الجمعة 24 ربيع الأول 1441 - 22 نوفمبر 2019

هل ينتفع الكافر بعمل الخير في الآخرة؟

رقم الفتوى : 47 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1792

نص الاستشارة أو الفتوى:

هل يخفف العذاب عن الكافر في الآخرة لما قدم من عمل فيه خير ونفع للإنسانية ؟

نص الجواب:

هل ينتفع الكافر بعمل الخير في الآخرة؟

قسم العلماء أعمال الخير إلى قسمين:

الأول: تشترط له النية.

الثاني: لا تشترط له النية.

فما تشترط له النية لا يصح من الكافر ولا ينتفع به مطلقا لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وأما ما لا يحتاج إلى النية فينتفع به في الدنيا على الصحيح عند أكثر العلماء.

وأما في الآخرة فلا ينتفع به بمعنى أنه لا يخلصه من النار بالإجماع.

واختلفوا في تخفيف العذاب عنه بهذه الأعمال على قولين:

الأول: لا ينتفع به وعليه الأكثر بل حكاه بعضهم إجماعا .

الثاني: يمكن أن ينفعه الله به تفضلا وإلى هذا ذهب الحافظ البيهقي ومال إليه ابن حجر في الفتح في آخرين.

وهذه طائفة من كلام العلماء وأدلتهم لهذا الإجمال:

قال بدر الدين الزركشي رحمه الله في البحر المحيط

( 2 / 148 ) ما يقع من الكفار من القرب التي لا تحتاج إلى النية فإنها تصح كالصدقة والضيافة والعتق, ولا يثاب على شيء في الآخرة إن مات كافرا وتوسع دنياه.

وإن أسلم قال النووي رحمه الله: الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنه يثاب عليها أي بدليل قوله صلى الله عليه وسلم { أسلمت على ما أسلفت من خير } قال: وأما ما يحتاج إلى النية فلا تصح منه لعدم أهليته ا هـ .

قال النووي رحمه الله في شرح مسلم وَفِي رِوَايَة : (إِنَّ الْكَافِر إِذَا عَمِلَ حَسَنَة أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَة مِنْ الدُّنْيَا , وَأَمَّا الْمُؤْمِن فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَدَّخِر لَهُ حَسَنَاته فِي الْآخِرَة)

وقال:(أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْكَافِر الَّذِي مَاتَ عَلَى كُفْره لَا ثَوَاب لَهُ فِي الْآخِرَة , وَلَا يُجَازَى فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ عَمَله فِي الدُّنْيَا , مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّه تَعَالَى , وَصَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّهُ يُطْعَم فِي الدُّنْيَا بِمَا عَمِلَهُ مِنْ الْحَسَنَات , أَيْ : بِمَا فَعَلَهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِمَّا لَا يَفْتَقِر صِحَّته إِلَى النِّيَّة , كَصِلَةِ الرَّحِم وَالصَّدَقَة وَالْعِتْق وَالضِّيَافَة وَتَسْهِيل الْخَيْرَات وَنَحْوهَا , وَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيُدَّخَر لَهُ حَسَنَاته وَثَوَاب أَعْمَاله إِلَى الْآخِرَة , وَيُجْزَى بِهَا مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الدُّنْيَا , وَلَا مَانِع مِنْ جَزَائِهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْع بِهِ فَيَجِب اِعْتِقَاده .

وقال رحمه الله ( وَأَمَّا إِذَا فَعَلَ الْكَافِر مِثْل هَذِهِ الْحَسَنَات ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُثَاب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة عَلَى الْمَذْهَب الصَّحِيح ) اهـ

وفي صحيح البخاري قال عروة وثويبة مولاة لأبي لهب كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة قال له ماذا لقيت قال أبو لهب لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة )

قال الحافظ في فتح الباري ( وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْكَافِر قَدْ يَنْفَعهُ الْعَمَل الصَّالِح فِي الْآخِرَة ; لَكِنَّهُ مُخَالِف لِظَاهِرِ الْقُرْآن , قَالَ اللَّه تَعَالَ ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَنْثُورًا ) اهـ

أَوَّلًا : بِأَنَّ الْخَبَر مُرْسَل أَرْسَلَهُ عُرْوَة وَلَمْ يَذْكُر مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون مَوْصُولًا فَالَّذِي فِي الْخَبَر رُؤْيَا مَنَام فَلَا حُجَّة فِيهِ , وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ أَسْلَمَ بَعْد فَلَا يُحْتَجّ بِهِ.

وَثَانِيًا عَلَى تَقْدِير الْقَبُول فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَا يَتَعَلَّق بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا مِنْ ذَلِكَ , بِدَلِيلِ قِصَّة أَبِي طَالِب كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُ فَنُقِلَ مِنْ الْغَمَرَات إِلَى الضَّحْضَاح .

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَا وَرَدَ مِنْ بُطْلَان الْخَيْر لِلْكُفَّارِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَكُون لَهُمْ التَّخَلُّص مِنْ النَّار وَلَا دُخُول الْجَنَّة , وَيَجُوز أَنْ يُخَفِّف عَنْهُمْ مِنْ الْعَذَاب الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلَى مَا اِرْتَكَبُوهُ مِنْ الْجَرَائِم سِوَى الْكُفْر بِمَا عَمِلُوهُ مِنْ الْخَيْرَات.

وَأَمَّا عِيَاض فَقَالَ: اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْكُفَّار لَا تَنْفَعهُمْ أَعْمَالهمْ وَلَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا بِنَعِيمٍ وَلَا تَخْفِيف عَذَاب ; وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ أَشَدّ عَذَابًا مِنْ بَعْض .

قُلْت – القائل ابن حجر - : وَهَذَا لَا يَرُدّ الِاحْتِمَال الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ , فَإِنَّ جَمِيع مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِذَنْبِ الْكُفْر , وَأَمَّا ذَنْب غَيْر الْكُفْر فَمَا الْمَانِع مِنْ تَخْفِيفه؟

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا التَّخْفِيف خَاصّ بِهَذَا وَبِمَنْ وَرَدَ النَّصّ فِيهِ .

وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة: هُنَا قَضِيَّتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: مُحَال وَهِيَ اِعْتِبَار طَاعَة الْكَافِر مَعَ كُفْره , لِأَنَّ شَرْط الطَّاعَة أَنْ تَقَع بِقَصْدٍ صَحِيح , وَهَذَا مَفْقُود مِنْ الْكَافِر .

الثَّانِيَة: إِثَابَة الْكَافِر عَلَى بَعْض الْأَعْمَال تَفَضُّلًا مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَهَذَا لَا يُحِيلهُ الْعَقْل , فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِتْق أَبِي لَهَب لِثُوَيْبَة قُرْبَة مُعْتَبَرَة , وَيَجُوز أَنْ يَتَفَضَّل اللَّه عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ كَمَا تَفَضَّلَ عَلَى أَبِي طَالِب , وَالْمُتَّبَع فِي ذَلِكَ التَّوْقِيف نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.

قُلْت – القائل ابن حجر- : وَتَتِمَّة هَذَا أَنْ يَقَع التَّفَضُّل الْمَذْكُور إِكْرَامًا لِمَنْ وَقَعَ مِنْ الْكَافِر الْبِرّ لَهُ وَنَحْو ذَلِكَ) اهـ

وفي تحفة الحبيب للبجيرمي رحمه الله (1 / 409 ) قال المناوي على الخصائص : وهل يثاب الكافر على الحسنات التي قبل الإسلام ؟ قال النووي : والذي عليه المحققون بل حكي عليه الإجماع أنه إذا فعل قربة كصدقة وصلة ثم أسلم أثيب عليها. وقال ابن حجر : يحتمل أن القبول معلق على إسلامه فإن أسلم أثيب وإلا فلا. اهـ.

وسئل الشيخ محمد الرملي : هل يثاب الكافر على القرب التي لا تحتاج إلى نية كالصدقة والهدية والهبة ؟

فأجاب: نعم يخفف الله عنه العذاب في الآخرة أي عذاب غير الكفر كما خفف عن أبي لهب في كل يوم اثنين بسبب سروره بولادة النبي صلى الله عليه وسلم , وإعتاقه ثويبة حين بشرته بولادته عليه الصلاة والسلام).اهـ

وعليه فلو تتبع الكافر ما لا تشترط له النية من الأعمال وعمل به فإنه ينتفع به في الدنيا وقد ينفعه بتخفيف العذاب في الآخرة.

من موقع منارة الشريعة

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
24 حكمة تحريم لحم الخنزير 1261 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
518 حكم أناس عاديين لم يقفوا إلى جانب الثورة ! 1153 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
112 رواية الأحاديث الموضوعة في الخطب والدروس 928 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
196 الخلوة بالمرأة المُسِنّة 1158 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880