الفريدة، ولم يتسَّن للوالد إلا نقل القليل منها إلى طرابلس، إضافة إلى المخطوطات، التي أمكن المحافظة عليها؟
ومن مفارقات الأقدار، أن تكون وفاة جدي ـ ابن طرابلس ـ في اللاذقية حيث دفن فيها، وأن تكون وفاة جدتي السيدة نظيرة ـ إبنة اللاذقية ـ في طرابلس، حيث دفنت فيها، وصدق الله تعإلى حيث يقول: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت }
مرحلة الشباب
ونبقى مع فقيدنا ومع ذكرياته يحدِّثنا فيها عن مرحلة الشباب، وعن البيئة الإيمانية التي كان ينعم في الحياة تحت ظلالها الوارفة، وعن نشأة العمل الإسلامي في لبنان، والظروف والأحداث التي أثرت في ذلك، فيقول رحمه الله تعالى: التحقت في سن مبكرة بمدرسة النجاح الوطنية، ثم بمدرسة النموذج الرسمية، وكنت يومها في العاشرة من العمر. كان يدير المدرسة ( مدرسة النموذج ) الدكتور حسن الحجة، بينما يتولى الشيخ نصوح البارودي التعليم الديني فيها رحم الله الاثنين معا.
مذبحة فرنسية لاتنسى في شوارع طرابلس
من الذكريات الأليمة التي استقرت في العقل الباطن، ويصعب نسيانها، تلك المذبحة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الفرنسي في مدينة طرابلس ..
فقبيل استقلال لبنان في العام [1942] خرجت مسيرة طلابية تجوب شوارع المدينة المجاهدة طرابلس، تطالب بانسحاب القوات الفرنسية من لبنان، وكنت من المشاركين فيها.
وما أن وصلت المسيرة إلى شارع الميناء، وبمحاذاة منزل محافظ المدينة، اعترضها رتل من الدبابات الفرنسية، قامت بفتح رشاشاتها على الطلاب العزل ثم اندفعت نحوهم ساحقة أجسادهم تحت عجلاتها المجنزرة بوحشية تفوق كل تصور، مخلفة عشرات الجثث التي تحولت إلى كتل من اللحم والعظم لاصقة على الطريق.
وهنا أود أن أسجل ـ للتاريخ والأجيال ـ أن الروح الجهادية المعطاءة، كانت ولا تزال الميزة الأساسية التي يتحلى بها أهل الفيحاء ـ مدينة العلم والعلماء، كما مدينة الجهاد والإباء ـ وهو ما جعلها فخر الثورات، ومنطلق الحركات التحررية بلا منازع.
المدرسة الأميركية للصبيان
في العام 1946 ألحقني والدي رحمه الله بالمدرسة الأميركية للصبيان، والتي تضم أبناء معظم العائلات الطرابلسية والشمالية المعروفة.
وقد أتيح لي في هذه البيئة الجديدة أن أتعرف وفي سن مبكرة على أنماط شتى من الناس والتيارات والأحزاب والطوائف والمذاهب.
في عام 1953 تخرجت من هذه المدرسة ونلت شهادة الدبلوم High) School )."
الحضرة الأسبوعية
وعن الجو الإيماني الذي ترعرع فيه فقيدنا يحدِّثنا فيقول: "من العوائد التي درج عليها الوالد رحمه الله إقامته ما سمي [الحضرة الأسبوعية] التي كانت تعقد كل ليلة اثنين، يحضرها نخبة من العلماء والقراء والمنشدين، من أمثال الشيخ نصوح البارودي، والشيخ أنور المولوي ( والد سماحة الشيخ فيصل المولوي )، وغيرهم،حيث كان يقرأ القرآن، ثم تنشد [قصيدة البردة الشريفة] للإمام البوصيري، والابتهالات والمدائح النبوية، وفي نهاية المطاف توزع الحلوى والمرطبات"......
والبداية الحركية
أما عن البدايات الحركية فيحدِّثنا رحمه الله تعإلى قائلا: " في مطلع الخمسينيات ، وتحديداً عام 1952 وصلتني أعداد من مجلة( الدعوة ) المصرية ، التي يرأس تحريرها المرحوم صالح عشماوي .. والحقيقة أنني تأثرت بهذه الصحيفة تأثراً كبيراً ، حيث أسهمت في بلورة شخصيتي الحركية ، وانتقلت بي من حال التدين السلبي إلى حال التدين الإيجابي ، ومن دائرة الهم الفردي إلى دائرة الهم الجماعي .. كان كل ذلك بداية التأسيس الحركي في حياتي بقدر الله تعإلى ومشيئته ..
جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية
كان العام 1953 بداية المسيرة الحركية في حياتي .. رحت أستكشف أجواء المدينة التي ولدت فيها طرابلس مدينة العلم والعلماء، والتي كنت غائباً عنها ، ولا أعرف إلا القليل عنها .
سرعان ما ساقني القدر إلى المحضن الدعوي الأول والمتمثل بـ (جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية ) حيث ضمني إلى نخبة من رجالها والعالمين فيها ، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ صلاح الدين أبو علي [ رئيس البعثة الأزهرية في لبنان ] والتي كانت تضم حوالي 36 أزهريا " .
في هذه المرحلة ، ولدت النواة الأولى للعمل الإسلامي في لبنان، وقد ضمَّت إلى فقيدنا الراحلين: عبد الرحمن القصاب، مصطفى صالح موسى ، الشيخ سعيد شعبان ( أمير حركة التوحيد الإسلامي فيما بعد )، أحمد فضة . رحم الله تعالى الجميع وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
وعن هذه المجموعة ودورها في الحياة الطرابلسية، يقول : " كان إقبال المجموعة الإسلامية الأولى كبيراً ولافتاً على فهم الإسلام فهماً صحيحا ، والخروج من دائرة الفهم الوراثي إلى دائرة الفهم الحركي ، القائم على المعرفة والإيمان والعمل" . ويقول: "رافق هذا الأمر قيام المجموعة بتنظيم أحاديث دعوية أسبوعية في مسجد (التوبة) الذي يقع بمحاذاة نهر أبي علي ، وفي الوسط الشعبي لمدينة طرابلس.. ولقد عُهد إلى أن أكون أول المتكلمين في هذا النشاط .. وكانت المرة الأولى التي أتحدث فيها أمام الناس وفي مسجد ، يوم لم يكن يؤم المساجد الا كبار السن والعجائز من أعمار آبائنا وأجدادنا" .
اتساع الدائرة وإقبال الشباب
"لم يمر عام على بدء النشاط الدعوي حتى توافد الشباب على العمل بفضل الله تعالى .. فأرضية مدينة طرابلس زاخمة بالخير ، كانت ولا تزال وستبقى ، خزانا متوقدا نابضا بالتفاعل مع الإسلام والقضايا الإسلامية في كل مكان .." .
جماعة عباد الرحمن المحضن الثاني
في هذا الوقت نشأت جماعة عباد الرحمن ـ في بيروت ـ في أعقاب هزيمة عام 1948، كردة فعل إسلامية أفرزها المصاب الأليم .وعن هذه الجمعية، وعن علاقتهم بها، يحدِّثنا فقيدنا، فيقول:
"كان مؤسسها الاستاذ محمد عمر الداعوق قد عاش المأساة في فلسطين ، وتشرد مع من تشردوا منها إلى لبنان ..
جاء الطرح العفوي لمؤسس الجماعة مؤكدا على أن لهزيمة ما كانت لتقع لو أن العرب قاتلوا تحت راية الإسلام .
ولقد لقي هذا الطرح قبولا زاخما في أوساط العاصمة اللبنانية حيث انخرط في الجماعة آلاف الشباب المسلم .. عام 1954 عقدت لقاءات بيننا وبين جماعة عباد الرحمن ، انتهت بالتحاقنا بها ، وافتتاح فرع لها في مدينة طرابلس ، مما أتاح لنا فرصة الاحتكاك بأوساط العاصمة اللبنانية بيروت وبقية المناطق اللبنانية. كانت هذه المرحلة غنية بنشاطاتها التربوية والدعوية والكشفية ، قبل أن تدهمنا فتنة الناصرية.. عانت الجماعة الكثير من آثار الضغط الناصري ، نتيجة الصراع الذي انفجر بين الإخوان في مصر وجمال عبد الناصر ، والحملة التي شنها هذا الأخير على الحركة " كما " جرت محاولات لاختراق الجماعة سياسيا من قبل التيار الناصري ، انعكس سلبا على علاقاتنا بها ".
الانفصال عن عباد الرحمن والالتحاق بالإخوان المسلمين
ويحدِّثنا فقيدنا عن ظروف الخلاف مع جماعة ( عباد الرحمن ) الذي أدى في النهاية إلى الانفصال عنها، والالتحاق بالإخوان المسلمين، فيقول: " لدى اندلاع ما عرف بـ " ثورة عام 1958 " على كميل شمعون ( رئيس الجمهورية اللبنانية ) آنذاك ، بسبب قبوله مشروع " أيزنهاور وحلف بغداد والنقطة الرابعة " قمنا بواجبنا في مدينة طرابلس بتوعية الجماهير على الخطر الداهم ، وأنشأنا إذاعة عرفت بـ " صوت لبنان الحر " ، وشارك شبابنا في الدفاع عن المدينة التي كانت مطوقة من قبل الجيش وميليشيات الكتائب والقوميين السوريين ، مما أغاظ قيادة عباد الرحمن التي كانت ترفض رفضا باتا هذا اللون من العمل ، الأمر الذي أدى بالنتيجة إلى انفصال مركز طرابلس عن تنظيم عباد الرحمن".
أثر المرحوم الدكتور مصطفى السباعي على مسيرة العمل الإسلامي في لبنان
ويتابع قائلاً : " من تقادير الله تعالى في هذه المرحلة ،أن يأتي إبعاد المرحوم الدكتور مصطفى السباعي في عهد أديب الشيشكلي من سورية إلى لبنان فرصة لإنضاج مسيرة العمل الإسلامي .فهو ـ من خلال استقراره في العاصمة اللبنانية بيروت ـ دأب على تكوين جماعة عباد الرحمن وصياغتها على عينه ، من خلال إمدادها بما لديه من علم وخبرات في مجال العمل الإسلامي . ولقد انعقدت بيني وبين الرجل صلة حميمة استمرت طيلة فترة إقامته في لبنان ، ثم استمرت بعد ذلك طوال فترة مرضه وحتى وفاته رضي الله عنه وأرضاه ، وأسكنه فسيح جناته.
ولا يسعني من قبيل الوفاء لهذا العالم الداعية القائد، إلا أن أسجل ما كان له من أيادي بيضاء وفضل عميم على توجيه وتأصيل المسار الإسلامي في لبنان ".
أما الأثر الكبير الثاني فكان لزيارة المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين يومها، رحمه الله تعالى، إلى لبنان، حيث زار طرابلس بدعوة من رئيس البعثة الأزهرية فضيلة العلامة الشيخ المربي صلاح الدين أبو علي رحمه الله تعالى، وعن هذه الزيارة يحدِّثنا الفقيد الغالي فيقول: " عام 1954 زار المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي مدينة طرابلس حيث ألقى محاضرة في مركز جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية.. كلف رئيس الجمعية في تلك الفترة الشيخ صلاح الدين أبو علي رئس البعثة الأزهرية في لبنان ، المرحوم الدكتور " صبحي الصالح " بتقديم المرشد العام للحضور، وكان يرافق الأستاذ المرشد في جولته تلك ( المرحوم صالح أبو رقيق).. ألقى فضيلة المرشد العام كلمة مطولة تناول فيها الأوضاع العامة التي تمر بها بالبلاد في أعقاب هزيمة عام 1945 والانقلاب الذي قاده محمد نجيب ضد الملك فاروق بدعم من جماعة الإخوان المسلمين ، كما تحدث عن لقاءاته مع المسؤولين في المملكة العربية السعودية ، ودعا إلى تكاتف العرب والمسلمين ، وإلى اعتماد الإسلام منهجا لحياة المسلمين .
أذكر أنني وبعض الإخوة رافقناه في جولة قام بها على المؤسسات الإسلامية في المدينة كان منها " كلية التربية والتعليم " وخلال التقاط بعض الصور الفوتوغرافية ابتدر المصور الأستاذ المرشد قائلا :" أرجو من فضيلتكم الانحناء قليلا لتظهر الصورة كاملة " فما كان من فضيلته إلا أن أجابه باللهجة المصرية وعلى الفور : [ ما تعود تش ] أي أنني لم أتعود الانحناء إلا إلى رب العالمين" .رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وقد تركت هذه الزيارة أثراً كبيراً في نفس فقيدنا ووجدانه، حيث فتحت أمامه الآفاق الحقيقية للعودة إلى الله تعالى، والسعي لاستئناف الحياة الإسلامية.
هذا ، ومع حداثة سنِّه بالنسبة للعلماء الموجودين في طرابلس، إلا أنه كانت له في نفوسهم محبة ومكانة، بل كانوا يقدمونه عليهم في الخطابة، وبخاصة إبان ( ثورة 1958 ) التي سبق الكلام عنها، وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره. وعن ذلك يحدِّثنا فيقول: " خلال ثورة عام 1958 عهد إلي مدير أوقاف طرابلس المرحوم الشهيد ( عصام المولوي )- عم سماحة الأمين العام الشيخ فيصل مولوي شفاه الله تعالى - خطابة مسجد ( أبي سمراء )، وهو المسجد الوحيد الكائن في منطقة أبي سمراء – في ذلك الوقت - ذات الثقل السكاني والإسلامي ، والتي كانت محاصرة يومذاك من قبل الجيش اللبناني وميليشيات القوميين السوريين والكتائب اللبنانية ..كنت محرجا بهذا التكليف مع قناعتي بأهمية قيامي بهذا الدور .. وسبب الحرج عندي هو أن أعضاء البعثة الأزهرية الذين ناهز عددهم الثلاثين في تلك الفترة ، كانوا يؤدون صلاة الجمعة في نفس المسجد ، وكلهم علماء أفاضل وعلى رأسهم رئيس البعثة الشيح صلاح الدين أبو علي رحمه الله ، بينما لازلت فتى يافعا لما تنبت لحيتي بعد ، فضلا عن ضحالة ما كان لدي من علم شرعي .
حاولت الاعتذار ، وتمنيت على الشيخ صلاح الدين أبو علي أن يقوم بذلك عني ، ولكن أصر الجميع على أن أقوم أنا بذلك ، فلله الأمر من قبل ومن بعد ، ولله في خلقه شؤون.
ومن ذكريات تلك الحقبة أن المرحوم عصام مولوي كان يحضر صلاة الجمعة باستمرار في المسجد المذكور .. وبعد صلاة إحدى الجمع قفل عائدا إلى بيته كالمعتاد ، وما أن أصبح قاب قوسين أو أدنى من منزله حتى اخترقت رصاصات قناص رأسه وقلبه ، فخر شهيدا أمام عيون أبويه الذين كانوا ينتظرون وصوله من وراء النافذة .. رحمه الله رحمة واسعة .
وممن لا أنساهم في تلك الفترة الشيخ الرباني عمر الرافعي رحمه الله ، والذي كان يحبني كثيرا، ويشجعني على عمل الدعوة والخطابة ، ويحدثني عن ذكرياته مع الإمام الشهيد حسن البنا يوم كان في القاهرة ، وكان معجبا به غاية الإعجاب .
ولما كان المسجد المذكور الوحيد في تلك المنطقة الشعبية ، فقد كان يؤمه الجميع ، من قوى سياسية وحزبية حركة القوميين العرب وحزب البعث والحزب الشيوعي والناصريون .. وكان من زوار المسجد الدائمين يوم الجمعة المرحوم رشيد كرامي ابن الزعيم عبد الحميد كرامي رحمه الله الذي عهد إليه تشكيل أول حكومة بعد الثورة .
الغزو الأميركي للبنان الأسطول السادس :
وعن ذكريات تلك الحقبة يتابع قائلاً : " أواخر العام 1958 بدأت أميركا تهديداتها للقوى الوطنية والشعبية في لبنان ، ولوحت بإرسال الأسطول السادس الأميركي لدعم حكم كميل شمعون المؤيد للسياسة الأميركية وقيام حلف بغداد .
ولقد واجهت الموقف الأميركي هذا حملة واسعة من الاستنكارات شملت الكثير من المرجعيات السياسية والدينية ، كان منها موقف البطريرك المعوشي ، الذي قال بالحرف الواحد : إذا وطئت قدما أول جندي أميركي شواطيء لبنان فسأخوض المعركة بنفسي. وصل الأسطول السادس إلى الشواطيء اللبنانية .. وبدأت عملية إنزال الجنود والمعدات إلى الأراضي اللبنانية ، دون أن يحرك البطرك ساكنا .
وفي خطبة الجمعة التي تلت ، تناولت الموضوع بمسائلة للبطريرك المعوشي عن العهد الذي قطعه على نفسه .
وعبر إذاعتنا الخاصة صوت لبنان الحر وجهنا بيانا تحذيريا باللغة الانجليزية إلى القوات الأميركية لترك هذا البلد وشأنه، أو لتنتظر غضبة الشعب اللبناني وثورته ".
هذا جزء من ذكريات أستاذنا أبي بلال عن النشأة الأولى له وللحركة الإسلامية في لبنان.
وبالعودة إلى سيرته الذاتية، أقول: إن أستاذنا رحمه الله تعالى حائز على شهادة في الهندسة الكهربائية من كلية اللاسلكي المدني في بيروت. كما أنه منح دكتوراه فخرية على جهوده ومؤلفاته الدعوية العديدة. وهو متزوج من السيدة الفاضلة الأستاذة الدكتورة منى حداد رئيسة جامعة الجنان في طرابلس.
من آثاره الدعوية
1- أسس العمل الإسلامي في لبنان في الخمسينات.
2- أنشأ الجماعة الإسلامية في مطلع الستينات وتولى الأمانة العامة فيها حتى العام 1992حيث قدم استقالته منها بعد نجاحه في الانتخابات النيابية ليتفرغ للعمل البرلماني.
3- بقي نائباً في البرلمان النيابي حتى العام 1996 حيث أصدر ثلاثة كتب حول التجربة النيابية.
الأول : التجربة النيابية بين المبدأ والتطبيق.
الثاني : التجربة النيابية عبر الإعلام.
الثالث : التجربة النيابية في الميزان.
4- كان له دور ملحوظ في السياسة اللبنانية والإقليمية.
5- شارك في معظم المؤتمرات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم دوَّن معظمها في كتابه : "فقه السياحة في الإسلام ونماذج لرحلات دعوية قي أرض الله الواسعة".
6- التقى العديد من الرؤساء العرب داعياَ وناصحاَ ومذكراَ.


وعن رحلاته الدعوية الكثيرة، كان يكثر ذكر رحلته إلى القدس عام 1960 لحضور المؤتمر الإسلامي الذي انعقد فيها يومها، وقد دون هذه الرحلة وغيرها في كتابه : ( فقه السياحة في الإسلام )، ومما قاله عن رحلة القدس: " بعد هزيمة العرب في فلسطين عام 1948 تنادى زعماء وقادة الحركات الإسلامية لاجتماع عقد في دمشق حضره ممثلون من معظم الدول العربية والإسلامية.
كان منهم: الشهيد سيد قطب، الشهيد نواب صفوي، المرحوم الدكتور مصطفى السباعي، المرحوم الدكتور سعيد رمضان، المرحوم الأستاذ محمد محمود الصواف، الأستاذ كامل الشريف وغيرهم..
ولقد قرر المجتمعون تشكيل ما سمي بـ "المؤتمر الإسلامي العام" للاهتمام بالقضية الفلسطينية ومواجهة التحديات الصهيونية على كل صعيد..
ومنذ ذلك الحين درجت أمانة المؤتمر الاسلامي، التي أسندت إلى الدكتور سعيد رمضان ونائبه الأستاذ كامل الشريف على عقد مؤتمر سنوي في القدس لإبقاء القضية الفلسطينية حية في ضمير العالم الاسلامي.
عام 1960 حضرت مع الأخ المرحوم الحاج (مدحت بلحوص) المؤتمر المذكور الذي انعقد في (المدرسة العمرية) الواقعة في فناء المسجد الأقصى وبجوار مسجد قبة الصخرة.
كان عريف الاحتفال المرحوم الأستاذ أكرم زعيتر الذي ألقى كلمة بالمناسبة وراح يقدم الخطباء للكلام.. فتكلم الأستاذ كامل الشريف، فالدكتور سعيد رمضان، فالأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة، فممثل إيران السيد محمود طالقاني، وغيرهم..
ولقد ألقيت يومها كلمة لبنان مؤكداً على أن هزيمة العرب عام 1948 كان بسبب تركهم للإسلام: عقيدة وشريعة، نتيجة إسقاط الخلافة، وما فعلته معاهدة سايكس-بيكو من تمزيق للأمة، وإحياء للنعرات الطائفية والمذهبية والقومية..
- وأكدت على أن الأمة مدعوة إلى الأمور التالية:
• العمل على إحياء الخلافة.
• العمل على إحياء الأخوة الإسلامية والوحدة العربية.
• إحياء فريضة الجهاد.
وأذكر أني مررت بمسجد قبة الصخرة فوجدت ورشة عمل فوق القبة، فسألت عن ذلك فقالوا إنهم يضعون (صفائح ذهبية) فوق القبة.
فقلت وهل يجوز أن ننشغل بهذا والمسجد الأقصى وبيت المقدس وكل فلسطين في خطر؟؟
من ذكريات هذه الرحلة زيارتنا لقرية (صور باهر) التي كان فيها المقر العسكري لقوات مجاهدي حركة الإخوان المسلمين الذين جاءوا من مختلف الدول العربية والاسلامية، والذين أبلوا في جهادهم أحسن البلاء، لولا خيانة الملك فاروق، واغتيال المرشد العام الإمام حسن البنا (رحمه الله) والأمر الذي صدر باعتقال آلاف المجاهدين وإيداعهم السجون لدى عودتهم إلى مصر بدل تكريمهم." .
عائلته
رُزق أستاذنا رحمه الله تعالى من الأولاد أربع بنات وغلام، هو أصغر أبنائه سناً، أسماه (سالم) على اسم ابن عمّه الشهيد سالم يكن الذي مضى إلى ربه شهيدًا سنة ( 1976 ) أثناء الحرب الأهلية في موقع مقابل للعدو يُعرف بتلة حسون. فلما رزقه الله تعالى ولده الذكر الوحيد أسماه على اسمه.
المحنة
بعد دخول قوات الردع العربية إلى لبنان عام 1976 لإنهاء الحرب اللبنانية، ثم تحوُّل هذه القوات إلى قوات سورية فقط، عانت الحركة الإسلامية كثيراً من هذه القوات، فاعتقل أستاذنا رحمه الله تعالى على أيديهم، ولبث عندهم في السجن بضع شهور، ثم أُطلق سراحه على أثر الضغوطات العربية التي مورست على النظام السوري، وبخاصة السعودية. وقد حصلت أثناء فترة الاعتقال مواجهة بين أستاذنا وبين الرئيس حافظ الأسد، كان أستاذنا فيها مثالاً للداعية الذي لا يخشى في الله لومة لائم، فتركت هذه المواقف أثرها في نفس الرئيس الأسد، ومن يومها نشأت بينهما علاقة احترام على قاعدة (صراع الأكابر ). وكان لهذه العلاقة أكبر الأكثر بعد ذلك في حماية الدعوة من عوادي الزمن، وبخاصة في فترة الثمانينات التي شهدت الحوادث المؤلمة في سوريا.
العمل النيابي اللبناني وأثره على التنظيم
سبق وذكر أن أستاذنا نجح في البرلمان اللبناني نائباً عن الجماعة الإسلامية في طرابلس والشمال، عام 1992 م، وكان معه في الندوية البرلمانية الأخوان: المحامي أسعد هرموش عن الضنية والمنية، والدكتور زهير العبيدي عن بيروت. وكانت التجربة النيابية بداية التباين في الآراء بين أستاذنا وبقية قيادة الجماعة، وقد عبَّر عن هذا التباين في أكثر من موقف، وفي عدة كتب. إلا أن وعكة صحية شديدة ألمَّت به في العام 1994 م، ألزمته الابتعاد عن العمل العام فترة تزيد على السنتين، إلا أن الله تعالى قد أخرجه من هذه المحنة الشديدة سالماً معافى بعد أن أبدله لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه.
وبعد رجوعه إلى العمل العام، ازدادت الهوة بينه وبين إخوانه بسبب المواقف التي كانت تراها الجماعة سياسية، وكان يراها هو مبدئية. واستمر الحال على هذا إلى عام 2005 م ، حيث أسس جبهة العمل الإسلامي بهدف جمع شتات فصائل الحركة الإسلامية تحت سقف واحد.
وكان قبل هذه الفترة قد قامت بينه وبين الرئيس السوري الجديد بشار الأسد علاقة ثقة استثمرها أستاذنا رحمه الله تعالى في محاولة إنهاء الملف العالق بين النظام السوري وبين جماعة الإخوان المسلمين. إلا أن الأقدار كانت أسرع، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وفاته :
بعد معاناة مع المرض لم تدم ثلاثة أيام انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد عصر السبت 20/جمادى الآخرة /1430 الموافق 13/6/2009 عن عمر قارب السابعة والسبعين وصلي على جثمانه الطاهر بعد عصر يوم الأحد 21/جمادى الآخرة /1430 الموافق 14/6/2009 في مسجد طينال ، وووري الثرى في جبانة باب الرمل (القهواتية) في مدفن عائلته .
أستاذنا أبا بلال:
لقد كنت كبيراً في زمن عزَّ فيه الكبار
عملاقاً في زمن كثرت فيه الرويبضات
كريماً في زمن كثر فيه الشح.
لقد بنيت للحركيين في لبنان صرحاً شامخاً....
بذلت جاهك، ومحبتك، ووقتك، ومالك للجميع. لم تفرِّق بين صادق ومتزلِّف لأنك تحب أن تتعامل مع الناس بفطرة سليمة. فاستفاد من جاهك الكثيرون، ونهل من معين مجدك من يستحق ومن لا يستحق، وما كان هذا ليؤثر على عطائك، ولا على حركتك.
برحيلك عنا طُويت صفحة من صفحات الدعوة في العصر الحديث.
برحيلك عنا تركتنا نلاطم أمواج الفتن بلا ربان.
أستاذنا أبا بلال: هنيئاً لك جوار ربك، ما أكثر ما كنت تقول: لا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه، وها أنت قد استرحت من عناء الدنيا ومكابدة الناس فيها، إلا أنني أشهد أنك قد أمضيت حياتك حتى اللحظة الأخيرة عابدأ لله تعالى، متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أميناً على الدعوة، وعلى إرث الإمام الشهيد حسن البنا، وكتابك الأخير: ( البصمة الوراثية لحركة الإخوان المسلمين ) يشهد كم كنت تريد نصح العاملين في الدعوة بالعودة إلى أصالة الحركة وفقهها، وكتبت لهم: ( يا ليت قومي يعلمون ). وأسأل الله تعالى أن يهيئ لكتابك الأخير من ينشره تلبية لرغبتك.
رحمك الله رحمة واسعة وأسبغ عليك رضاه وأنزل على قبرك شآبيب الرحمة والرضوان.

.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا