الاثنين 22 صفر 1441 - 21 أكتوبر 2019

أرض فلسطين بين الهجرة والرباط رؤية شرعية

رقم الفتوى : 86 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 995

نص الاستشارة أو الفتوى:

ما حكم الشرع فيمن يرى وجوب الهجرة من فلسطين فراراً بالدين ، وهل تعلل البعض بوقوع الاضطهاد يبرر ترد أرض الرباط؟

نص الجواب:

أرض فلسطين بين الهجرة والرباط رؤية شرعية

بقلم:هشام منور

منذ اللحظات الأولى لانطلاق الدعوة الإسلامية، أسس رسول الله [ في نفوس أصحابه رضوان الله عليهم وعياً مفارقاً لذلك الذي كان يسود المجتمع الجاهلي في مكة، وحرص أيّما حرص على إبراز أوجه التباين الفكري والنفسي والديني، وحتى السلوكي والعملي، في جميع تجلياته، وحتى بعد أن هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وواجه قضية مخالطة المسلمين لأهل الكتاب من اليهود الذين كانوا يمارسون نوعاً من التمايز العنصري على أهل المدينة قبل الإسلام وبعده، استناداً إلى حصيلة التراكم المعرفي الذي تجمّع لديهم المستمَد من نصوص «التوراة» -التي حرّفوها- وفُهوماتها، فقد كان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم حريصاً على تسجيل انتمائه لتراث النبوات والرسالات السابقة، في الوقت الذي يسجل فيه «هيمنته» على ذلك التراث الثريّ، وتمايزه عن جملة الممارسات والسلوكيات الموهِمة بتحقيق الاندماج التام مع أهل الكتاب (اليهود) في سلوكياتهم وتصرفاتهم وممارساتهم، وحتى فهوماتهم للأوامر الإلهية التي شابها التحريف والتبديل.

لذلك، فإنّ أَمْرَ رسول الله [ صحابته الكرام بالهجرة إلى الحبشة مرتين، وإلى المدينة بعدها، في ظل الظروف الخانقة التي كانت تمر بها الدعوة آنذاك، يعبر عن عدم تحقق الظروف الملائمة لممارسة المسلمين لشعائرهم وعباداتهم، وعن تعرضهم للاضطهاد والتعذيب في سبيل ذلك، فإنه بالتساوي مع ذلك، يجسِّد رغبة نبوية بتحقيق نوع من التمايز الوقائي الذي يحفظ لتلك الثُّلة المؤمنة نقاء تعاليمها وشعائرها، ومن ثم وجودها الذي كان مهدداً في الوقت ذاته.

وبالتالي، فإن الأمر بالهجرة إلى الحبشة ثم المدينة تالياً، الذي انقطع بفتح مكة دون أن ينقطع الأمر بوجوب الهجرة من أماكن الاضطهاد الديني في الأرض - بهدف رفع ذاك الاضطهاد عن كاهل المؤمنين - يؤمِّن لهم تمايزاً روحياً وشعائرياً لا يجوز بحال من الأحوال التقليل من أهميته. ولكن لا يجوز أيضاً أن يؤدي فهمنا له إلى الخلط بين وجوب تحقيقه ووجوب دعوة أولئك إلى الإسلام، إذ أن للدعوة شروطاً ومقوِّمات لا مجال لاستعراضها الآن، ووصول المسلمين إلى الحد الذي لا يأمنون فيه على ممارسة شعائرهم وإقامة عباداتهم قَمينٌ -من باب أَوْلى- بالتعبير عن انتفاء الظروف الموضوعية لممارسة الدعوة وتجسيدها.

إن تفهّمنا العميق لتلك الغايات التي حرصت عليها الدعوة الإسلامية من خلال أمر أتباعها بالهجرة عند تحقق الاضطهاد الديني، يمكِّننا من تعقل سر الإلحاح على وجوبه، فالقرآن الكريم يخاطب المسلمـيــــــن ويطـالبــــهــــم بالهجرة مــن أي بقعــة يُضطهدون فيها، ويستثني منهم المستضعفين في الأرض من النساء والعجائز والأطفال، قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ] فأولئك عسى الله أن يعفُوَ عنهم وكان الله عفواً غفوراً( [النساء: 98-99]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» (أخرجه أبو داود في سننه برقم 2878).

ومع استواء جميع البلاد في نظر الإسلام -من حيث المبدأ- جواز الإقامة فيها، فإن هناك بلاداً ذات خصوصية روحية وتاريخية حرص المسلمون على الإقامة بها، لاعتبارات دينية وتاريخية ووجدانية، كالأرض الحرام مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وأرض فلسطين والشام بوجه عام. ويمكننا اختصار المكانة المتميزة التي حظيت بها أرض فلسطين بالحديث الشريف الذي حثّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على شَدِّ الرحال إلى المساجد الثلاثة: «لا تُشَد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»، فضلاً عن التراث الديني والروحي الذي تمتلكه هذه الأرض المباركة، حسب وصف القرآن لها في أكثر من موضع، وكونها أرض الرسالات والنبوءات عبر التاريخ، وأُولى قبلتَيْ المسلمين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فإنّ أي حديث عن هذه الأرض المباركة (أرض فلسطين) يجب أن يلحظ المكانة التاريخية والروحية لها عند أتباع الرسالات السماوية عامةً، والمكانة الدينية الخاصة لها عند المسلمين، فهي بنظرهم أرض مباركة ذات قدسية تلي قدسية مكة المكرمة والمدينة المنورة.

ولهذا، فإن الدعوات التي شاعت بين المسلمين، في ظل ظروف القهر والاضطهاد العنصري الذي مارسه الصهاينة على أهلنا في فلسطين، بوجوب الهجرة من فلسطين فراراً بالدين إلى حيث يمكن لشعبنا ممارسة وإقامة شعائره، ووصولاً إلى اعتبار (فلسطين) أرض حرب تجب الهجرة منها شرعاً، إن كل تلك الدعوات لا يخفى ضررها على قضية هذا الشعب، وعدالة مطالبه بتحرير أرضه واستعادة سيادته عليها، فضلاً عن أنها تجانف الرؤية الشرعية في هذا الموضوع.

فالأصل في ذلك أنّ أفضل أماكن الإقامة بالنسبة للمسلم هو حيث أمكنه إقامة دينه وممارسة شعائره، فإذا ضُيِّق عليه في ذلك وانعدمت مقاومته لتلك الضغوطات، فقد قرّر العلماء وجوب هجرته إلى أي بلد يتمكن فيها من إظهار دينه وممارسة عباداته. وإذا حاولنا إسقاط ذلك على الوضع في فلسطين، فإن حكم أرضها وفق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، على اختلاف شروطهم وضوابطهم، هو أنها أرض إسلامية، وإن كانت واقعة تحت نير الاحتلال، ووجوب الجهاد لتحريرها واستعادتها قائم على كل مسلم، دون أن يغضّ من ذلك حالة الضعف التي تعتري الأمة حالياً. وعليه، فإنْ تعلَّلَ (البعض) بوقوع الاضطهاد على أهلنا وعدم قدرتهم على إظهار دينهم وممارسته بشكل طبيعي، إنّ ذلك يَسْقط أمام ما هو معروف من ثبات أهلنا على حقوقهم ومقاومتهم شتى الظروف، وتمكنهم من ذلك على الرغم مما يتعرضون له في سبيل ذلك من مضايقات وصعوبات.

ثم إن (فلسطين) الآن أرض للرباط بالنسبة لجميع المسلمين، وفي مقدمتهم أهلها. وإن تقرر في الفقه الإسلامي وجوب الإقامة بالنسبة للأفراد في دار الإسلام المعتدى عليها وعدم جواز الهجرة إن كان في ذلك مصلحة ظاهرة للإسلام والمسلمين، فإن من المخاطر التي تنتظر أرض فلسطين حال الهجرة منها من تهويد معالمها وطمس هويتها الإسلامية والعربية، ما لم يعد خافياً على أحد. أَضِف إلى ذلك المنافع المتوخاة من رباط أهلنا وصمودهم في أرضهم رغم كل ما يتعرضون له، وما اندحار العدو الصهيوني من (غزة هاشم) إلا نتيجة طبيعية لذلك الصمود والرباط، وقد اعترف الصهاينة أنفسهم، أنه جاء تحت ضغط ممارسة شعبنا لرباطه في أرضه من خلال عناصر مقاومته، وتحت وطأة الخوف من العامل الديمغرافي (السكاني) المتفجر في وجوههم. فهم يعلمون يقيناً ثبات أهلنا في فلسطين ورباطهم هناك، وتزايد أعدادهم، في ظل الهجرة المعاكسة التي يتعرض لها الكيان الصهيوني، وهو الدافع المباشر والأساسي لاندحارهم من غزة.

وفي السُنة النبوية أن الصحابي عبد الله ابن حَوَالة رضي الله عنه روى عن رسول الله [ قوله: «سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجنّدة؛ جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق»، قال بن حوالة: خِر لي يا رسول الله إنْ أدركتُ ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: «عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيَمَنِكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله» أخرجه أبو داود في سننه برقم (2483).

فكيف إذا علمنا أن النبي [ قد استشرف وجود هجرة كبرى في المستقبل نحو أرض الرباط (فلسطين) لا العكس؟: «ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مُهَاجَر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضهم، تقذرهم نفس الله وتحشرهم النار مع القردة والخنازير» أخرجه أبو داود في سننه برقم (2482).

لم يكن أهلنا في فلسطين ليمتلكوا زمام أمرهم إبان التهجير القسري الذي تعرضوا له خلال حرب عام 1948، وبعدها في عام 1967، بل كانوا -على خلاف ما أشاع العدو الصهيوني عنهم من تَرْكهم لأرضهم بمحض إرادتهم-، أشد ثباتاً واستمساكاً بأرضهم في وجه عدوان عتاة المجرمين من الصهاينة. ولقد سجل التاريخ لنا من المجازر والمذابح التي قام بها الصهاينة واعترفوا بها لاحقًا، ما يؤكد على شدة تمسّكهم بأرضهم وثباتهم عليها، من «دير ياسين» إلى «كَفْر قاسم» إلى «مجزرة قبية» إلى «خان يونس»، حتى مجزرة «المسجد الإبراهيمي» الشريف منذ سنوات خلت. ولولا رباط شعبنا وثباته، وفَهمه لجوهر دينه وحقيقة الأوامر الشرعية الموجَّهة إليه بخصوص مواجهته مع العدو الصهيوني، بوصفه طليعة الأمة وحصنها الأول، -بخلاف ما قام به أحدهم وما أشاعوه من فَهمٍ خاطئ- لكُنّا الآن ندرس في كتب التاريخ عن شعب سكن أرض فلسطين في حقبة من الزمن، والله وحده يعلم إن كانت مناهجنا سوف تسمح لنا بالتلفظ باسمه بعد موافقة «السيد» الأمريكي المطاع!!

منبر الداعيات عدد 128

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
641 الخلافة الإسلامية ليست عقدا أبديا حتى الموت‎ 1278 الخميس 15 محرم 658887 - 19 يونيو 639902
625 هل قال علي رضي الله عنه في الخوارج "إخواننا بغوا علينا"؟!! 10842 السبت 4 ربيع الثاني 658881 - 7 نوفمبر 639896
740 الأحاديث الثلاثية في صحيح البخاري 2449 الجمعة 14 محرم 659201 - 13 فبراير 640207
801 الفرق بين السختياني والسجستاني 727 الاثنين 20 رجب 659504 - 8 أغسطس 640501