الاثنين 12 ربيع الأول 1440 - 19 نوفمبر 2018

العلامة الفقيه الفرضي الورع الشَّيخ عبد القادر بن حسن الخوجة (5)

الخميس 8 صفر 1440 - 18 أكتوبر 2018 78 كاتب الترجمة : محمّد عيد وفا المنصور
العلامة الفقيه الفرضي الورع الشَّيخ عبد القادر بن حسن الخوجة (5)

إمام حمص الكبير وعالمها الشَّهير 

(1300- 1372هـ، 1885-1953م)

ثناء العلماء عليه:

قال فيه نقيب أشراف دمشق الحصني في منتخبات التَّواريخ( ):

(من فطاحل رجال العلم والتَّحقيق، له اختصاص تامٌّ في الجرح والتَّعديل وأكثر العلوم والفنون).

وقال فيه تلميذه الشَّيخ محمّد الحامد الحموي في تقدمته لرسالة الشَّيخ في البيوع:

(رجل فاضل كريم، وفقيه عالم عظيم، قد كمّله الله علماً وعملاً، وخلقاً حسناً، في تواضع شريف، والتفات منيف، ذلك هو الأستاذ العظيم الحجة، الشَّيخ عبد القادر الخوجة...

لقد كان شمس العلماء، وفقيه الفقهاء، وموئل الطالبين، وقد- والله - فجع به المسلمون وحزنوا لفقده، ووجدوا من ورائه فراغاً، ولعل الله أن يجعل من تلامذته خلفاً يملؤه.

كنت أسأله عن بعض ما يعرض لي من إشكالات علميّة يحتاج الطَّالب إلى الجواب عنها ليأخذ كلَّ من المسائل موضعه من ذهنه فلا تنتشر عليه، ولا يقع في الفوضى العلمية التي هي أشد خطراً على المحصِّل من أيِّ شيء آخر. كنت إذا سألته أجدني بين يدي حَبر جليل محقِّق، وفقيه عميق مدقِّق، ينزل كلامه من نفسي منزل اليقين، لأنَّه ثمر جهد شديد بذله في عمر مديد لتحصيل المعرفة، يمدُّه ذكاء وافر، وأفقٌ واسع، وورع ملأه تقىً وإخباتاً لربِّه الكريم عزَّ شأنه وتعالى جده).

وأما الشَّيخ عبد العزيز عيون السُّود فقد دَرَس عليه حاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي مرَّتين، يقول الشَّيخ عبد العزيز:

وكنتُ أقرأ أحياناً في حاشية ابن عابدين في البيت، فتُغلق عليّ عبارة، أقرؤها وأعيد، وأكرِّر، مرَّةً ومرَّتين وثلاثاً، والعبارة مغلقة، فآخذ الكتاب وأذهب إلى دكان الشَّيخ عبد القادر رحمه الله، فأقول له: يا سيدي، ابنُ عابدين يقول هنا وأقرأ العبارة، وبمجرد أن أقرأ العبارة أفهمها، دون أن يقول الشَّيخ الخوجة شيئاً.

ثمَّ يقول لي الشَّيخ عبد القادر: ظَهَرَ المعنى يا عبد العزيز؟!، فأقول: نعم ظهر، وهذا الأمر لم يحدث مرةً معي، ولا مرَّتين ولا ثلاث ولا أربع، ويعتبرها الشَّيخ من كرامات الشَّيخ عبد القادر، وهي من بركة القراءة على الشُّيوخ.

وقالت عنه جمعية العلماء:

عالم ثبت ثقة، تفقَّه على مشايخ انتهت إليهم رئاسة المذهب في عصره، ولقد كان مرجع العامَّة والخاصَّة، جادّاً في الإفادة والاستفادة، ولمزاولاته لأعمال التِّجارة اطلع على كثير مما يقع النَّاس فيه، فألَّف رسالته في البيوع قياماً بواجب النَّصيحة، وامتثالاً لأمر الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

وفاته وجنازته:

بعد أن صلّى الشَّيخ عبد القادر الظُّهر إماماً في الجامع النُّوري الكبير ، في يوم الاثنين 4 جمادى الأولى لعام 1372هـ، الموافق 13 كانون الثاني لعام 1953م، انطلق إلى متجره وجلس على الرَّصيف أمامه وهو يبحث مع الشَّيخ مؤيد شمسي باشا والشَّيخ عبد العزيز عيون السُّود وعالم ثالث في مسألة فقهية مستعصية.

وبعدها قام الشَّيخ عبد القادر وذهب ماشياً إلى بيته، وفي الطَّريق وافاه الأجل المحتوم، تراكض النَّاس والجيران إلى الشَّيخ لما رأوه على الأرض، وجاء ابنه محمَّد طيَّب فحمله إلى البيت.

وكان هذا آخر شيء في حياته، لم تفته صلاة، وقد انتهى من مدراسةٍ للعلم الشَّريف، واجتماع مع العلماء والصالحين.

وما إن وصل الخبر إلى سمع أهالي حمص حتّى هرعوا إلى بيت الشَّيخ ليستطلعوا الخبر، وهم بين مصدِّقٍ ومكذِّبٍ له، واستمرَّ تدفق النَّاس، واجتماعهم وتداعيهم، فلم تخرج الجنازة في نفس اليوم وإنَّما خرجت يوم الثُّلاثاء حيث أغلقت حمص متاجرها كافّة، وحتّى النَّصارى لم يفتحوا محلّاتهم حزناً على الشَّيخ، وصُلّي عليه في الجامع النُّوري الكبير الذي امتلأ، بل فاض بالمصلِّين والدَّاعين والباكين.

ماتوا وغُيّبَ في التراب شُخُصهم=فالنَّشـر مسـك والعظام رميم

وشارك في الجنازة كلُّ طوائف البلدة، بل وكل دوائرها الحكومية، فخرج المحافظ وقائد الشّرطة ورؤساء الدَّوائر والمكاتب في المدينة، وكانت جنازة حفيلة وكبيرة، ووصلت الجنازة إلى مقبرة الكتيب والنَّاس ما زالوا في المسجد النُّوري الكبير، والطريق بينهما ممتلئ وطافح بالمشيعين، وهو مصداق قول الإمام أحمد لأهل البدع، عندما قال: (بيننا وبينكم يوم الجنائز).

جمالَ ذي الأرض كانوا في الحياة وبعد الممات جمالُ الكتْب والسِّيَرِ

وصلّى الله على نبيّه محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم.

المصادر والمراجع

- الأنيس في الوحدة للشَّيخ: محمَّد أديب كلكل.

- محمّد الحامد بقلم تلميذه عبد الحميد طهماز.

- أعلام الطَّريقة النَّقشبنديّة في بلاد الشَّام للأستاذ: محمّد زكريا المسعود.

- الكتاتيب والمدراس في حمص للمؤرِّخ نعيم الزّهراوي.

- رسالة في البيوع صادرة عن جمعية العلماء بحمص.

- نموذج من الأعمال الخيرية في إدارة المطبوعات المنيرية

تأليف: محمد بن منير عبده أغا الدّمشقي، طبع الرّياض.

- المقابلة المطوَّلة مع ابنه القاضي الأستاذ طلحة الخوجة رئيس جمعية العلماء بحمص، متّع الله بحياته.

- المقابلة الخاصة مع الشّيخ محمد خالد الأشقر المعروف بالغجري، متّع الله بحياته.

======

( ) منتخبات تواريخ دمشق للحصني 2/926.

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا