الاثنين 6 صفر 1440 - 15 أكتوبر 2018

في وداع العالم المجاهد نافع العلواني ( كلمات في رثائه) (6)

الاثنين 6 رمضان 1439 - 21 مايو 2018 216 كاتب الترجمة : أعدَّها: مجْد مكي
في وداع العالم المجاهد نافع العلواني ( كلمات في رثائه) (6)

أتابع في هذه الحلقة نشر ما كتبه تلميذه ومحبُّه عمر بن صلاح الدين أبو ربيع (أبو صقر) على صفحته في سلسلة تحت عنوان:" مقتطفات من حياة الشيخ نافع العلواني" وكنت نشرت في الحلقة السابقة عددًا من تلك المقتطفات منقَّحة مصحَّحة:

اشتر لأطفاله ما يغنيهم 

ذهبت مرة إلى بيت الشيخ لكي نذهب لصلاة الظهر ، وجدته يقف مع رجل على باب البيت، أخرج الشيخ مبلغًا من جيبه وأعطاه للرجل ، ركب الشيخ معي بالسيارة ، قلت له : شيخي أنا أعرف ذلك الرجل جيدا. هذا رجل سكّير وسيئ السمعة. وللعلم فإن وضعه المادي سيئ للغاية ، ( تعجَّب الشيخ فلم يكن يعرف عنه ) (توقعت أن يقول: ليتني لم أعطه المال أو يقول: يجب أن أتحرَّى في المرة القادمة ). 

قال الشيخ : هل تعرف بيته ؟ قلت : نعم أعرفه، قال : خذ هذا المبلغ واشتر لأطفاله ما يغنيهم عن السؤال، ثم قال : إذا جاءنا مرة أخرى لن نعطيه .

رحم الله شيخنا رقيق القلب الشيخ نافعًا، حتى عندما علم أن هذا الشخص سيء السمعة، لم يترك أهله ، فهم ليس لهم ذنب بأفعال أبيهم.

ينبغي لنا أن نشكر الفقير

أحد الإخوة من الملتزمين ، كان وضعه المادي سيئًا جدًا ، يرفض أن يأخذ أيَّ مساعده لعفة نفسه ، علمت أنه لم يخرج للعمرة في حياته لسوء وضعه، وكان يبلغ من العمر الأربعين تقريبًا، أخبرت الشيخ نافعا بقصة هذا الرجل، فقال لي : اعرض عليه عمرة مع مصروف جيب. وعندما عرضت عليه رفض لعفة نفسه، قلت له : ترفض هدية الشيخ نافع ؟ وافق بعد عناء، عندما أخبرت الشيخ عمَّا جرى قال : الحمد لله الذي قبل هديتنا، ثم قال : وهل شكرته ؟ ( تعجَّبت من قول الشيخ ) وقلت : لا ، لم أشكره ، قال : ينبغي لنا أن نشكر الفقير إذا قبل صدقتنا، فهو يحمل أجرنا دون عناء منا إلى يوم القيامة .

رحم الله شيخنا ومربينا الشيخ نافعًا. كان زاهدًا في الدنيا ، متواضعًا ، يعامل الفقراء كأنهم ملوك .

 

فهم كتاب الله أولى من حفظه

عندما كنت أبحث عن زوجة ، كان الشيخ نافع يسألني دائما ويمازحني ويقول : (لقيت واحدة تقبل فيك شيخي ) ، كنت أفرح بكلامه وممازحته واهتمامه في الموضوع ، وبعد أن وجدت زوجتي رضي الله عنها ، ذهبت للشيخ فرحا مبشِّرا، قلت : شيخي الحمد لله بتوفيق من الله سأخطب قريبًا، ثم قلت فرحًا : والحمد لله البنت حافظه لكتاب الله كاملا ، ( كنت مسرورا جدا بهذا الخبر وخاصة أنها تحفظ كتاب الله ، توقعت أن يفرح الشيخ ويقول: ما شاء الله ، حافظه لكتاب الله ؟ ) ولكن كان رد الشيخ ردَّ عالم حكيم ، قال : مو مهم شيخي !! ( أنا صعقت من إجابة الشيخ ) ثم قال رحمه الله : ليس من المهم أن تحفظ القرآن ، لو أنها تحفظ الفاتحة والإخلاص وتعمل بهما بحق ، خير من أن تحفظ القران كاملا ، ثم قال : ألم تسمع قوله تعالى: ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) ؟ ، هل تعرف ما هي الأسفار يا عمر ؟ قلت: لا ، قال : الأسفار هي الكتب ، لو أن حمارا يحمل على ظهره كتبًا طبيّة هل يصبح طبيبا ؟ يبقى حمارا ، ثم قال: نبهنا الله أن لا نكون مثل بني إسرائيل الذين كانوا يحفظون التوراة ولا يعملون بها فهم كالحمير يحملون أسفارا ، ثم قال: ( شيء جميل أن تكون حافظًا لكتاب الله، ولكن الأجمل أن تكون فاهمًا لكتاب الله، ففهم كتاب الله أوْلى من حفظه).

احترام لغة القرآن:

ذهبت لأصطحب الشيخ نافعًا رحمه الله من بيته للمسجد، عندما أراد أن يركب بجانبي، انتبهت أن هناك ورقة على الكرسي، أخذتها مسرعًا ونظرت إليها، كانت ورقه غير مهمة (ورقة إيداع بنكية) فرميتها خارج السيارة.

قال الشيخ : أحضر الورقة، ظننت أنه يريد أن يكتب عليها أو ما شابه ذلك، نزلت من السيارة وأخذت الورقة وأعطيتها للشيخ ، قام بطيِّها ووضعها في جيبه ، تعجبت !!! خاصة أنه لم يكلمني بشيء. 

وفي طريق العودة، قال لي الشيخ : عندك مكان تحرق فيه الورق؟ قلت : نعم، نزلنا لمكتبة الشيخ، وكانت أسفل منزله، أخذ كيسًا مليئا بالورق وأعطاني إيَّاه ، ثم وضع تلك الورقة في الكيس، وقال لي : احرقها جيدا ، قلت : شيخي يبدو أنك فهمت خطأ، الورقة هي عبارة عن ورقه بنكية ليس فيها أي شيء ديني مثل الورق الخاص بك . 

قال : أولاً: رمي الأوراق والأوساخ في الشارع حرام، لأنك خالفت الحديث الذي يقول: ( إماطة الأذى عن الطريق صدقة ) بل قد وضعت الأذى بالطريق .

ثانيًا: يا شيخي اللغة العربية هي لغة القرآن ، ومن احترام هذه اللغة عدم رميها بالقمامة حتى لو لم تكن تحمل شيئا دينيًا. خذها وأحرقها .

وقد رأيت الشيخ مرة على باب بيته، وكان يجمع الورق المكتوب فيه باللغة العربية من الأرض، يجمعه ليحرقه، وكان رحمه الله لشدة حرصه على حفظ اللغة العربية واحترامها .. كان يخصص أكياساً خاصة تخلو من الكتابة عليها .. 

وكان يجمع كل ما يحتوي كلاماً بالعربية في كيس خاص يقوم لاحقاً بإتلافه حرقاً أو دفناً بالتراب .. وكل ذلك كان للحفاظ على لغتنا الحبيبة من أن تُهان . 

حتى علبة الدواء ، إذا كانت مكتوبة باللغة العربية يضعها بالكيس المخصص، ويقوم بإتلاف هذا الكيس كما ذكرت سابقاً .

رحم الله شيخنا وكبيرنا وعالمنا ومعلمنا الشيخ نافعًا كان حريصًا جدًا، ينتبه لأدق التفاصيل .

من بعد هذا الموقف صار كيس النفايات الصغير لا يفارق سيارتي، ولا أسمح لأحد برمي أي شيء من السيارة، وأحاول قدر الإمكان أن لا ألقي أي ورقة مكتوبة بالعربية (هذا أثر مرافقة العلماء المربين تتعلم منهم الأدب والعلم).

لماذا بكى الشيخ نافع ؟

كنت أوصل الشيخ نافعا رحمه الله من بيته إلى المسجد وأعود به لسنوات والحمد لله ، إلا صلاة الجمعة ، كان يتزاحم المصلون للسلام على الشيخ ويتزاحمون لإيصاله للبيت ، وبدون مبالغة المئات يسألونه بعد كل صلاة جمعة ، وفي يوم ذهبت لأقبل رأسه بعد خطبة الجمعة ، فقال لي : انتظرني سأذهب معك ، فرحت فرحًا شديدا، فبقيت بجانب الشيخ رحمه الله ، استغرقنا وقتا من مكانه في الصف الأول من المسجد إلى باب سيارتي الموجودة على باب المسجد ، استغرقنا ربما نصف ساعة أو أكثر، فذاك يسأل الشيخ سؤالا ، وآخر يقبل رأسه ، وآخر يحاول أن يقبّل يد الشيخ ، والشيخ يسحب يده ، وجماعة ينتظرونه ليكحلوا عيونهم برؤيته ، وجماعة يمشون من حوله ، كنت بجانب الشيخ فرحا شامخا ، من مثلي ؟ يحاولون أن يتكلموا مع الشيخ لدقيقة ويفرحوا بهذه الدقيقة ، وأنا بجانبه في أغلب الصلوات بل ما بين الصلوات ، وصلنا الى السيارة ، فتحت باب السيارة للشيخ وركبت بجانبه، عندما نظرت إلى الشيخ، وإذ به يبكي، وقد وقفت دمعته في عينيه، لم أعرف ما الذي حصل ؟ ولماذا يبكي الشيخ ؟ تحركت السيارة وأنا كلي دهشة ، سمعت الشيخ نافع يقول : اللهمّ إني أعوذ بك من الكبر، ثم أخذ يستغفر إلى أن وصلنا الى البيت، ويكرر: اللهم إني أعوذ بك من الكبر ، اللهم إني أسألك حسن الختام .

رحم الله الإمام الشيخ نافعًا. كان رقيق القلب، علمت يومها أن الشيطان حاول أن يدخل للشيخ من مدخل الكبر، مع العلم أني كنت بجانب الشيخ طوال الوقت وهو دائمًا متواضع رحمه الله ، لكن لمجرد التفكير بالكبر، بكى الشيخ خوفًا من أن يصاب بمرض الكبر.

لا تجعلهم يرون الباطل حقا والحق باطلا :

بينما ونحن جالسون في مسجد خليل الرحمن، وأنا بجانب الشيخ نافع رحمه الله، دخل رجل يلبس بدلة رسمية ، سلم على الشيخ وقال : يا شيخ أنا أعمل في بنك ربوي، وكنت غافلا عن موضوع الحلال والحرام، ولكن أحد الشيوخ أخبرني وأقنعني أنه حرام، وقال لي: يجب أن أترك العمل فورًا لله ، وأن الله سيبدلني خيرًا منه ، ماذا أفعل يا شيخ ؟؟ ابتسم الشيخ نافع وقال : كلام الشيخ صحيح فعملك في هذا البنك الربوي حرام، ومأكله حرام ، ولكن لا تترك عملك حتى تجد عملا آخر ولو كان بأجر أقل ، ثم قال : وبالتأكيد سيبدلك الله خيرًا من عملك هذا، ولكن لا تفتُر في البحث عن عمل آخر، وإياك أن تترك عملك هذا قبل أن تجد عملا آخر، حتى لا تصبح عبئا على أهلك وقومك فيلوموك على ترك عملك، عندها سيرون أن الباطل (وهو عملك بالبنك ) حقٌّ، وأنَّ الحق ( وهو تركك لعملك ) هو الباطل ، فلا تجعلهم يرون الباطل حقا والحق باطلا .

رحمك الله يا شيخي: لقد كنت فقيهًا في أدقِّ الأمور، فكنت ترى ما لا يراه الكثير من الملتزمين وللأسف، (العمل في البنك حرام، لكن تركه للعمل بدون أن يجد عملا غيره سيجعل الكثيرين يظنون أنه أخطأ بتركه لعمله الحرام أصلا ). 

وهنا تجد الفرق الكبير عندما تسأل أهل العلم الحكماء عن مسألة فقهية أو تسأل رجلا متدينًا لأنه ملتزم لا أكثر .

مات رحمه الله رافعا السبابة:

الحمد لله الذي شرَّفني بالمشاركة في غسل الشيخ نافع العلواني رحمه الله تعالى. 

كانت إصبعه السبَّابة (الشاهد) بعد وفاته مرفوعة كما لو أنه في تشهُّد الصلاة ، هذا الإصبع الجميل الذي لطالما رفع في التشهد، وكان الشيخ نافع رحمه الله يرفعه في مواضع كثيرة، سأذكر ما أتذكر من هذه المواضع: 

كان إذا ذكر الله أو سيدي رسول الله يرفع إصبع السبَّابة .

كان اذا دعا دعاء يرفع إصبع السبابَّة .

كان في خطبة يوم الجمعة يصمت تمامًا ولا يتفوَّه بحرف، وإذا دعا الخطيب، رفع الشيخ نافع إصبعه السبَّابة .

كان يرفع إصبعه السبَّابة وقت الأذان وهو يردِّد خلف المؤذن وكان يرفعه وقت الإقامة .

كنت عندما أصلي بجانب الشيخ في صلاة الجماعة ، إذا قرأ الامام وذكر الله أو كان في ضمن الآية دعاء، رفع الشيخ إصبعه السبَّابة .

رحم الله شيخنا الشيخ نافعا، من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، كان يرفع إصبعه السبَّابة في مواضع كثيرة، في كل جلسة تقريبًا، بل في كل وقت، ومن الطبيعي أن يموت رافعًا للسبَّابة، مُوحِّدًا الله تعالى، سيبعث يوم القيامة رافعًا سبابته، يشهد أن لا إله إلا الله. 

الحلقة الخامسة هنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات