الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 - 13 نوفمبر 2019

فتوى حول منح الأمان لبعض المقاتلين

رقم الفتوى : 533 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 835

نص الاستشارة أو الفتوى:

استفتيت من بعض من في الثغور في القصير تحديداً، أنهم أعطوا أماناً لأحد الأعداء ممن قَدِم من خلف الحدود إن هو ألقى سلاحه ألا ينال بسوء، فسلّم نفسه قبل القدرة عليه، ثم تبيّن بعد ذلك أنه قتل واغتصب، أرجو الجواب إذ تريّثْتُ لمزيد من التثبت، وفقكم الله لما فيه رضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نص الجواب:

فإنّا نحمد الله أن وفق السائلين إلى التثبّت في أحكامهم وبخاصة فيما يتعلق بالدماء، فهذا يعطي الناس اطمئنانا أن الأحكام الصادرة قامت على الأدلة والتثبت في التحقيق، ولم تصدر عن روح الانتقام المنفلت من الضوابط الشرعية، وفي ذلك تشجيع لعساكر النظام على الاستسلام بعد إعطائهم الأمان مما يحقن الدماء ويخفف عن الثوار ويحقق لهم الانتصارات. 

     وإن هذا الذي  أعطاه  الثوار الأمان فألقى سلاحه وسلّم نفسه قبل القدرة عليه، يجب الوفاء بعهده، ولا يُمَسّ بسوء وإن كان قد فعل مافعل، عملاً بقوله تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } [ المائدة : 1 ]، قال ابن عباس يعني: العهود، يعني: ما أحل الله وما حرّم وما فرض وما حدّ في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدّد في ذلك فقال تعالى:{ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ }[الرعد : 25 ].

     وعملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم  : )) المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم ومتسرعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده )). رواه أبو داوود، قال في [ عون المعبود 7 / 302 ] ( قال في شرح السنة :  أي أن واحداً من المسلمين إذا أمّن كافراً حَرُم على عامّة المسلمين دمُه وإن كان هذا المجير أدناهم مثل أن يكون عبداً أو امرأة أو عسيفاً تابعاً أو نحو ذلك فلا يخفر ذمته، ( ويجير عليهم أقصاهم ) قال الخطابي: معناه أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار إذا عقد للكافر عقداً لم يكن لأحد منهم أن ينقضه وإن كان أقرب دار من المعقود له ).انتهى

     وهذا حكم من أعطاه الثوار الأمان ولا نعلم إن كان قدتاب أم لم يتب، وأما معرفة ذلك فهذه تعلم عن طريق سؤاله وحاله، ونحن نعلم في واقع الحال في سوريا - فرج الله عنها - أن من يطلب الأمان ليسلّم نفسه فإنه يفعل ذلك غالباً عن ندم يشعر به بعدما تبين خطؤه ويريد أن يرجع للصواب، وما التوبة إلا الندم، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( الندم توبة )). رواه أحمد 1/376 وابن ماجة (4252) وصححه ابن حبان (612)، وأنتم تعلمون أن الإعلام الفاجر شحن عقول كثير من الجنود لديه بالخوف من الثوار بأنهم سيقتلونكم ويذبحونكم إن قبضوا عليكم، ومن هنا يَطلُب الذي يريد الانشقاق والاستسلام الأمانَ بعدما تبين له الحق، ولذلك فإن الأمان لازم له، ويترك لربه، فإن كان كاذباً أهلكته ذنوبه، وقد ذكر البغوي في [ تفسيره ]: ( أنه روي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان خرج محارباً فسفك الدماء وأخذ المال، ثم جاء تائباً قبل أن يٌقدَرَ عليه فلم يجعل علي رضي الله عنه عليه تبعة في دم ولا مال، إلا أن يوجد معه مال فيُرَدُّ إلى صاحبه).  
  
  وروى ابن جرِير عن عَامِر الشَّعْبِيّ قال : ( جاء رجل من مراد إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمرة عثمان، بعد ما صلى المكتوبة فقال : يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، كنت حاربت الله ورسوله، وسعيت في الأرض، وإني تبت من قبل أن تقدر علَيّ! فقام أبو موسى فقال : هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، وإنه تاب قبل أن يُقدَرَ عليه، فمن لقيه فلا يَعرِض له إلا بخير، فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله جل وعزّ بذنوبه فقتله ).  
    وذكر ابن قدامة في [ الشرح الكبير ] هذه المسألة فقال: ( ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود الله تعالى من الصلب والقطع والنفي وانحتام القتل، وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال إلا أن يعفى له عنها لا نعلم في هذا خلافاً ). وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور، والأصل في هذا قول الله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [ المائدة : 34 - 35 ].

      فأما إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شئ من الحدود للآية، فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين بعد القدرة فمن عداهم يبقى على قضية العموم، لأنه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص، وبعدها الظاهر أنها تقية من إقامة الحد عليه، ولأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيباً في توبته والرجوع عن محاربته وافساده فناسب ذلك الإسقاط عنه، وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة) انتهى.الشرح الكبير لابن قدامة [ 10/ 313].
 
   وأما إن اعتبرناه من أهل الحرابة  وقد تاب  من حرابته قبل القدرة عليه وأُعطِيَ الأمانَ السابق، فمن باب أولى كذلك أنه لا يمس بسوء وتسقط عنه عقوبة الحرابة بتفاصيلها، عملاً بقوله تعالى : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ المائدة : 34 - 35 ].

 
   قال ابن كثير: ( أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك، فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرِّجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة ).
 
 
 
تنبيه:

اشترط بعض الفقهاء في صحة عقد الأمان أن يكون لمصلحة المسلمين واشترط بعضهم على الأقل أن لا يكون فيه ضرر على المسلمين، والذي نفهمه من إعطاء الأمان للمقاتل أن يكون في الحالة العامة المعروفة في القتال وهي قيام حرب بين فريقين فيُعطي أحدهما أو بعضُ من في الصف الأمانَ لبعض مَن في الفريق المقابل، وهذا يعني أن أي حالة فيها زيادة على المفهوم العام فلا بد من أن يكون لها حكمها الخاص، ومن ذلك حالة إعطاء الأمان للذي ارتكب جرائم كمن ارتكب جريمة الاغتصاب مثلا أو القتل في غير اشتباك القتال، وعليه: فإن الوضع في سوريا يقتضي من قادة الكتائب وكافة العناصر ألا يعطوا الأمان لعناصر الأمن والشبيحة والقناصة إلا في حالات خاصة واستثنائية، يتحقق من خلالها انكفاف شرِّ هؤلاء المجرمين عن الناس؛ لأن مقتضى الأمان تركهم ليذهبوا في حال سبيلهم، وفي هذا فساد وضرر عظيم على الناس، لاحتمال عودتهم الإفساد في الأرض بقتل المتظاهرين وقنصهم ونحوه.

     والأَوْلى عند الحاجة لإعطاء الأمان: أن يكون أماناً مشروطاً، كأن يقال لهم: نعطيكم الأمان بشرط تسليم أنفسكم، أو بشرط قبولكم لمحاكمة عادلة، أو انشقاقكم عن الجيش والتحاقكم بركب الثورة، ونحو ذلك، وفي حال إعطاء الأمان لهم مع وجود ضرر من وراء هذا الأمان، فإن الأمان يكون باطلاً غير لازم .

     ولكن لا يجوز استئناف قتال من أعطي له هذا الأمان الباطل إلا بعد إعلامهم بذلك؛ لوجود شبهة الأمان، ونفياً للغدر والخيانة، كما قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء } [الأنفال: 58] أي: أعلمهم بنقض أمانهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم بالنقض، وقال ابن تيمية في "الصارم المسلول": "ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم ".

                                                           والله تعالى أعلم

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
83 حكم استخدام الضرب كوسيلة في العليم 1045 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
542 حكم ترك العمل في بعض كتائب المجاهدين لضعف التزام أفرادها والانتقال إلى كتيبة ملتزمة ؟ 1371 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
602 الجهاد لطالب علم خارج سوريا 687 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
877 التكييف الفقهي للمعركة القائمة مع النظام 855 الخميس 25 محرم 659528 - 1 يونيو 640524