الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019

حكم الردة بعد البلوغ لغير المسلم الأصلي

رقم الفتوى : 3 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 2130

نص الاستشارة أو الفتوى:

سئل عمن كان نصرانياً في المملكة الأردنية فأسلم رسمياً فسجل إسلامه وله أولاد صغار سجلوا معه مسلمين تبعاً له ، وفقاً للحكم الشرعي ، ثم لما كبروا وبلغوا ومضت سنوات فتنتهم أمهم وأهلها فأرتدوا وأرادوا أن يسجلوا في السجل المدني نصارى، فهل يقبل ذلك منهم شرعاً ؟

نص الجواب:

جاء في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار ( متناً وشرحاً ) في باب المرتد من كتاب ( الجهاد ) ما يلي : ( من أرتد عرض الحكام عليه الإسلام استحباباً ، لأن الدعوة قد بلغته ، وتكشف شبهته ، ويحبس ثلاثة أيام يعرض عليه الإسلام في كل يوم منها إن استمهل ، أي طلب المهلة ، فإن أسلم فبها ، وإلا قتل ، للحديث النبوي : (( من بدل دينه فاقتلوه )) . وقال ابن عابدين في حاشيته رد المختار على شرح المذكور ، تعليقاً على الاستدلال لقتل المرتد بالحديث النبوي المذكور نقلاً عن الزيلعي : أن هذا الحديث النبوي قد رواه الإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري في صحيحه . أي أنه صحيح الثبوت كما هو معلوم مما يرويه البخاري الذي يعتبر كتابه ( الجامع الصحيح ) أصح كتاب من كتب الحديث ، كنبوي ( ينظر رد المختار ج3ص / 286/ الطبعة الأولى البولاقية ذات القطع الكبير ) . وجاء في الكتاب نفسه ( ص / 300 ) ما يلي : (( ولا يترك المرتد على ردته بإعطاء الجزية ولا بأمان موقت ولا بأمان مؤبد)) ومعنى هذا أنه لا يقر ولا يترك على الردة سواء ألحد إلحاداً أو انتقل إلى دين آخر . وقال أيضاً في المكان نفسه : (( ويزول ملك المرتد عن ماله زوالاً موقفاً : فإن أسلم عاد ملكه ، وأن مات أو قتل على ردته ، أو حكم القاضي بالتحاقه مدار الحرب فإن وارثه المسلم يرث كسب إسلامه )) . أي يرث وارثه المسلم ما كان يملكه المرتد قبل ردته . وإن الحكمة في قتل المرتد عن الإسلام ، وعدم إقراره على ما انتقل إليه من إلحاد، ودين آخر هي قطع طريق التلاعب بالإسلام كتضليل المسلمين ، وتشكيكهم ، ذلك الأسلوب الذي لجأ إليه بعض الكفرة وندد به القرآن العظيم ، حيث تآمر بعضهم على إن يدخلوا في الإسلام ظاهراً ، ثم يخرجوا منه ارتداداً بزعم أنهم دخلوا فيه صادقين مؤمنين بدعوته ، ولكنهم رأوا بعد ذلك أن النبي كذاب ، وأن حقيقة الإسلام هي عكس ما ظنوا ، فلذلك خرجوا منه . وقد كان ذلك فهم أسلوباً خبيثاً ليشككوا البسطاء ويخرجوهم من الإسلام ، وقد ندد القرآن بأسلوبهم هذا وفضحه بقوله تعالى في سورة آل عمران : ? وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ? آل عمران /72 . ومن ثم تطهر حكمة الحكم الإسلامي الذي قرره الرسول ? بقتل المرتد رغم أن الإسلام قد جاء بإقرار ذوي الأديان الأخرى على دياناتهم مهما كانت ، ولو وثنية ، ولو كانوا من رعايا الدولة الإسلامية ، ومنع الإكراه على اعتناق الإسلام منعاً قاطعاً أكده القرآن العظيم الذي هو دستور الإسلام بقوله تعالى في سورة البقرة ( الآية /256) . ? لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?، ولكن إذا كان الإسلام يقرر حرية الأديان ويمنع الإكراه على اعتناق الدين فإن هناك فرقاً واضحاً بين ترك الحرية للإنسان في أن يؤمن بالإسلام أو لا يؤمن ، وبين أن يترك له مفتوحاً طريق التلاعب بالدين ، والدخول فيه ثم الخروج منه . فهو حر أن يعتنق الدين أو لا يعتنق . ولكنه إذا دخل فيه بمحض اختياره لا يتسامح معه الإسلام بعد ذلك في الخروج منه، لأن ذلك يفسح المجال ليصبح ذريعة لتضليل المسلمين . ولذلك سد هذا الطريق سداً للذرائع التي تؤدي إلى المفاسد والمحاذير . ولذلك استثنى فقهاء المذاهب من حكم قتل المرتد عدة حالات منها ، لو أكره أحد على الإسلام إكراهاً ثم أرتد ، فإنه لا يقتل ، لأنه لم يكن حراً مختاراً في إسلامه ( ينظر ابن عابدين في المحل السابق ) . وحكم قتل المرتد على الإسلام محل إجماع بين المذاهب الفقهية( ) . وليس عدم إقرار المرتد على ردته أمراً غريباً عن المعقول فإننا نشهد له أمثالاً في جو بعض المذاهب الاجتماعية السياسية المعاصرة ، بل وفي بعض القوانين الوضعية في عصرنا هذا على نطاق عالمي ، فالجنسية لا تقبل النظم الوضعية أن يتخلى عنها المواطن في الدولة وليس له حرية في تركها والخروج منها ، وإن كانت بعض النظم تسمح للمواطن أن يأخذ جنسية أخرى ، لكنها لا تعفيه من جنسيتها التي نشأ فيها ، بل تطبق أحكامها عليه وتخضعه لإلتزاماتها من الضرائب وخدمة الحكم إذا كان هذه الخدمة فيها إجبارية على المواطنين ، وغير ذلك . والدين الإسلامي هو دين ودولة ذات أحكام تشريعية قضائية كما هو معلوم ، فدين المسلم هو كجنسية في أوضاعنا الزمنية ، فليس غريباً أن لا يقبل من المسلم خروجه عن جنسيته الدينية الإسلامية . وينتج من ذلك أنه لا يجوز في بلد إسلامي تسجيل المرتد في السجل المدني على الدين الذي انتقل إليه . ولا يرد على هذا أن قتل المرتد عن الإسلام لم يعد في الإمكان تطبيقه في النظم القائمة اليوم والتي تحدد قوانينها الجنائية الجرائم التي توجب الإعدام ، ولا تعد بينها الردة عن الإسلام ، ذلك لأننا لا نبحث هنا في قضية إعداد المرتد من حيث تطبيقها في ظل النظام الجنائي الوضعي ، بل من حيث جواز تسجيل المرتد في سجل الأحوال المدنية أنه من أهل الدين الذي انتقل إليه ، أو عدم جواز ذلك ففي دولة دينها الإسلام بنص دستورها لا يمكن أن يقبل بحال ما تسجيل مرتد عن الإسلام في الديانة التي يريدها بينام هو في حكم الإسلام يجب قتله حداً ولا يقر على الردة . ذلك لأنه لو جاز تسجيله كذلك لكان معناه اقراره على الردة وهذا تناقض مع ما هو مجمع عليه في المذاهب الإسلامية من عدم إقراره على الردة ولو قلنا بأن النظام الجنائي في عصرنا يمنع قتله ، فعدم قتله شيء وتسجيله غير مسلم في السجل المدني شيء آخر . وقد استثنى الفقهاء من القتل من كان إسلامه تبعاً كالصغير الذي إعتبر مسلماً لأن أحد أبويه مسلم . فقالوا إذا بلغ هذا ورفض الإسلام لا يقتل لأنه إسلامه كان تبعاً ( ينظر رد المختار في المكان السابق ) ولكنهم قيدوا هذا بما إذا رفض الإسلام من فور بلوغه ولم تسبق مدة بعد البلوغ أقر فيها بالإسلام . فإذا سبق منه بعد بلوغه ما يدل على إقراره بالإسلام أي قبوله إياه ، فإنه عندئذ يقتل إذا أرتد لأن إسلامه حينئذ أصبح أصلياً لا تبعياً . على أنه حتى في حالة كون إسلامه تبعياً ، وقد ارتد فور بلوغه دون سبق إقرار منه بالإسلام بعد بلوغه ، فإنه إنما يستثنى من حكم القتل فقط ، ولكن لا يقبل اعتباره من أهل الديانة التي يريد أن ينتقل إليها ولا يمكن تسجيله في السجل المدني غير مسلم، وإن لم يطبق عليه حد الردة . قال في المحتار في الباب المذكور ( ص / 298 ) عند قول المتن / نقلاً عن البحر والبدائع في جملة من يستثنى من القتل : ومن كان إسلامه تبعاً " ما خلاصته : " صبي أبواه مسلمان حتى حكم بإسلامه تبعاً لأبويه ، فبلغ كافراً ولم يسمع منه إقرار بالإسلام بعد بلوغه لا يقتل ، لأن الردة اسم للتكذيب بعد سابقة التصديق ، ولم يوجد منه بعد ا لبلوغ ، حتى أنه لو أقر بالإسلام ثم أرتد يقتل . ولكنه في الحالة الأولى ( أي إذا بلغ مرتداً ولم يقر بالإسلام بعد بلوغه ) يحبس ، لأنه كان له حكم الإسلام قبل البلوغ تبعاً ، والحكم في إكسابه – أي أمواله – كالحكم في إكساب المرتد ، لأنه مرتد حكماً " . ومن ذلك يتضح أن المرتد حتى في حالة كون إسلامه تبعياً وكونه لا يقتل ، إنما يعامل كالمرتد فيما سوى القتل ، ولا يمكن في هذه الحال قبول تسجيله غير مسلم في سجل مدني في دولة ينص دستورها على أن دينها الإسلام " والله سبحانه وتعالى أعلم. مصطفى أحمد الزرقاء

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
605 شاب يرغب بالجهاد في سبيل الله بسورية وأمه تمنعه 755 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
86 أرض فلسطين بين الهجرة والرباط رؤية شرعية 1037 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
515 بشأن التواصل مع معلمتي 831 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
609 حكم استيفاء الحقوق من الأعداء بعد إعطائهم الأمان 824 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880