الاثنين 23 محرم 1441 - 23 سبتمبر 2019

ماصحة حديث (اختلاف أمتي رحمة)؟

رقم الفتوى : 8 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 4261

نص الاستشارة أو الفتوى:

سُئلت عن حديث :"اختلاف أمتي رحمة" ومدى صحته من الناحية الحديثية، وهل يصح معناه؟ فأجبت بما يلي:

نص الجواب:

حديث " اختلاف أمتي رحمة "

حديث : " اختلاف أمتي رحمة " لا أصل له، ولكنه صحيح المعنى.

قال المناوي في " فيض القدير" 1: 212: " قال السبكي : وليس بمعروف عند المحدثين ، ولم أقف له على سندٍ صحيح ولا موضوع" .

وقال الشيخ أحمد بن الصديق الغماري في " المداوي " 1: 235 بعد ما نقل تخريج السيوطي له في " الجامع الصغير" : " رواه نصر المقدسي في " الحجة " ، والبيهقي "الرسالة الأشعرية" بغير سند ، وأورده الحليمي والقاضي حسين ، وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خُرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا"

قلت - أي الحافظ أحمد بن الصديق - : " يُعاب على المصنف – أي السيوطي- إيراده لهذا الحديث الموضوع الباطل الذي لا أصل له ، مع عدم وقوفه على مخرج له ، ومن اعتمد على ذكرهم إياه لا ينبغي أن يغتر بهم ، فإنهم قوم صناعتهم الفقه ، ولا دارية لهم بالحديث مطلقًا ، بل منهم من يُورد الحديث الموضوع مُحتجًا به في حكم ، ثم يعزوه إلى الصحيحين . والبيهقي – وإن كان حافظًا – إلا أن الروح الفقهية غالبة عليه مع ميل وتعصب ، وما حمله على إيراده في " الرسالة الأشعرية" بدون إسناد إلا ذلك" انتهى.

فالحديث لا يثبت ، وتنظر : " المقاصد الحسنة " 26 للسخاوي ، و" الأجوبة المرضية فيما سئل (السخاوى) عنه من الأحاديث النبوية " 1: 104، و " المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر " للزركشى ص 227(277) ، و" إتحاف السادة المتقين " للزبيدي 1: 205 ، و " تمييز الطيب من الخبيث " 9 ، و " كشف الخفاء" للعجلوني 1 : 64 ، و " تذكرة الموضوعات " ص 90 ، و " الأسرار المرفوعة" ص 108 لملا علي القارى .

والحديث – وإن كان لا يثبت - كما تقدم - إلا أن معناه صحيح .

ويبين صحة معناه : فهم معنى الاختلاف ، والفرق بين الاختلاف والخلاف .

قال الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه " مفردات القرآن " : " الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحدٍ طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو قوله". أي : من غير تنازع ولا شقاق ، كما يدلُّ عليه تمام كلامه:

"ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي التنازع ، استعير ذلك للمنازعة والمجادلة.

قال تعالى : ( فاختلف الأحزاب من بينهم ) ، ( ولا يزالون مختلفين....) "انتهى

فالاختلاف في أصل اللغة لا يحمل معنى المنازعة والمشاقة ، إنما واقع الناس ونفوسهم التي لا تحتمل ذلك ، وصدورهم التي تضيق عن مخالفة غيرهم لهم ، يجعل هذا الاختلاف سببًا إلى المنازعة ، فجاء القرآن الكريم في بعض آياته على هذا المعنى الحاصل الناتج.

وقال أبو البقاء الكفوي في " الكليات" 1: 79-80 في بيان الفرق بين الاختلاف والخلاف :

" الاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفًا ، والمقصودُ واحدا، والخلاف : هو أن يكون كلاهما – أي الطريق والمقصود – مختلفًا. والاختلاف : ما يستند إلى دليل . والخلاف : ما لا يستند إلى دليل . والاختلاف من آثار الرحمة...، والخلاف : من آثار البدعة...".

والمراد بالاختلاف في هذا الحديث – الباطل السند الصحيح المعنى - : الاختلاف في الفروع الفقهية .

وأسباب الاختلاف كثيرة منها : طبيعة عقول المكلفين ونفوسهم ، وطبيعة النصوص التكليفية ، وطبيعة اللغة العربية التي جاءت بها هذه النصوص.

واعترض بعضهم على كون الاختلاف رحمة : بأنه يلزم منه أن يكون الاتفاق عذابًا.

وقد ذكر هذا الاعتراض الإمام الخطابي ( ت 388هـ ) رحمه الله تعالى في كتابه " أعلام الحديث" 1: 219- 221 ، وسبق قلم الحافظ السخاوي في " الأجوبة المرضية" 1 : 104، والقسطلاني في المواهب "

5 : 391 ، وتبعهما العجلوني في " كشف الخفاء" 1 : 65 ، وعلي القارى في " الأسرار المرفوعة" ص 108 وغيرهما فنسباه إلى " غريب الحديث" للخطابي مع أن كلام الخطابي في شرحه لصحيح البخاري "أعلام الحديث ".

قال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى : " أما قول القائل : لو كان الاختلاف رحمةً لكان الاتفاق عذابًا ، لأنه ضده : فهذا قول لم يصدر عن نظر وروية ، وقد وجدت هذا الكلام لرجلين اعترضا به على الحديث.

أحدهما : مغموص عليه في دينه – وهو عمرو بن بحر ، الذي يُعرف بالجاحظ –

والآخر: معروف بالسُخف والخلاعة في مذهبه ، وهو إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فإنه لما وضع كتابه في " الأغاني" وأمعن في تلك الأباطيل ، لم يرض بما تزوده من إثمها حتى صدر كتابه بذم أصحاب الحديث ، والحطب عليهم ، وزعم أنهم يروون ما لا يدرون ، وذكر بأنهم رووا هذا الحديث – اختلاف أمتي – أو أصحابي رحمة – ثم قال : ولو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابًا.

ثم تكايس وتعاقل فأدخل نفسه في جملة العلماء ، وشاركهم في تفسيره وتأويله ، فقال : وإنما كان الاختلاف رحمة ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًا بين ظهرانيهم ، فإنهم إذا اختلفوا سألوه فأجابهم ، وبين لهم ما اختلفوا فيه ، ليس فيما يختلفون بعده .

وزعم أنهم لا يعرفون وجوه الأحاديث ومعانيها ، فيتأولونها على غير جهاتها.

والجواب عما ألزمانا من ذلك ، يقال لهما : إن الشيء وضده يجتمعان في الحكمة،ويتفقان في المصلحة ألا ترى أن الموت فسادًا ، وإن كانت الحياة صلاحًا ، ولم يكن السقم سفهًا ، وإن كانت الصحة حكمة، ولا الفقر خطأ إذا كان الغنى صوابًا . وكذلك الحركة والسكون ، والليل والنهار ، وما أشبهها من الأضداد . وقد قال سبحانه: ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) فسمَى الليل رحمة ، فهل أوجب أن يكون النهار عذابًا من قبل أنه ضده.

وفي هذا بيان خطأ ما ادعاه هؤلاء . ولله الحمد.

وأما وجه الحديث ومعناه: فإن قوله : "اختلاف أمتي رحمة ", كلام عام اللفظ المراد، وإنما هو اختلاف في إثبات الصانع ووحدانيته,وهو كفر، واختلاف في صفاته ومشيئته وهو بدعه.

وكذلك ما كان من اختلاف الخوارج والروافض في إسلام بعض الصحابة.

واختلاف في الحوادث من أحكام العبادات المحتملة الوجوه،جعله الله تعالى يسرًا ورحمة وكرامة للعلماء منهم ."انتهى كلام الخطابي .

وقد تلقى العلماء هذا الكلام من الإمام الخطابي بالرضا والتسليم والقبول، منهم الإمام النووي رحمه الله في" شرح صحيح مسلم" : 91-92 , وصدّر الجواب عن اعتراض الجاحظ (ت:250), وإسحاق الموصلي(ت:235)بقوله : "والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد:أنه لا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضده عذابا , ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل أو متجاهل .." ومن بعد النووي : ابن حجر , والقسطلاني, وشارحه الزرقاني، والعجلوني , وملا علي القاري , وينظر كلامهم في " المواهب" وشرحه, و "كشف الخفا " ، و "الأسرار المرفوعة".

وقد ردد ابن حزم رحمه الله كلام هذين الرجلين : إسحاق الموصلي , والجاحظ في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام " 5: 64 في الباب الخامس والعشرين ، في ذم الاختلاف، وقال :

" وقد غلط قوم فقالوا : "الاختلاف رحمة " .وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا ؛ وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف ، وليس إلا رحمة أو سخطا".

وهذا ترديد لكلام ذينك الرجلين ،والرد عليهما ردٌ عليه فلا حاجة إلى التكرار .

وتابع هؤلاء الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة "57، ووافقه الدكتور محمد الصباغ في تعليقه على "مختصر المقاصد الحسنة " للزرقاني ص 52 , ونقل كلام ابن حزم على سبيل الاستشهاد والإقرار ؟!!

والحاصل : أن الحديث وإن لم يثبت فمعناه صحيح جداً , تؤيِّده أدلة الشريعة التي تقرُّ مشروعية الاختلاف بشروطه المعتبرة.

وينظر كلام الإمام ابن العربي في" أحكام القران "1: 291-292 , وابن تيمية في "مجموع الفتاوى 24: 242 وما بعدها , والمناوي في " فيض القدير "1: 21 , وكتاب: "صفحات في أدب الرأي: أدب الاختلاف في مسائل العلم " للعلامة المحدث المحقق الشيخ محمد عوامة, وقد بيَّن فيه أسباب الاختلاف العلمي، وحكم الاختلاف في الفروع, وشروط الاختلاف المشروع , وتكلم حول هذا الحديث كلاما مستوعبًا .

وكتبه: مجد مكي

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
160 ترك الانتخاب للجهل بأحوال المنتخبين 970 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
602 الجهاد لطالب علم خارج سوريا 660 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
86 أرض فلسطين بين الهجرة والرباط رؤية شرعية 977 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
853 الفروق الثمانية بين الابتلاء والعقوبة 1775 الثلاثاء 8 ذو القعدة 659523 - 30 أبريل 640520