السبت 22 ربيع الثاني 1443 - 27 نوفمبر 2021

العبادة فی الإسلام لا يجوز أن تصحبها الموسیقی

رقم الفتوى : 396 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1512

نص الاستشارة أو الفتوى:

نقل إلی أستاذ فی جامعة دمشق سؤالاً من أحد الموسیقیین الأجانب الذین اعتنقوا الإسلام حدیثاً: «إنه لمزید إعجابه بتلاوة القرآن العظیم وتأثره بترتیله یرید أن یصوغ‌ بعض سور القرآن فی مقطوعات من الموسیقی‌ المجردة الصامتة علی طریقة السمفونیات، بحیث تكون القطعة الموسیقیة الواحدة معبِّرة بألحانها عن السورة الفلانیة وتخلدها فی لحن فني«وذلك لأن الرجل من‌ الموسیقیِّین البارعین، فیرید أن یخدم القرآن‌ من ناحیة اختصاصه الفني، فهل هذا العمل‌ مستحسن من الناحیة الإسلامیة؟».

نص الجواب:

مصطفى أحمد الزرقا

نقل إليّ أستاذ فی جامعة دمشق سؤالاً من أحد الموسيقيين الأجانب الذین اعتنقوا الإسلام حدیثاً: «إنه لمزید إعجابه بتلاوة القرآن العظیم ،وتأثره بترتیله وتجويده، يريد أن يصوغ‌ بعض سور القرآن فی مقطوعات من الموسیقی‌ المجرَّدة الصامتة علی طریقة السمفونیات، بحیث تكون القطعة الموسیقیة الواحدة معبِّرة بألحانها عن السورة الفلانیة ،وتخلدها فی لحن فني،وذلك لأن الرجل  هو من‌ الموسیقیِّین البارعین، فیرید أن یخدم القرآن‌ من ناحیة اختصاصه الفني، فهل هذا العمل‌ مستحسن من الناحیة الإسلامیة؟».
وقد أجبته بأن هذا العمل لا یجوز شرعاً؛ فالقرآن خالد بإعجازه القائم علی بلاغته‌ وصیاغته وحقائقه العلیا وحكمته وإحكامه. ولیس خلوده قائما علی الألحان والأنغام.
قال الأستاذ: وما حكمة هذا الحظر؟ وبماذا نقنع مثل هذا الرجل الأجنبي  بأن الموسیقی‌ لا یجوز أن تدخل فی العبادة الإسلامیة؟ فإن الأجنبي لا نستطيع إقناعه إلا بشيء معقول ، فقد یقول لنا: ألیس القرآن یرتل ترتیلاً فی الصلاة، وهذا الترتیل فیه من الموسیقی‌ ما یزید القرآن روعة وتأثیراً. فإذا دعنا موسیقی التلاوة بموسیقی خارجیة تصاحبها وتقويها لا نكون قد أدخلنا شیئاً غریباً لیس له أصل فی نظام عبادتنا. فما هي حجتنا المقنعة فی الموضوع؟
قلت لصاحبی:إن الحجة نجدها فی الرجوع‌ والنظر إلی نظام العبادة فی الإسلام.
فنظام العبادة فی الإسلام قد بَنی علی‌ أساسیین: الأساس الأول یتعلق بغایة العبادة، والثانی بطبیعتها:
(1) فأما الأساس الأول: فإننا نجد أن الإسلام قد بنی عباداته علی أساس یكفل‌ قیادة المكلف إلی غایة روحیة یتحقق له فیها إصلاح نفسه ؛لتكون عنصرا طیبا نافعا فی‌ هذا المجتمع البشری ، ینفح بالخیر والنصح، ويتوقی الشر والضر؛وذلك عن طریق محاسبة النفس ومراقبة الله تعالى والیوم الآخر.
ولذلك جعل الإسلام بعض عباداته یجب‌ مرة فی العمر كالحج؛ وبعضها مرة فی السنة كالصیام والزكاة، وبعضها یتكرر كل یوم عدة مرات كالصلاة. والأصل فی العبادة التكرر؛ لأن الغایة منها التذكر للواجبات بمراقبة النفس والتوجه إلی الله تعالی ؛ كي یسمو الإنسان سمواً روحیاً یتغلب فیه جانب الخیر علی جانب الشر.
ولذا كان فی الإسلام عبادات ذات غایة سیاسیة واجتماعیة كالحج والزكاة،لأن غایة العبادة تمحیص المكلف لخیر نفسه وخیر المجتمع عن طریق التصفیة الروحیة ،ومحاسبة النفس، ومراقبة الله سبحانه ،والتحذیر من المصیر الأخیر.
 وبحسب المشقة الطبیعیة فی العبادة یكون‌ التكرر فیهما: فالحج مرة فی العمر لما فیه من سفر ونفقة ووقت.
والزكاة سنویة لتعلقها بنماء المال،وهذا النماء دورته الطبیعیة سنویة.
وصیام الشهر دورة سنویة أیضا لأنه لو كان مستمراً لأصبح طبیعة عادیة، فیزول‌ الإحساس به ولا تتحقق وظیفته الروحیة والصحیة والاجتماعیة.
أما الصلاة فهي الأخف عبئاً من حیث المشقة، وهي الأكثر ذكراً ومناجاة لله تعالی وتوجهاً إلیه، ولذا كانت متكررة فی الیوم الواحد مرات.
وقد جعلت لهذا العبادات مراحل أساسیة هي الفرائض فی دوراتها العمریة أو السنویة أو الیومیة، وترك ما یزید عنها للتطوع‌ الاختياري بصورة یحفظ فیها حق النفس فی الحیاة ودواعیها ولوازمها كما یحفظ حق الله سبحانه، وحق‌الأسرة، وحق المجتمع، دون أن یطغی فیها جانب علی جانب. فإن جار المكلف علی‌ أحد هذه الجوانب لأجل الآخر أصبحت‌ عبادته معصیة، كما لو أهمل نفسه فی سبیل‌ العبادة. أو أهمل زوجه أو ولده، وفقاً لقول الرسول علیه السلام لمن انقطع للعبادة: «إن لنفسك علیك حقا،ولزوجك علیك حقا،ولربك علیك حقا،فأعط كل ذی حق حقه»[ رواه البخاري ]
 وبما أن دواعی الأهواء والشهوات‌ والأطماع والمغریات وسائر أسباب الغفلة عن الله كثیرة متكررة فإن الصلوات الخمس‌ إذا أدِّیت بخشوع وتدبر كفیلة بأن ترد الإنسان إلی الجادة، وتذكره أو تنبهه كلما حدثت له غفلة، لیبقی دائماً مع الله تعالی.
 وفی الوقت نفسه وسع الإسلام مفهوم‌ العبادة فجعل الاستمتاع واستیفاء الحظوظ من مطعم ومشرب وزواج وراحة ونزهة وغیر ذلك من المتع الحلال كلها تصبح‌ عبادات إذا استوفاها الإنسان بنیَّة الطاعة، أي علی أساس أن الله تعالى أباحها وأنها وسیلة لتقویة نفسه علی القیام بالواجبات.
وبذلك تكون جمیع المتع اللذیذة المباحة هي من المؤمن المتذكِّر عملاً إنسانیاً ملحقاً بالعبادات، وتكون من غیر المؤمن عملا حیوانیاً،كما یقول الله تعالی:  «والذین كفرا یتمتعون ویأكلون كما تأكل الانعام»[ محمد: 12] وذلك‌ بحسب الفكرة النبیلة أو الوضیعة التی‌ تصاحب الاستمتاع.
فالمهم أن یكون المؤمن دائما مع الله غیر غافل عنه.
(ب) وأما الأساس الثانی المتعلق بطبیعة العبادة فإن الإسلام أراد أن یجعل العبادة عملاً عقلیاً وتفكیراً بعدما أصبحت فی كثیر من المذاهب الوثنیة وغیرها مراسم شكلیة أو أنغاما موسیقیة.
فقد انتشرت قبل الإسلام وبعده إلی الیوم‌ طرائق التعبد بالموسیقی، فاختلطت الأحاسیس‌ والمشاعر الفنیة الجمیلة وما ینشأ عنها من نشوة وطرب، وامتزجت بالعبادة ومناجاة الله، بینما أن الاحاسیس الفنیة والعبادة هما أمران‌متباینان.
فإذا أصبحت العبادة موسیقی وأنغاماً حق‌ للفاسق فی الملاهي أن یعد نفسه متعبدا بالنشوة والإحساس الفنی من الموسیقی التی‌ یسمعها فی الملهى كمن یسمعها فی المعبد.
وهكذا ربأ الإسلام بالعبادة عن مستوی‌ المراسم العمیاء والطقوس الشكلیة المحضة التی‌ یقصد بها السیطرة علی أوهام الناس دون‌ معنی عقلي، كما ربأ بالعبادة عن النشوة والطرب‌ الناشئین من العمل الفني كالموسیقی، وهذا سموٌّ بالعبادة إلی مستوی رفیع یلیق بالإنسان العاقل‌ المتمیز بعقله وتفكیره عن سائر المخلوقات.
ولذا نجد العبادات في الإسلام تشتمل كلها علی عنصري التفكیر والعزیمة الانشائیة.
فالتفكیر والعزیمة هما من أركان العبادة فی الإسلام، كما یتضح من الملاحظات التالیة:
 أولاً:أن العبادات كلها أعمال إرادیة تنشأ بها العبادة بعزیمة إنشائیة، وتنعقد انعقاداً فی نظر الشرع كما تنعقد العقود، وتشترط لها شرائط،وتخضع للصحة والبطلان‌ كما تخضع العقود.
ثانیاً:أن العبادات فی الإسلام تشترط فیها جمیعها النیَّة.والنیَّة عمل عقلی باطني وعزیمة فكریة.
ثالثاً:أن هذه النیَّة العقلیة هي كل شی‌ء فیما أسمیناه «العبادات الملحقة»، وهي الأفعال‌ الحیویة والمتع المباحة من مأكل ومشرب‌ وزواج ومتنزه ، فتنقلها النیة كما أشرنا من استمتاع حیواني إلی عبادة عقلیة.ولذلك‌ يقول علماء الإسلام: «إن النیَّة هي الممیِّز الفارق بین العادة والعبادة».
وتتجلی هذه الناحیة التفكیریة فی جمیع‌ العبادات الإسلامیة الأربع الأساسية:
فالحج‌ یقوم فیه المسلم بعمل فیه تفكیر روحی‌ واجتماعی وسیاسی.
والزكاة والصیام تتجلی فیهما أجلی صور التفكیر الروحی والاجتماعی.
والصلاة تبرز فها وتتجلی هذه الصورة من العمل العقلی السامی أكثر من سواها.فهي كلها أدعیة،وأذكار،وقرآن‌ومناجاة،وتضرع،وتوجه إلی الله.والأعمال والحركات فیها مناسبة للمعانی‌ التی یرددها المصلی.
وأما الموسیقی التی تتجلی فی ترتیل القرآن‌ فإنها التوقیع الطبیعی الذی یتجلی فی حسن‌ القراءة وجودة النطق الصحیح والأداء المحكم‌ فهي كالجمال الطبیعی والنظافة وحسن التجمل‌ بالحدود الطبیعیة،فكل كلام حسن الأداء توجد فیه موسیقی طبیعیة ذاتیة.وهذا غیر الموسیقی الخارجیة الصناعیة التی هي عمل‌ فني مستقل.
وعلی هذا الأساس لا یقبل الإسلام أن‌ تصاغ سور من القرآن قطعاً موسیقیة، كما لا یقبل أن تصحب العبادة موسیقی خارجیة؛ لأن العمل العقلي فی العبادة عندئذ یغیب تحت‌ رداء النشوة الفنیة، فنخرج من حیِّز العبادة والفكر السامي إلی حیز الطرب الذی یكون‌ حظ الحس فیه أكبر من حظ العقل،كما قد یكون حظ غیر المتعبد فیه أوفی من المتعبد، فیضیع معنی العبادة.
ولذا نعی القرآن علی الجاهلیین أن صلاتهم‌ عند البیت لم تكن إلا مكاء وتصدیة، أي مراسم من تصويت وتصفیق.
والخلاصة:أن الإسلام میَّز بین الأحاسیس‌ الفنیة التی هي مشاعر نفسیة غریزیة لا صلة لها بالعقل والتفكیر،وبین العبادة المزكیة للأنفس البشریَّة ویحسب أن تكون تأملاً وتفكیراً.
ولما رقی الإسلام بالعقیدة فجعلها عقلیة محررة من الأوهام والخرافات، رقی أیضاً بالعبادة فجعلها عملاً عقلیاً سامیاً وتأملاً وتفكیراً، وعزیمة ونیة وتعبیراً.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر : مجلة الأزهر ، الجزء الأول من السنة الثانية والثلاثين  محرم 1380 ، كما نشرت في مجلة " حضارة الإسلام " الدمشقية، في العدد الرابع من السنة الأولى 1380، وقد نشر هذه الإجابة الشيخ مجد مكي في " فتاوى الزرقا " التي قام بجمعها وترتيبها وصدرت سنة 1420 

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
226 هل منع مالك الإنابة في الحج ؟ 2468 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
198 ثبوت استحباب الاستعاذة من النار بعد صلاتَيْ الصبح والمغرب 1323 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
21 حكم السؤال في المسجد 2973 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
422 إذا اجتمع في يوم واحد عيد وجمعة هل تسقط الجمعة؟ 1719 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880