الجمعة 10 شعبان 1441 - 3 أبريل 2020

ما حكم زيارة قبور الكافرين؟

رقم الفتوى : 61 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 2415

نص الاستشارة أو الفتوى:

سؤال : ما حكم زيارة قبور الكافرين ؟

نص الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

سؤال : ما حكم زيارة قبور الكافرين ؟

جواب : الأصل جواز زيارة القبور لأنها تذكر الناس بالآخرة . وقد جاءت الأحاديث مصرحة بذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فذوروها فإنها تذكر بالآخرة ) – رواه أبو داود وأصله في الصحيحين - . ولكن هذا العموم خُصَّ بقول الله تعالى في سورة ( براءة ) المحكمة

? ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقين? / الآية 84 / فدلت الآية بصريح اللفظ على عدم الوقوف عند قبور الكافرين .

وقد يقول قائل : هذه الآية جاءت في حق المنافقين لأن غالب المفسرين نقلوا في أسباب نزولها أنها نزلت عندما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على رأس المنافقين عبدالله بن أُبَيْ بن سلول !!

والجواب : أنها جاءت في سياق الكلام عن الكافرين والمنافقين في مقطع من سورة التوبة يبدأمن قوله تعالى ? يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم? / الآية 73 / إلى الآية / 87 / وهو سياق واحد في الكافرين والمنافقين . كما أن المفسرين قالوا إنه ( قيل) في سبب نزولها كذا ، بصيغة التمريض . هذا أمر .

ثم وعلى فرض أنها نزلت في حق ابن سلول المنافق، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله تعالى قال في مطلع هذا المقطع ? يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين? فشملت الكافر ظاهر الكفر ، والمنافق الذي يبطن الكفر . أما من كان كفره ظاهرا فإن الأمر فيه هين ، وأما من كان كفره باطنا فهذا يحتاج إلى ضابط ظاهر يعلمنا بحاله . ومعلوم أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يعرف المنافقين بأعيانهم وأسمائهم ، ولذلك كان فعله في الصلاة على الجنازة هو الضابط . ثم من بعده كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرّفه أسماء المنافقين ، لذلك كان هو الضابط في زمانه ، ولكن بعد وفاته كان لا بد من ضابط ظاهر يُعَلَّقُ عليه الحكم ، والضابط مذكور في نفس الآية ، بل هو علَّة الحكم وهو قوله تعالى? إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقين? فعلَّة النهي عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم هي أنهم كفروا بالله تعالى فلم يوحدوه ، وكفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتبعوه ، وعليه فكل من مات على هذا الوصف فهذا حكمه .


شبهة وردها

قد يقول قائل : " إن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمِّه وهي كافرة – على رأي بعض العلماء – والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، وقد فهم منه الإمام النووي رحمه الله جواز زيارة المشركين والكافرين أحياءً وأمواتاً ، فقال : " فيه – أي الحديث من الفقه – جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة ، لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى ، وقد قال الله تعالى ?وصاحبهما في الدنيا معروفا? انتهى كلام الإمام النووي رحمه الله ( ينظر كلامه بحرفه في شرحه على صحيح مسلم / كتاب الجنائز / باب : استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربّه عز وجل في زيارة قبر أمه ) .

والجواب عن ذلك أنه لا يمكن الإعتماد على هذا الحديث في الدلالة على جواز زيارة قبور الكافرين لما يأتي :

1- لا يُسلَّم أن والدة النبي صلى الله عليه وسلم كانت كافرة ظاهرة الكفر لأنها من أهل الفترة ، ومعلوم ما في أهل الفترة من اختلاف ، والراجح أنهم من الناجين يوم القيامة ، ولا ينجو من النار كافر . فهذا دليل تطرق إليه الإحتمال فلا يستقيم به الإستدلال .

2- إن هذا الحديث في متنه ما يدل أنه على خلاف الأصل ، ولفظه كما أورده الإمام مسلم رحمه الله :

( استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ) ، ومعلوم ما في زيارة القبور من الإذن ، ولو أن قبور الكافرين داخلة في عموم الإذن في الزيارة لما كان لطلب النبي صلى الله عليه وسلم وجه ولا مُسَوِّغ ، وكونه يستأذن صلى الله عليه وسلم فلأنه علم الحكم في زيارة قبور الكافرين ، وهذا يعني أن هذا الإذن على خلاف الأصل ، فلا يجوز تعميمه وإنما يُقتَصَرُ على مورده ، فينحصر الجواز في زيارة قبور الوالدين الكافرين ، ويبقى بقية الكافرين على أصل المنع .

3 – كلام الإمام النووي رحمه الله فيه اضطراب ، فهو يعلل الحكم بالإحسان إلى الوالدين ، والآية التي استدل بها هذا موردها ? وصاحبهما في الدنيا معروفا? وليس فيها ما يدل على ما استنبطه ، إلا أن يكون في الكلام سقطٌ ، وأن العبارة : " فيه جواز زيارة [ الوالدين ] المشركين في الحياة ، وقبورهم بعد المماة " ، وهكذا يستقيم الحكم مع الدليل عليه .

ويؤيد هذا أن كل الذين تكلموا على هذا الحديث من شراح مسلم لم يذكروا ما جاء عند الإمام النووي ، بل كلامهم في الإحسان إلى الوالدين الكافرين .

( ينظر على سبيل المثال : إكمال المعلم للقاضي عياض 3 / 452 – وفتح الملهم شرح صحيح مسلم للإمام شَبير أحمد العثماني الهندي رحمه الله 3 / 511 . أما أبو العباس القرطبي في كتابه " المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم " ، والإمام المازري في كتابه " المعلم بفوائد مسلم " فلم يبحثا هذا الموضوع البتة ) .

تنبيه :

جرت العادة في أيامنا، عندما يقوم بعض السياسيين بزيارات رسمية لبعض الدول ، أن يزوروا أضرحة المسؤولين الكبار لتلك الدول ، وهو ظاهر في احترام تلك الشخصيات وتعظيمها ، ولا علاقة له بالاعتبار والاتعاظ الذي عللت به زيارة القبور ، فهذا البروتوكول حكمه متعلق بالمقبور ، فإن كان من المسلمين ، ولو كان عاصيا أو فاسقا ، فمن الممكن أن يُتجاوز عن زيارة قبره أما إن كان من أعداء الإسلام والمسلمين الذين يباهون بعدائهم وحربهم لدين الله عز وجل فلا تجوز زيارته لأنها من باب إقراره على ما فعل وتعظيمه على حساب الأحكام الشرعية ? إلا أن تتقوا منهم تقاة? .

وهنا قد يقول قائل : إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على القليب الذي ألقيت فيه جثث الكافرين يوم بدر وخاطبهم ، فهذا يعني أن الوقوف على قبور هؤلاء الكبار ومن على شاكلتهم ليس بمنهي عنه .

والجواب : أن الأمر مختلف ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وقف عليهم وِقفة العزيز المنتصر المقيم الحجة عليهم وقد نصره الله عليهم , لذلك خاطبهم بقوله ( لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا – يعني النصر – فهل وجدتم ما وعدكم ربُكُم حقا – يعني الهزيمة والعذاب بأيدي المؤمنين - ) ، وهذا مختلف تمام الاختلاف عن تلك البروتوكولات المتبعة والتي لا يختلف إثنان أنها من باب تعظيم المزار واحترامه .

وحتى لو أضمر الزائر نيّة مختلفة فقد تنفعه عند الله يوم القيامة ولكن الناس لا يمكنهم أن يبنوا حكمهم على النية وإنما على الفعل الظاهر .والله تعالى أعلم وأحكم .

بقلم: ماجد درويش

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
72 حكم الاحتفال بالمولد النبوي 1218 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
1435 لماذا تاب الله على آدم ولم يتب على إبليس؟ 1881 الخميس 10 شعبان 1439 - 26 أبريل 2018
3189 الفرق بين التوبة والأوبة والإنابة 200 الجمعة 11 رجب 1441 - 6 مارس 2020
24 حكمة تحريم لحم الخنزير 1699 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880