الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 - 13 نوفمبر 2019

عبد الكافي الأبرش - حياة عالم عامل

الثلاثاء 29 شعبان 1439 - 15 مايو 2018 3079 كاتب الترجمة : بثينة بنت عبد الكافي الأبرش
عبد الكافي الأبرش - حياة عالم عامل
شذرات من حياة الشيخ عبد الكافي الأبرش رحمه الله في مدينة حمص

ولد - رحمه الله - في 1349 للهجرة ، الموافق 1931 للميلاد في مدينة حمص ، لوالدين كريمين ينتهي نسبهما إلى سيدنا الحسين بن علي - رضي الله عنه – بن السيدة البتول فاطمة - رضي الله عنها- بنت النبي سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، في بيئة تهتم بالعلم الشرعي ودراسته وتدريسه أبًا عن جد ، حيث كانت والدته - رحمها الله - تحرص على تحبيب تلاوة القرآن لأبنائها، وتتلو عليهم ما تحفظه من سور ، وأشعار ، وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - رغم أميتها ، وكذلك جدته لأبيه ، وكان والده الشيخ نجم الدين الأبرش يتنقل بين القرى ، يعلم القراءة والكتابة والقرآن الكريم ، وتنتقل أسرته معه من قرية إلى قرية .

طلبه للعلم : 

هكذا تلقى الشيخ عبد الكافي بداية علوم القرآن والفقه واللغة العربية والحديث على يد والده الشيخ نجم الدين ، ودرس أيضًا في حلقات مسجد خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ونال منه بعض الشهادات ، حتى إذا أنشئ المعهد العلمي الشرعي في مدينة حمص عام 1945 للميلاد ، كان الطالب عبد الكافي من أوائل الذين انتسبوا إليه ، ليستكمل فيه علومه الشرعية؛حيث تتلمذ على يد نخبة من علماء حمص وشيوخها الأفاضل ومنهم :

الشيخ عبد القادر الخوجة، والشيخ سعيد الجابي، والشيخ وصفي المسدي ، والشيخ محمد جندلي الرفاعي، والشيخ أبو السعود بسمار، والشيخ أحمد الكعكي، والشيخ عبد الغفار الدروبي، والشيخ محمد علي مشعل ، الذي أصبح رفيق دربه في الدعوة إلى الله - عز وجل - .

وعرف عنه أنه من نجباء التلاميذ ، وبدا واضحًا ذكاؤه وعلمه وألمعيته خلال حياته الدراسية ، ولم تمنعه دراسته في المعهد الشرعي من أن يتقدم لامتحان الشهادة الابتدائية ، ثم الإعدادية ، في سنتين متتاليتين ، وحصل عليهما بتفوق ، ومن ثم انتقل بعد التخرج في سن صغيرة إلى العمل في مجال التدريس في أنحاء القطر السوري ، ثم في المدارس الابتدائية في مدينة حمص وريفها ، فدرّس في مدرسة ( الخليفة عمر بن عبد العزيز الابتدائية ) ، ومدرسة ( يوسف العظمة الابتدائية ) ، وغيرها من المدارس ، وقد حدثت له أمور كثيرة أثناء ذلك ، من بينها أنه في إحدى المرات كان يركب فرسًا ، أعاره إياه مختار إحدى القرى ليذهب إلى قرية أخرى ، وكان خيالاً يحب ركوب الخيل كثيرًا ، وبينما هو راكب في إحدى المرات إذ عثرت به الفرس ، فسقط عنها وأصيب ، حتى إنه فقد الذاكرة لعدة أيام - رحمه الله - وكانت والدته - رحمها الله - تحكي أنه بقي أثر هذه الحادثة لفترة طويلة على صحته .

ولسمو روحه ونبل أخلاقه وحسن أدائه في مجال التعليم تأثر به الطلاب وأهلوهم تأثرًا كبيرًا ، حتى إنه عندما درّس في محطة ( التيفور ) ،كان العقد مع المدرسة سنة واحدة ، لكنه مدد لسنتين ، لأنهم أحبوه - رحمه الله - كذلك عندما درّس بقرية ( صندي ) على الحدود التركية أحبه أهلوها لدرجة أن سموا كثيرًا من مواليدهم الذكور في ذلك العام باسمه - رحمه الله - .

كان راغبًا بالعلم ، محبًا لتحصيله ، فحصل على الشهادة الثانوية أثناء عمله في التعليم ، وانتسب بعدها إلى كلية الشريعة بجامعة دمشق ، حيث أخذ العلم فيها عن أساتذة كبار وعلماء أفاضل كالشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ محمد المبارك، والشيخ مصطفى السباعي، وآخرين .

بعد تخرجه في كلية الشريعة تقدم للحصول على دبلوم التربية ، وحصل عليه بتفوق في منتصف الستينات ، حيث عاد إلى مدينة حمص ، وانتقل إلى التعليم الثانوي في ثانويات حمص على الرغم من معارضة بعض المسؤولين، ولكن نتيجة لتفوقه ونجاحه الباهر في مجال التعليم اضطرت للموافقة على تعيينه ومن المدارس التي درّس فيها مدرسة ( رزق سلوم الثانوية ) .

براعته في الخطابة وجرأته في قول الحق :

تتلمذ في مجال الخطابة على والده - رحمهما الله - الذي كان إمامًا وخطيبًا في مساجد حمص ، حتى برز في هذا الميدان ؛ فعمل خطيبًا ومربيًا وداعيًا إلى الله في فترة مبكرة من عمره ، و خلال فترة دراسته ، وبرع في فن الخطابة حتى كان يرتجل الخطبة ارتجالاً ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، جريئًا في قول كلمة الحق مهما كانت النتائج ، فأصبح يقدم في كثير من المناسبات للكلام مع وجود العلماء الأفاضل، ولذلك أصبح والده لايخرج إلى خطبة الجمعة إلا بعد أن يعرض عليه خطبته لينقحها له لغة وأفكارًا .

إمامته رحمه الله في مساجد حمص:

ومن المساجد التي أم بها:

جامع (الشيخ بادار)، و (الجامع الكبير) و (جامع المريجة) و (جامع النور) و (جامع الإيمان) الذي كان يحي ليلة الإثنين والخميس فيه حتى الصباح.

تنقل الشيخ - رحمه الله - بين مساجد حمص وقراها ، داعيًا إلى الله، خطيبًا ، وواعظًا ، آمرًا بالمعروف ، و ناهيًا عن المنكر ، فلاقى من جراء ذاك العنت والمضايقة ، بل والملاحقة ، وذلك في أيام جمال عبد الناصر وقد حكم عليه في عهد نور الدين الأتاسي وحوصر في مسجد خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أثناء خطبة الجمعة ، ولكن الله نجاه منهم ، ثم في لوحق في عهود لاحقة وتعرضت أسرته للمضايقات ، وخاصة بعد خطبة الجمعة في ( جامع النور ) في حي الخالدية ، والتي عرفت بخطبة الدستور ، حيث خرج من المسجد وتوارى عن الأنظار بعد أن حوصر في المسجد ، ولكن الله أخرجه سالمًا ، وقد ظل ملاحقًا يومها لمدة أربعة أشهر ، يتنقل من منزل إلى منزل ، ومن حي إلى حي ، ومن ثم فر بدينه مهاجرًا إلى الله ورسوله ، واستقر في السعودية عام 1973م ، مع أنه كان يرفض - رحمه الله - الخروج من سوريا في السابق عندما يعرض عليه أحد ذلك لتحسين وضعه المادي ، فكانت هجرته - إن شاء الله - بحق هجرة لله ورسوله ، وكان في قصة خروجه كرامة تدل على أن الله سبحانه ينجي عباده المؤمنين .

هذا ولم يكتب الله له العودة بعدها إلى بلده وموطنه وأحبابه ، حيث بقي في السعودية حتى توفي - رحمه الله - في مكة المكرمة ، حيث دفن في (مقبرة المعلاة ) .

وأثناء مكثه في السعودية ظل مثابرًا على عطائه العلمي والدعوي إلى آخر أيامه ، بل ظل متمسكًا بعهده مع الله ، رافضًا الخضوع والذل ، بالرغم من العروض التي أتته من اجل تسوية وضعه والعودة إلى أرض الوطن ، وكان آخرها العرض الذي قدم له لفتح فرع لهيئة الإعجاز العلمي في سوريا ، يكون مديرًا له ؛ هذا مع شوقه الدائم لوطنه وحنينه إليه .

زواجه:

تزوج رحمه الله عام 1961 للميلاد من ابنة قريبه السيد عبد الله الأبرش ، أحد رجالات حمص المعروفين.

ورزقه الله منها ثمانيةً من الإناث وستةً من الذكور .

أولاده وأصهاره:

وأما أبناؤه الذكور فهم: محمد نجم، وعبادة، وحذيفة، وأسيد، وحارثة، وقد عرفوا بتدينهم وأخلاقهم.

وأما أصهاره الكرام فقد اختار لبناته الأزواج الصالحين والدعاة العاملين، وهم حسب ترتيبهم: غانم معصراني، وطلال الساعاتي، ويوسف برازي، ونضال أحمد مهندس، وحسان بن عدنان الأبرش، وباسم رسلان، وقد توفيت زوجة هذا الأخير في حمص بعد وفاة والدها بستة أشهر رحمها الله تعالى

صفاته وأخلاقه:

كان - رحمه الله - جياش العاطفة ، محبًا للناس ، داعيًا إلى الله ، محرضًا على الخير ، وله فيه المساهمات الكثيرة ، فكان مع إخوته بعد وفاة والده والدًا ثانيًا لهم ، يرعى إخوته ، ويوجههم ، ويبذل الغالي والرخيص في سبيل إسعادهم ، وكان مع إخوانه وأصدقائه محبًا عطوفًا رفيقًا بهم ، مهتمًا بشؤونهم ، يعطي الجميع من وقته ونفسه وقلبه ، وكان أغلب من عرفه يكنّ له المحبة والمودة والوفاء .

ظهر عليه التدين منذ الصغر ، واستمر على ذلك ، وقد انتسب للدعوة الإسلامية من أول شبابه ، على يد الشيخ مصطفى السباعي - رحمه الله - وقد ظل على العهد محبًا للدعوة ، ومدافعًا عنها ، ناصحًا لمنتسبيها ، ومفندا لأخطائهم لا يريد بذلك إلا نصح الأمة وجمع كلمتها وإعلاء كلمة الله حتى آخر أيامه

كان حريصًا على قيام الليل ، وصيام يومي الخميس والاثنين ، وملازمة كتاب الله ، ومداومته على تلاوة الأذكار ، حتى آخر حياته ، وكم كان ينصح أبنائه ومن حوله بتقوى الله في شبابه ، ليحميه الله ويثبته في كبره ، وأذكر أن أحد أبنائه تعرض لموقف استشف منه أنه لا يحافظ على ورده ، فما كان منه الإ أن أخذ يكلمه وينصحه ، وأخبره يومها أنه لم يترك الأذكار منذ زمن بعيد ، حتى إنه بمجرد وضع رأسه على الوسادة يبدأ يلهج بذكر الله ، وخاصة آية الكرسي .

وقد كان - رحمه الله - سخي الدمعة ، وكم من مرة شوهد وهو يبكي عندما يحضر الطعام ويراه أمامه ، فيبكي ويقول يا أولادي : احمدوا الله على هذه النعم . وكم من مرة ذكر إخوانه وأحبابه ممن سجن أو قضى نحبه على أيدي البغي ، فكان يبكي ويقول : هم بإذن الله الشهداء ، أما أنا فلا أدري ، ألسوء بي ، أم لخير كان خروجي من سوريا ، ويبكي رجاء أن لا يحرمه الله أجر الشهادة .

إخوانه ورفقاء دربه:

كثيرون هم إخوانه وأحبابه ، وسأذكر بعضًا ممن لا يزالون في ذاكرتي ممن كانوا من رفقائه في مدينة حمص ، منهم الشيخ عبد الوكيل صافي ، والشيخ عبد الحكيم عثمان ، والشيخ مصطفى تدبير ، والشيخ محمد علي مشعل ، والشيخ عبد الباقي رمضون ، والشيخ وصفي المسدي ، والأستاذ الشاعر خالد البيطار.

وفاته:

توفي رحمه الله تعالى بعدما عانى من مرض السكري وآثاره، ولاسيما في الأيام الأخيرة من عمره، حيث أدخل إلى مستشفى النور بمكة المكرمة، وتوفي صباح الاثنين تمام الساعة الحادية عشرة 27/رجب1427، الموافق21/2/2006، وصلي عليه في المسجد الحرام بعد صلاة المغرب وشيعه أبناؤه وأصهاره وأحبابه وأصدقاؤه إلى مقبرة المعلاة بمكة المكرمة رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأكرم مثواه.

ختامًا ، فإنه مهما كتبنا وسطرنا ، فإننا نعجز عن إيفائه حقه ، فهو بحر بعلمه ودعوته وخلقه ، فهل يستطيع أحدُُ أن يصف هذا البحر .

وهنا أترك المجال لإحدى بناته وهي الآنسة: بثينة تتحدث عن أبيها في هذا المقال الذي ساعدها فيه أيضاً أخوها حارثة حفظهما الله تعالى ورعاهما:

أبي كما عرفته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ..

فهذا بعض ما مر بخاطري من حياة والدي - رحمه الله – أسأل الله أن يكون فيما كتبت الخير والفائدة لمن يقرأه ..

وسأبدأ بما عرّف به نفسه حين طلب منه ذلك في الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة وبالله التوفيق ..

· الاسـم : عبد الكافي نجم الدين الأبرش .

· الجنسية : سوري .

· الوظيفة : باحث شرعي بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة برابطة العالم الإسلامي.

النشأة والميلاد :

· ولدت عام 1340للهجرة / الموافق1931للميلاد في مدينة حمص إحدى مدن الجمهورية العربية السورية .

· درست القرآن الكريم وبعض العلوم الشرعية على يد والدي في حلقاته العلمية الخاصة .

· التحقت بالمعهد الشرعي ، الذي أسسته جمعية العلماء ومدة الدراسة فيه خمس سنوات فأتممت الدراسة الشرعية والعربية فيه .

· انتسبت إلى جامعة دمشق فنلت منها شهادة ( الليسانس ) - الإجازة في الشريعة - عام 1965م ثم شهادة الدبلوم في التربية عام 1967م .

الأعمال التي قمت بها:

· التدريس في مراحل التعليم الثلاث في كل من سوريا والمملكة العربية السعودية .

· محاضرًا في المدارس الثانوية بأبها والقنفذة ومكة المكرمة .

· موظفا في جمعية البر بأبها ثم موجها تربويا في جمعية تحفيظ القرآن الكريم .

· أمينا للجنة الدعوة والتعليم في هيئة الإغاثة الإسلامية منذ عام10 /3/1416هـ .

· انتدبت للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة في رابطة العالم الإسلامي باحثا شرعيا فيها منذ 10/8/1416هـ .

· عضوًا في اللجنة العلمية في الهيئة العالمية للإعجاز العلمي ومشاركا في عطائها ، بالإضافة إلى المشاركة في حضور الجلسات التي تعقدها اللجنة كل أسبوع .

· محاضرّا ومعرفّا بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة لبعض الوفود الذين يزورون رابطة العالم الإسلامي والهيئة العالمية للإعجاز العلمي .

· شاركت في الندوة التدريبية التي عقدتها الربطة لموظفيها عام 1419 هـ.

· تصحيح المقالات التي تنشر في مجلة الإعجاز العلمي حسبما يسند إلي منها ، والمشاركة في تحكيم البحوث الواردة إلى الهيئة و كتابة ما يطلب إلي من مقالات للمجلة 

· المشاركة في أسبوع الإعجاز العلمي الذي أقيم في جامعة أم القرى ( قسم الطالبات ) .

· زيارة بعض المؤسسات أو ممثليها لاستلام بعض التبرعات التي خصصوها للهيئة وإطلاعهم على ما يجد في الهيئة .

المؤلفات المنجزة:

1. رسالة الليسانس حول اشتراكية الإسلام مناقشا فيها لما كتبه كل من الدكتور مصطفى السباعي والشيخ محمد الحامد والشيخ عبد العزيز البدري رحمهم الله .

2. المشاركة في أبحاث الموسوعة القرآنية في الإعجاز العلمي .

3. مقالات نشرت في كل من مجلة الإعجاز العلمي والمجتمع بالإضافة إلى مقالات معدة لم تنشر بعد .

هذا وقد شغل - رحمه الله - منصب إدارة للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة لفترة من الزمن .

حياته مع أولاده:

رزق الله - سبحانه وتعالى - والدي من الأولاد أربعة عشر ولدا ، ست من الذكور وثمانية من الإناث ، توفي أحد الذكور في عامه الأول، ولحقت به احدى بناته بعد سبعة أشهر من وفاته رحمهم الله .

وكم شملنا بحبه ورعايته وعطفه وحنانه طوال حياته ، على الرغم مما كان يمر به من ظروف ، فكثيرا ما كان يضيق عليه ويلاحق كلما جهر بمعروف أو نهى عن منكر في بلده ، ولم يدخر وسعًا من أجل طمأنتنا وإدخال السرور إلى قلوبنا ، ولم يكن يفرق في ذلك - رحمه الله - بين ذكر وأنثى ، وأذكر أنه حين ولدت السادسة من بناته فرح بها وأحضر للبيت أشياء يعرب بها عن فرحته ، وحين رزق بابنه الأول فرح به كسائر أخواته ، فعاتبته إحدى قريباته في ذلك واعتبرته تقصيرا منه، فأخبرها أنه يفرح بعطية الله له، وأنه يبالغ في فرحه بالأنثى جبرانا لخاطر أمي لأنه يعلم أنها قد تسمع كلامًا ممن حولها حول إنجابها للبنات .

حرصه على تربيه أبنائه التربية الإسلامية:

حرص - رحمه الله - على تربيتنا تربية إسلامية وتنشئتنا تنشئة صالحة فقد كان يعقد لنا أحيانا في المنزل جلسات قرآنية وعلمية، وإذا لم يستطع هو الحضور طلب من أحد إخوتي أن يقوم بالمهمة ، اختار لنا بنفسه المربيات اللاتي يثق في توجيههن لنا وأحضر لنا ما يناسب أعمارنا من كتب ويطلب منا كتابة ما أعجبنا أو لم يعجبنا فيها ويكافئنا على قراءتها ويحاورنا ويستطلع رأينا وكل ذلك بأسلوب أبوي راق حنون ، وأذكر مرة أحضرت فيها أختي من مدرستها الثانوية مجلة من التي كان يحذرنا من قراءتها فقال: اقرئيها ثم عودي إلي فما كان منه بعد الاطلاع عليها إلا الجلوس معها ومناقشتها حولها وبيان ما فيها من أفكار تخالف ما يجب أن تكون عليه الفتاة المسلمة .

فمنذ صغرنا كان يوجهنا ويعلمنا ويشجعنا على التأدب بأدب الإسلام ، وكثيرا ما كان يجلس معنا ويقرأ الفصص والمجلات الخاصة بالأطفال ، وبعد أن تعلمنا القراءة صرنا نقرأ وهو يصوب لنا ويحثنا على الاشتراك بطابور الصباح ومجالس الآباء والأمهات والمشاركة في أنشطة المدرسة النافعة وكتابة الكلمات والمواضيع ثم يدربنا على حسن إلقائها وينتقي لنا الأبيات الرصينة ذات المعنى الجميل والتي تكون من نظمه أحيانا كل على حسب سنه ، بل وقام هو بكتابة النشيد لنا وتلحينه لنقدمه ، وقد بقيت إحدى أناشيده تعاد في حفلات المدرسة لعدة سنوات ، وأذكر أنه في إحدى المرات اشترى لنا منظومة القراءات السبع – متن الشاطبية – والتي عرفت بحرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع للإمام الشاطبي - رحمه الله - وجعل مكافأة كبيرة لكل من يحفظها منا ، حتى أن إحدى بناته الصغيرات حفظت بعضا منها من كثرة ما رددت أمامها ، وعندما سمعها أعطاها هدية وجلب لها نسخة من المنظومة ووعدها بهدية أكبر إن هي أكملت حفظها .

كما حرص على أن نحفظ القرآن الكريم فألحق جميع إخوتي مدارس تحفيظ القرآن الكريم مع تسجيلهم بحلقات القرآن في المساء فأتموا جميعا حفظ كتاب الله الكريم ، وأما البنات فأدخل منهن من قبلت مدرسة التحفيظ ومن لم تدخل كان يشجعها على ذلك بإعطاء الهدايا والحوافز لأجل ذلك ، وعندما ختمت القرآن لأول مرة أنا وأختي التي تكبرني بسنة وكنت دون الثامنة كان فرحه بذلك كبيرا وكانت هديته لنا مضاعفة .

كما حرص على تزويدنا بالعلوم الشرعيَّة واللغة العربية وما يتعلق بها و إذا استشكل علينا شيء فيها يقوم ببيانه لنا، ثم يشرح الدرس لنا كاملا ويفهمنا إياه خاصة عندما أصبحنا في المرحلة الثانوية ، وكثيرا ما صحح لنا الأخطاء التي يراها في كراساتنا المدرسية ويكتب ذلك التصحيح على دفاترنا ويطلب منا أن نعرضها على المعلمة حتى أصبحن إذا استشكلت عليهن بعض المسائل كن يطلبن من والدي الإيضاح والشرح .

حرصه على تعليم أبنائه:

كان - رحمه الله - حريصًا على أن يتعلم أولاده جميعا ، فتخرجت ثلاث من بناته من جامعة الإمام محمد بن سعود ( كلية الدعوة وأصول الدين ) ، ودرس ثلاثة من أولاده الطب وهم على أبواب التخرج - ولله الحمد - ولكم تمنى أن يراهم خريجين وأسأل الله أن يعوضه في الجنة خيرًا وأن يخلفه فيهم بخير. ولست أنسى موقفا حصل لي في السنة الدراسية الأولى من الجامعة حيث أنني كنت أجد صعوبة كبيرة في الدراسة في بادئ الأمر نظرا لتعذر توفر المنهج إلا قبل الامتحانات بفترة قليلة جدًا لا تكفي لدراسة ربع المنهج ، حتى جاء يوم اختبار مادة العقيدة ولم أحصل على المنهج يومها إلا قبل موعد الاختبار بعدة ساعات ، فذهبت إلى والدي حزينة وقلت له لا أريد إكمال دراستي مادام وضع الجامعة على هذا الحال ولن أذهب غدا إلى الجامعة فما كان منه - رحمه الله - إلا أن رفض طلبي وقال لي مشجعا ليست ابنتي التي تقول هذا بل ستذهبين وتقدمين الامتحان وستكونين من الناجحات بإذن الله ، وكان أن حقق الله ما أراد وقد بقي - رحمه الله - يشجعني على الدراسة ويوفر لي ما استطاع من المناهج بل ويقوم بشرح ما استعصى علي وإذا حدث أحيانا ولم يكن موجودا في البيت أو كان مشغولا بأمر ما كان يتصل على أحد إخوانه من معارفه ويطلب منه أن يشرح لي ما استشكل علي من المنهج ، وبقي كذلك حتى نلت ما كان يتمناه وأتمناه . وكذلك كان حاله مع أختي حيث سافرت بعد زواجها وعادت قبل الامتحانات بأسبوعين لتجد ما تحتاجه من محاضرات ومناهج وشرح وتشجيع حتى تخرجت وسجلت للماجستير .

تدريبه لأولاده على الصيام:

كان - رحمه الله - يعمل على تشجيعنا على صوم رمضان ونحن أطفال ، وقد خصص لكل من يصوم منا هدية خاصة ، بل كان يأخذنا في نزهة عصرية للعب ونحن صغار ، وقبل المغرب بقليل يعرج بنا على الحلواني فيشتري لنا ما نشتهيه مما لذ وطاب ثم نعود إلى المنزل وقد شارف المغرب على الأذان ، وبذلك نتم الصوم ونحظى بالهدية والأجر .

تربيتهم على حب عمل الخير ومساعدة المحتاجين:

وكم ربى فينا حب عمل الخير والعطف على الفقراء ومساعدة المحتاجين منذ أن كنا صغارًا ، فكان يعطينا الصدقة ويطلب منا إعطائها لمستحقيها أو يقوم هو بالذهاب معنا فندخل بيوتهم ونجلس معهم نؤنسهم ونوفر حاجتهم ولكم كانوا ينتظرون تلك الزيارة لأن والدي عودهم على ذلك . 

كان يعقد لنا جلسات إنشادية ويحرص على اللعب معنا وعمل المسابقات تأسيا بحبيبه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، بل كان يصنع لنا بعض الأشياء الخاصة واللازمة للعبة كالطاقية وغيرها ، وعندما يعلم أننا خرجنا من المنزل إلى الدكان لشراء حاجيات للمنزل نجده يلحق بنا ويدخل إلى المحل ويطلب منا أن ننتقي ما نشتهي من الحلوى وغيرها ويعود بنا والفرحة تعلو محيانا ، وينبهنا دائما إلى إفادة من حولنا والتفاعل معهم مع الاعتزاز بإسلامنا والتزامنا

تشجيعه لبناته على ارتداء الحجاب:

وأذكر أن إحدى أخواتي حين رغبت بالحجاب وهي في الرابع الابتدائي شجعها على ذلك واحضر لها حجابا جميلا رغبت صديقاتها بمثله ، بل إنه - رحمه الله - عندما أحس أنني وأخواتي اللاتي يصغرنني نريد أن نشتري حجابا لارتدائه أكبر فينا هذه الرغبة على صغرنا وقام بإعطائنا ثمنه وطلب منا أن نذهب وننتقيه بأنفسنا وعلى ما نرغب ، وكثيرا ما صحبنا معه قبل أن يفرض علينا الحجاب إذا كان في نزهة أو جلسة بصحبة المقربين من إخوانه مع تنبيهنا إلى وجوب الالتزام بأدب المجلس ، وكنا نستفسر منه أحيانا عن معنى بعض ما سمعناه في جلستنا تلك فيوضح ويعلم .

وكم كان حريصا على أن يربينا على الاعتماد على أنفسنا في أمور كثيرة وكان أغلب الأحيان لا يذهب إلى السوق أو المكتبة أو غيرها من الأماكن إلا ونكون معه ، حتى المدرسة التي كان يدرس بها كان يأخذنا معه إليها أحيانا لنتعلم كيف يكون التعامل مع الناس والاختلاط بالمجتمع ، وكان يحدثنا أثناء خروجنا معه ويرشدنا إلى الخلق الفاضل والتسامح والعفو.

زياراته لمكة المكرمة:

و قد اعتاد - رحمه الله - أن يقضي إجازاته في مكة المكرمة قبل انتقالنا إليها ، وكان حريصا على أن يكون مسكننا قرب المسجد الحرام ما استطاع إلى ذلك ليتسنى لنا جميعا تأدية الصلاة فيه ، وعندما أصبح يجد صعوبة في استئجار المنزل قرب المسجد الحرام – وبالتالي بعد البيت وحرمنا من الصلاة الدائمة فيه - كان يستيقظ قبل الفجر بساعة أو ساعتين حسب ما تيسر له فيوقظ من أراد الذهاب معه من أولاده فنطوف معا ونقرأ القرآن ثم نصلي ، ولربما صعد إلى الدور العلوي ووقف ينظر إلى الكعبة وإلى الطائفين حولها ، وكم كان يأسر قلبه هذا المنظر فيأتي إلي ويدعونني لأشاهده معه وهو يقول لي : تعالي يا أبت وانظري إلى عظمة هذا المنظر سبحان الله

طريقته التربوية:

كان - رحمه الله - حريصا على تربيتنا التربية الصحيحة فكان يوجهنا ويعلمنا من دون قسوة أو ضرب ، بل كان إذا رأى على أحد أولاده شيئا لا يعجبه يأخذه بالرفق والنصيحة ، وفي بعض الأحيان يأتي إلى أحدنا ويقول يا ابنتي أنا رأيت من أحد إخوتك هذا الأمر فاذهبي إليه وانصحيه وقولي له إن والدك رأى منك كذا وكذا وإنه لايرضيه هذا العمل ، فيتأثر أخي بذاك ويحس بالذنب فيقلع عنه ولا يعود إليه ، فإن عاد كلمه بحزم والاعاقبه بما يراه مناسبا وقد ذكر لنا ان هذه هي طريقة جدي- رحمه الله - في تربية أعمامي .

حبه للعلم ونشره للدعوة:

لقد عمل - رحمه الله - بالتدريس ما يقارب الأربعين عاما بدأها في سوريا ، ثم انتقل إلى السعودية في جازان أولا ثم أبها ثم القنفذة واستمر فيها إلى أن بدأ المرض ينال من جسده فقدم استقالته .

تدريسه في منطقة جيزان:

عين والدي يوم أن قدم إلى السعودية مدرسًا بقرية قريبة من مدينة جيزان وبقي فيها سنة كاملة ، ولقد كانت سنة حافلة بالعطاء استفاد فيها الطلاب والمدرسون معا نتيجة لخبرة والدي العلمية والتربوية ، حتى إن والدي عندما أراد أن ينتقل إلى مدينة أبها حاول المعلمون والطلاب أن يبقوه معهم ، ولكنه أعرب عن حبه لهم واعتذاره بعدم قبول طلبهم وبين لهم سبب طلبه الانتقال إلى مدينة أبها ، ذلك لأنه يريد أن يحضر عائلته فقالوا له أحضرهم إلى هنا وسنؤمن لكم المنزل الجيد والمعيشة المناسبة ، ولكن والدي اعتذر إليهم لتعذر العيش آنذاك علينا ذلك لاختلاف البيئة والجو حيث شدة الحرارة وكثرة الرطوبة مع عدم توفر الكهرباء والماء الجيد ، ولعدم توفر البيوت الصالحة للسكنى حيث كان أغلب أهلها يعيشون في العشش وهي عبارة عن بيوت من القش أو القنب مبنية على هيئة أكواخ كما أخبرنا - رحمه الله - بذلك ، وللحقيقة فإن والدي - رحمه الله - أحب أهل هذه االقرية كثيرا وحكى لنا عن طيب أخلاقهم وكرمهم وحبهم للدين وأهله ، وكثيرا ما استرجع ذكرياته معهم ولكن الظروف التي ذكرتها كانت حائلا بينه وبين البقاء بها .

إقامته في مدينة أبها:

بعد انتقال والدي إلى مدينة أبها عين في المتوسطة الرابعة وبقي فيها عدة سنين أحبه فيها الأساتذة والمعلمين ، حيث أسرهم بطيب خلقه وحسن تعامله معم ومع الطلاب ، بالإضافة إلى غزارة علمه وطريقة تدريسه ، وكان كما علمت من أحد طلابه يبدأ درسه بتلاوة آيات من الذكر الحكيم بصوت شجي مؤثر ، فيبدأ الحماس لدى الطلاب ويحدوهم ذلك لحسن الاستماع والإنصات ، وكان يجمع لهم أثناء الشرح بين المعلومة الهادفة والنكتة الطريفة والأسلوب الشيق دون الإخلال بمقاصد الدرس ومحتوياته فيخرج الطالب من الدرس وقد جمع بين المتعة والفائدة.

مساهمته في إنشاء مدرسة تحفيظ القرآن:

ولهذه الأسباب وغيرها ارتأى وكيل المدرسة آنذاك وأذكر أن اسمه الشيخ أحمد محمد الحسن أن يفكر بإنشاء مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم للبنين على أن يكون هو ووالدي من يشرف عليها ، وعندما تبلورت الفكرة في رأسه حدث والدي بها ورحب والدي بذلك على أن يبدأ الدوام بها في بداية العام القادم وقام الشيخ بتقديم الطلب للمسئولين ، وظل يعمل في ذلك حتى ظهرت المدرسة للوجود ، وهنا اختار لها أفضل الكفاءات من المدرسين أمثال الأستاذ أبي مصعب الحايك وكان مدرسا للرياضيات ، والشيخ موسى الإبراهيم، والشيخ محمد الشردوب، والشيخ محمود سعيسع، والشيخ ساجد الحلبي والأستاذ موفق عيسى وكانوا أساتذة للعلوم الدينية واللغة العربية والأستاذ خالد العمر ، بالإضافة إلى بعض الكفاءات السعودية أمثال الشيخ مرعي أحمد مرعي والشيخ عبد الوهاب دعجم والذي أصبح فيما بعد مديراً للمدرسة ، والشيخ يحيى محيا وغيرهم من الأساتذة الأفاضل ممن لا تحضرني الذاكرة الآن لذكرهم.

خريجو هذه المدرسة:

وفي هذه المدرسة أيضا تجلت وبانت جهوده هو وزملاؤه، وكم عملوا وبذلوا من أجل أن يكون لطلابها المراكز العليا في شتى الميادين ، وكان لهم بتوفيق الله ما أرادوا

ولقد تخرج في هذه المدرسة فيما بعد كوكبة من طلاب العلم حازت على المراكز الأولى من بين مراكز التعليم في المملكة ، وكان افتتاح تلك المدرسة ونجاحها نواة لافتتاح مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم للبنات ، وكانت على أيديهم أيضا بفضل الله وكم من طالب دخل إلى هذه المدرسة لا يفقه من العلوم إلا القليل بالإضافة لقلة الدين وتخرج فيها طالبا مجتهدا متدينا يحمل بين جنبيه من العلوم الكثير الكثير بشهادة أهله وأساتذته السابقين.

قصة طريفة:

ولقد حدثت مع أحدهم قصة طريفة حيث كان أحد هؤلاء الطلاب قد سجل في المدرسة في المرحلة المتوسطة، وكان في أثناء الدراسة لا يعبأ بشيء، وكم نصحه والداه دون جدوى، وبدأ بالدراسة ، وكان والدي هو الذي يدرسه المواد الدينية بالإضافة إلى القرآن الكريم وشيئا فشيئا بدأ الطالب يتغير وتغيرت حياته سواء في دينه أو خلقه أو اهتمامه بالتحصيل العلمي ، وكان كلما علق عليه أهله في ذلك بادرهم بقوله: هذا من فضل الله أولا ثم من الأستاذ الشيخ عبد الكافي ويجلس ويحدثهم عنه ، وحدث أن كانت أخت ذلك الطالب تدرس في مدرستنا وعندما علمت بوجود بنات لشيخ أخيها في المدرسة ، جاءت إلينا قائلة بلهجتها الشامية المحببة: (تعوا لهون تعوا مشان الله أولولي شو عمل أبوكن مع أخي لحتى إدر يغيروا) ، وأخذت تتحدث عن تغير أخيها بفرح وسرور ، وبقي الطالب على تفوقه حتى أخذ المركز الأول بالمجموع الكامل على مدارس المنطقة الجنوبية ، وهنا أراد والده أن ينقله إلى مدرسة أخرى ليدخل القسم العلمي، ولكنه رفض بإصرار بحجة أنه يريد أن يكمل دراسة العلوم الشرعية ولا يريد أن يترك شيخه ، فأتت أخته تستنجد بنا وطلبت من والدي إقناعه ، وبالفعل كلمه والدي - رحمه الله - وأخبره أن العلوم الدينية لا تتعارض مع العلوم الدنيوية بل إن الجمع بين العلمين من مقاصد الإسلام ، فاقتنع الطالب بهذا وانتقل إلى المدرسة الأخرى محافظا على ذلك ، وظل وفيا لوالدي حتى غادر السعودية، وبقي أهله كلما أرادوا من ابنهم شيئاً جاؤوا لوالدي ليرشدهم ، فإن كان خيرًا نصحهم به وإلا فلا.

قصة تربوية أخرى:

ومن تلك القصص أيضا أن أحد الطلاب كان يجد صعوبة في الدراسة وقد حاول إقناع أهله بترك الدراسة ولم يفلح ، واحتج بعدم استطاعته الفهم والتركيز مع الطلاب ، فوضعوا له حلا بأن يعينوا له أستاذا خاصا يدرس عنده بعد انتهاء اليوم الدراسي ، فوافق على شرط أن يكون ذلك الأستاذ هو والدي، وبالفعل كان له ما أراد ، والقصص في هذا الباب كثيرة جدا وقد يطول المجال بذكرها .

الجمع بين التعليم والتربية والدعوة:

كان - رحمه الله - مثالا للمعلم والمربي الفاضل يجمع بين التعليم والتربية ، ومن ذلك تحرج على يديه مجموعة من الشباب الواعي حملوا أعلى الدرجات ، مع حرصهم على الإلمام بالعلوم الشرعية ، فكانوا بحق دين ودنيا وقد أكرم الله والدي برؤيتهم يحتلون أعلى المناصب في المستشفيات والجامعات وغيرها ، وكم من مرة كان يذهب إلى المشفى أو إلى بعض الدوائر الرسمية وغيرها فيلقي الحفاوة والتكريم والترحيب وذلك لأن الطبيب أو الموظف أو أستاذ الجامعة كان طالباً لدى والدي.

ولا يفوتني هنا أن أذكر أن والدي - رحمه الله - كان أثناء قيامه بالتعليم يدمج أيضا بين العلم والدعوة والتربية مع حرصه على الأنشطة الطلابية من رياضة ومسابقات و أناشيد ومسرحيات وغيرها ، التي كثيراً ما كان لها الأثر الكبير في نفوس الطلاب حتى أنه ونتيجةً لذلك كان مدير المدرسة الإعدادية يوكل إليه الإشراف على الأنشطة الطلابية فيها ، بل ويعمد إليه الإشراف على المركز الصيفي في تلك المدرسة ، وإن نسيت فلست أنسى بعض طلابه الذين كنت أراهم على دراجاتهم في مدينة أبها ينشدون الأناشيد التي علمهم إياها والدي ، كأنشودة «فتية الحق أنيبوا وإلى الله استجيبوا» وغيرها من أناشيد المنشدين أبي الجود وأبي دجانة ، فإذا رأوني أنا وإخوتي وكنا صغارا توقف بعضهم وقال:بلغوا الأستاذ عبد الكافي تحياتنا ودعاءنا وشكرنا .

دروسه ومحاضراته وخطبه:

ولأنه عرف - رحمه الله - في مدينة أبها بغزارة علمه وقوة توجيهه كثيراً ما دعي إلى إلقاء المحاضرات أو الدروس أو خطب الجمعة ، وكم من مرة كان يجهز فيها نفسه للخروج لصلاة الجمعة فيأتي أحدهم ويأخذه إلى المسجد الفلاني من أجل إلقاء الخطبة فيه لأن الإمام لم يستطيع الحضور .

كان - رحمه الله - واسع الاطلاع على الفقه وخاصة في الفقه الشافعي مع إلمامه بعلوم اللغة العربية وسائر العلوم الشرعية الأخرى ، ولقد كان يلقبه شيخنا الفاضل الشيخ عبد الله المصلح حفظه الله بالشافعي الصغير ، بل كان يقول عنه: إن الفقه الشافعي بين عينيه ، وفي أغلب الأحيان كان كلما ورد إليه مكالمة هاتفية أو وردت رسائل إلى الهيئة تسال عن حكم شرعي أو غيره كان يحيلها مباشرة إلي والدي - رحمه الله – من أجل الإجابة عليها ، وقد كان له جلسة أسبوعية عندما كان في أبها يحضرها مجموعة من المشايخ لدراسة الفقه الشافعي وغيره من العلوم ، وبعد انتقالنا إلى مكة حرص - رحمه الله - على أن يلبي رغبة بعض طلاب العلم لدراسة الفقه ، فكانت له أحيانا ثلاث جلسات أو جلستان أسبوعيا على حسب قدرته خصصها لدراسة الفقه والفرائض.، بالإضافة إلى حرصه على الاجتماع ببعض المشايخ والعلماء الأفاضل أمثال الشيخ محمد سعيد الطنطاوي والشيخ محمد سعيد العبد الله المقرئ المعروف -رحمه الله- والشيخ عبد الغفار الدروبي حفظه الله والشيخ محمد علي مشعل حفظه الله وغيرهم من العلماء.

نشاطه الدعوي:

كان - رحمه الله - داعية من الطراز الأول يأسر الألباب بحديثه وعلمه ودماثة خلقه ، سواء في سوريا أو عندما هاجر إلى السعودية ، و لم تقف الغربة حائلا دون المضي في الدعوة فقد استمر بها من خلال التدريس في المدرسة حتى تأثر الأساتذة والطلاب به ، هذا بالإضافة للمحاضرات والندوات داخل مدينة أبها وخارجها ، بل وخطب الجمعة والدروس التي كان يلقيها فيما بعد في مسجد الشيخ محمد بن زياد - رحمه الله - الذي عين به إماماً ، ونتيجة لخبرته الطويلة في التدريس والدعوة عين بعد استقالته من التدريس موجهاً ومشرفاً لجماعة تحفيظ القرآن الكريم بالمنطقة الجنوبية ، بناء على طلب رئيس الجمعية واستمر فيها لسنوات عدة.عالما عاملا ومربيا فاضلا . وقد سجل له التلفزيون السعودي وكذلك الإذاعة عدة حلقات في برنامج «في ظلال القرآن» .

إن توفر صفات الداعية المسلم فيه جعل الكثيرين ينجذبون إليه وقد أسلم على يديه أناس أحدهم من الفلبين ، وقد ظل ذلك الرجل يتردد عليه ويزوره في بيته ليعلمه القرآن والفقه وغيره

حبه لعمل الخير:

لم أعهد والدي - رحمه الله - إلا شغوفا بعمل الخير وقد تغلغل حبه في قلبه ولم يكن هناك مجال لذلك إلا وساهم فيه سواء بنفسه أو دالا عليه ، ولم يذكر عمل للخير في سوريا أو فلسطين أو أفغانستان أو كردستان أو الشيشان أو كشمير أو بنغلاديش أو بورما أو بين مسلمي سريلانكا أو في الفلبين أو غيرها من بلاد العالم إلا وكان له - رحمه الله - نصيب في ذلك ، مع ما كان يصيبه أحيانا من جراء ذلك من عنت ومضايقة .

لقد كفل كثيرا من الأيتام وكفل بعض من طلبة العلم ، وشارك في بناء المساجد وعمل على إصلاح ذات البين ، ولازلت أذكر بعض الأوقات التي كان يجمع فيها أناسًا متخاصمين في منزله ليخرجوا من عنده متفقين بعد ارتفاع أصوات وخصام سواء في سوريا أو السعودية .

كرمه وحبه للضيوف:

ولقد كان كريما مضيافا فمنذ أن حطت رحاله مدينة أبها واستقر بها فتح بيته لإخوته السورين القادمين فكان يستقبلهم جماعات ووحدانا وكثير منهم لم تكن له معرفة مسبقة بهم فيستضيفهم في منزله ويعمل على مساعدتهم في إيجاد عمل ومنزل مناسبين ، ويبقى في خدمتهم حتى يستقر وضعهم ،ولقد لقب أحد معارف والدي منزلنا بفندق الأبرش ، و عرف بذلك حتى عند إخوته من غير السوريين فكان سائق الأجرة عندما يأتي بأحد من السوريين القادمين من المطار كان يقول له هل تعرف أحدا من سوريا هنا فما يكون من السائق إلا أن يحضره إلى منزلنا فورا . 

مساعدة الشباب ومد يد العون إليهم:

قام بمساعدة بعض الشباب المقبل على الزواج ماديا ومساعدة الضعفة والمظلومين ، وأذكر في هذا المجال مجموعة من الإخوة الفلبينيين استقدمهم أحد التجار إلى المملكة ، وعندما وصلوا إلى مدينة أبها وجدوا أن كفيلهم لم يوف لهم بما وعدهم به من حيث الراتب والسكن وغيره واضطرهم عدم وجود السكن إلى البقاء في المسجد الذي كان يصلي - رحمه الله - به إمامًا ، وعندما رآهم والدي وتعرف عليهم وعلم حالهم جاء إلينا وعرض أمرهم علينا ثم قام بأخذ مبلغ من المال اشترى لهم به طعامًا وبعض ما يحتاجونه ثم أستأجر لهم شقة ، ومن ثم تبنى قضيتهم وعمل على حلها والحمد لله .

وكم من أسر فقيرة ظل يرعاها لمدة طويلة ينفق عليها من ماله الخاص ، وعندما يعجز أحيانا عن ذلك كان يدل أهل الخير عليها لإعالتها ، وقد توفي - رحمه الله - وهو لا يزال يشرف على إعالة بعض تلك الأسر ، وأسأل الله أن يكون ذلك في ميزان حسناته ، ولقد عهدناه منذ صغرنا وهو يخرج في الليالي المظلمة إما لوحده أو يأخذ أحدا من أبنائه وبناته يتفقد أحوال الفقراء ويعمل على إيناسهم وتوفير ما يحتاجونه من طعام وملابس وغير ذلك .

وإذا ذكر الجهاد كان له السبق فيه فلقد جاهد رخمه الله بنفسه وماله ،جاهد بنفسه يوم أن كان في سوريا وهل هناك جهاد أفضل من كلمة حق عند سلطان جائر ، وجاهد بماله حيث كان يدعم المجاهدين في كثير من أصقاع الأرض بالمال ، كمجاهدي فلسطين وأفغانستان وكشمير وسريلانكا والشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفا وغيرها ، من المناطق التي بلي المسلمون فيها بالظلم وتسلط أعدائهم عليهم حيث كان دائما يتتبع أخبارهم ويعمل على تلبية ما يحتاجونه مما يستطيعه ، وكثيرا ما حدثنا عن أخبار الجهاد والمجاهدين ، وإنا لنرجو الله أن لا يحرمه أجر ذلك كله .

اللهم إنا قد عرفناه محبًا لك ، خاشعًا ، منيبًا ، مخبتًا ، تنهال دموعه من خشيتك ومحبتك ، اللهم إنا عرفناه صابرًا ، صائمًا ، قائمًا ، قارئًا للقرآن ، مزكيًا ، ومجاهدًا ، ومحتسبًا ، محبًا لحبيبك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - ومحبًا للخير ، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا ، اللهم فلا تحرمه الأجر والثواب فإنك خير المسئولين وأكرم المأمولين .

اللهم إنه قد خرج من بلده مهاجرًا في سبيلك ، وقد قلت وأنت أصدق القائلين ( ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) اللهم فامنن عليه ولا تحرمه ذلك الأجر يا رب .

اللهم وتغمده بواسع رحمتك ، وأسكنه فسيح جناتك ، اللهم وسع له قي قبره ، اللهم وعافه واعف عنه ، وهون عليه حسابه ، اللهم وأبدله دارًا خيرًا من داره ، وأهلاً خيرًا من أهله ، اللهم

شاركنا بتعليق



  • احمد سالم علي سالم الحضرمي

    تاريخ اليوم الأحد : 4 / نوفمبر / 2018 الوقت الأن 7:57

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصﻻة والسﻻم على اشرف اﻻنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه افضل الصﻻة واتم التسليم .. امابعد اعزي نفسي واعزي ابناء الشيخ الداعية عبدالكافي اﻻبرش رحمه الله وتغمده بواسع رحمته انا كنت احد تﻻميذه في ابها من الصف اﻻول ابتدائي في مدرسة تحفيظ القران في حي شمسان وكان مديرها الشيخ ابو حسن واسماعيل احمد حسن عسيري وكل من ذكرتهم اختنا الغالية بثينه من المشايخ والمدرسين اعرفهم جيدا ولكنها نست او انها سهت عن ذكر الشيخ مطر عبدالله ابو معاذ ... ﻻ ادري هل ﻻزال على قيد الحياه ...الى يومنا هذا والله لفد نكئت الجراح يا اختي الغالية وسالت دمعتي عندما قرأت تاريخ والدي وشيخي الشيخ عبدالكافي ابو نجم اخوانك اعرف منهم نجم وعباده وحذيفة وقد درست معهم كنت انا وعباده وحذيفه في صف واحد وكان نجم يغوقنا بسنتين تقريبا وقد درسنا في تحفيظ القران بجانب سوق الثﻻثاء في ابها وبعدها انا انتقلت االى ثانوية الفهد وكان ايضا درسني فيها الشيخ ابو نجم رحمةالله عليه .. انا اليوم عند من اﻻبناء 4 منهم 3 ذكور و1 وواحدة انثى الكبير سالم وفاطمه وعلي وبدر ابنائي انا احمد سالم الحضرمي ماشاء الله سالم وفاطمه في السنه الثانية طب بشري في مدينة عدن .. انا كنت اعرف اباكي واخوتك وقد لعبنا سويا ايام الطفوله حتى انتي يابثينه اعرفك عندما كنتي صغيره اسئل من الله ان يحفظك ويرعاكم انتي واخوتك .. واذا استطعت ان تقدمي لي خدمة ارسلي لي رقم اخوتك عباده وحذيفه من اجل ان اجدد االذكريات ورائحة ماضينا الجميله .. تحياتي اخيك في الله احمد سالم الحضرمي من ابناء اليمن العاصمة عدن

اقرأ ايضا