الجمعة 7 ذو القعدة 1439 - 20 يوليو 2018

الدكتور محمد عادل الهاشمي : كلمات في رثائه (6)

الاثنين 18 شوال 1439 - 2 يوليو 2018 84 كاتب الترجمة : نضر بن عادل الهاشمي
الدكتور محمد عادل الهاشمي : كلمات في رثائه (6)

*شهران على الفراق*

محمد نضر الهاشمي.

*" كان"*

ما أصعب أن نتحدث عن أحبائنا بكلمة 

*" كان"*

كان ؟!

كان ملء السمع والبصر..

وكان يملأ المكان والزمان..

كان ! وكان ... وكان..

يا ويح القلب وما أصعب الألم ..

ويح القلم كيف يكتب عمن كانت له مع الأقلام والأوراق صولاتٍ وجولاتٍ تملأ الأيام والساعات...

كان!

وتجف الأقلام،

ولا يتحرك بها بنان...

وتبيَضُّ الصحائف فلم تعد تلمسها يد، 

ولم يعد يسَّودها قلم...

شهران على فراقك أبتاه و لا تزال حالة الإنكار مسيطرةً عليّ، 

عقليَّ الباطن لم يستوعب حتى الآن ما حدث ..

ها هو صوت خطواتك الوئيدة الهادئة تقترب، 

(إنه قادمٌ نحوي يريد التحدث إليّ ..)

•هل أستطيع أن أطلب منك شيئاً بنيّ؟ 

•نعم يا أبي بكل سرور تفضل، أرجوك يا أبي لا أحب أن تتلطف معي، أنت تأمرني وفقط... 

•حسناً، أريد هذه الأدوية من الصيدلية اليوم، و أريد المرور على الطبيب في أقرب وقتٍ ليساعدني في موضوع قلة و اضطراب النوم،

وأريد هذه الأشياء من السوق خلال يومين.

•حاضرٌ يا أبي حاااضر..

شريط الذكريات القريب لا يكف ُّعن التوقف، بالأمس كان بيننا يقوم بكل شؤونه بنفسه و لا يقبل أي مساعدةٍ من أحد 

إلى أن أقعده المرض في الشهر الأخير؛فاختفت الابتسامة و حلَّت محلَّها التساؤلات القلِقة:

ماذا حدث؟ 

هل ظهرت نتائج التحاليل و الأشعة؟ 

ماذا قال الطبيب وما هو العلاج الذي وصفه ؟ 

ما هي الخطوة القادمة؟ 

كان غيابك عن المسجد محطَّ تساؤلٍ

و اهتمام، 

يتفقدونك بالسؤال والدعاء...

تساؤلات صغار أولادي 

*(أحفادك)*

عن موعد قدومك المرتقب إليهم.

القلم لا يَمَلّ 

وشريط الذكرى لا ينتهي من استعراض أيام الطفولة الجميلة في حلبَ والكويت ، الأبوة الحانية..

النبع المتدفق بالعطاء، 

والصغار الذين اعتادوا مفاجآتِك الجميلة والتي على بساطتها لم تكن لاتتوقف و لا تنقطع، يلوحون بأيديهم الصغيرة من الشرفة في الصباح عند ذهابك للدوام،

وينتظرون عودتك بفارغ الصبر بعد الظهر في ذات المكان. 

و في نهاية العام الدراسي يتشوقون لمعرفة مكان قضاء الإجازة الصيفية..

ذكريات مصايف قرنايل و سير في لبنان،

و صلِنفة و كَسَبْ، البدروسية و مشتى الحلو،

دريكيش و جبل الأربعين في سوريا، 

و استانبول و گوك چادره و معشوقية في تركيا، 

صورٌ محفورةٌ في الأذهان بكل تفاصيلها، 

يلُّمها و يجمع شتاتها شخصية الأب المتوازنة،

الرحمة و الرفق 

و اللين و الحنان، الحزم و الشدة، 

كلٌ له وقته و ظرفه، كما الاهتمام بالكلمة الجميلة و التصرف اللائق، 

لا يعجبه اللفظ يَرِد على لسان أحدنا فيحدجه بنظرةٍ مؤنبةٍ و يُتبعها بتوجيهٍ جاد، يرفرف فوق ذلك المشهدكلِّه صورة الوجه المشرق و البسمة الطافحة بالهمة و الرضا و التفاؤل... 

رحمك الله يا أبت ِ

كم كانت تسعدنا بسمتك العريضة في مواقف اللقاء بعد الغياب في أبها و الشارقة و الرياض 

مبهجةً كانت و سارَّة، مؤنسةً تشيع في الجو فتمنحه جماله...

لم تُثنِك ظروف العائلة و القيام بشئونها عن متابعة الدراسات العليا بعد البكالوريوس، 

وكانت فكرة الاتجاه الإسلامي في الأدب قد برزت في رسالتك الماجستير *( أثر الإسلام في الشعر الحديث في سوريا )*

من جامعة بغداد عام 1974م كخطوةٍ للتحول في مسيرتك الأدبية الحافلة. ألهمك الله السير في طريقٍ جديدٍ لم يطرقه أحد من قبلك ؛فجاءت رسالتك الدكتوراة *( الإنسان في الأدب الإسلامي)* من جامعة الإسكندرية عام 1984م تتويجاً لهذا المجال الوليد الجديد؛ فكنت أول مختصٍ يحمل أول شهادة دكتوراة في الأدب الإسلامي، ثم تابعت و أثريت المكتبة العربية بمؤلفاتك العديدة القيِّمة.

كنت أحد العناوين البارزة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بأبها(جامعة الملك خالد حالياً)، و لا زالت مادة الأدب الإسلامي التي أدخلتها إلى مقررات كلية اللغة العربية تُدَّرس حتى الآن في الجامعة.

كما كانت آثارك بارزةً أيضاً في جامعتي الشارقة و عجمان في الإمارات العربية،

و لا زال طلابك البررة يتذكرون أياديك البيضاء التي تركتها في ذكرياتهم الجميلة...

نعم، صدق من قال: *أزهدُ الناسِ بالعالِمِ أهلُهُ و جيرانُه*... 

أعلم يا سيدي أن لك أنصاراً و طلاباً،

محبين و أصدقاء، 

لكنني لم أتخيل أن أتلقى هذا الكم الهائل من الاتصالات الهاتفية المعزِّية من شتى أرجاء الأرض، عربٌ و عجمٌ لم يعرفوك إلا من خلال كتاباتك و قلمك..

أحمد الله العليَّ القدير أن أنعم عليَّ بهذه النعمة الكبرى؛ ملازمتك في آخر مراحل العمر، 

فترةٌ على قِصَرِها إلا أنني تعلمت فيها الكثير من دروس البر، كيف ينبغي أن يكون؛ وعلى أي صورةٍ يجب أن يُؤَدى؛ 

و أدركت فيها كذلك أنه قد فاتني منه الكثير أيضاً...

طبت يا أبتِ حياً

و طبت يا سيدي ميتاً

و طاب يا حِبي مثواك

وبوأك ربي من الفردوس الأعلى منزلا... 

إن العينَ لتدمع،

و إن القلبَ ليحزن، 

ولا نقول إلا ما يرضي ربَّنا،

و إنا على فراقك يا 

*أبا النضر* لمحزونون..

اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمةً تطمئنُ بها نفسُه

و تَقَرُ بها عينُه 

و أسكنه فسيح جناتك. 

إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا