الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441 - 11 أغسطس 2020

ما هو دليل نجاسة الخمر من السنة المطهرة

رقم الفتوى : 28 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 4095

نص الاستشارة أو الفتوى:

دليل نجاسة الخمر

نص الجواب:

دليل نجاسة الخمر من السنة المطهرة

للأستاذ: عبد الفتاح أبو غدة

اتفق جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة على الحكم بنجاسة الخمر، وقد استدلوا لنجاستها في كتب التفسير والفقه بقوله تعالى:{ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}.

ولما كان القرآن الكريم حمَّال وجوه من المعاني، لم تكن الآية قاطعة الدلالة على النجاسة، ولذا رأيت التماس دليل نجاستها من السنة المطهرة، فإنها شارحة للقرآن ومبيِّنة لوجوهه ومعانيه، فبحثتُ عنه طويلاً، وسألت عنه كثيراً كبار العلماء فلم أصل إليه، ثم منحني الله الوقوف عليه، فرأيت الآن نشره، لما قد جرى في بعض المجلات العلمية من تساؤل عنه وإنكار لوجوده.

فأقول: جاء في الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه، ورواه عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم ما يدل على نجاسة الخمر.

فروى البخاري في مواضع من "صحيحه" والألفاظ شبه واحده، فأدخلت من بعضها في بعض،في كتاب الصيد والذبائح في باب صيد القوس(9/523) و باب ما جاء في التصيد(9/528) وباب آنية المجوس والميتة(9/537) قال أبو ثعلبة:" أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد. أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟

قال:" أما ما ذكرت من أنك بأرض أهل كتاب فلا تأكلوا في آنيتهم، إلا أن لا تجدوا بداً فاغسلوها وكلوا فيها، وأما ما ذكرت من أنك بأرض صيد فما صدت بقوسك فذكرت الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت الله فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل".

ورواه مسلم في "صحيحه" في كتاب الصيد والذبائح(13/79)، والنسائي في "سننه" في كتاب الصيد والذبائح أيضاً(7/181) مقتصراً فيه على ما يتعلق بالصيد.

ورواه أبو داود في "سننه" في كتاب الأطعمة في باب الأكل في آنية أهل الكتاب(3/363) مقتصراً فيه على ما يتعلق بالخمر، وهذا لفظه: قال: يا رسول الله: إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها ـ أي اغسلوها ـ بالماء وكلوا واشربوا".

ورواه الترمذي في "سننه" أول أبواب الصيد في باب ما جاء ما يؤكل من صيد الكلب ومالا يؤكل(6/25) وفيه:"إنا أهل سفر نمرُّ باليهود والنصارى والمجوس فلا نجد غير آنيتهم؟ قال: فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء، ثم كلوا فيها واشربوا". قال أبو عيسى ـ أي الترمذي ـ : هذا حديث حسن صحيح.

ورواه أيضاً في أبواب السير، في باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين(7/50) قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب، نأكل في آنيتهم؟ قال:" إن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها".

ورواه أيضاً في أبواب الأطعمة في باب ما جاء في الأكل في آنية الكفار(7/297) "قال أبو ثعلبة: يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب، فنطبخ في قدورهم؟ ونشرب في آنيتهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن لم تجدوا غيرها فارحضوها ـ أي اغسلوها ـ بالماء". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

ورواه ابن ماجه في "سننه" في أبواب الجهاد في باب الأكل في قدور المشركين(2/945) قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته فقلت: يا رسول الله: قدور المشركين نطبخ فيها؟ قال: "لا تطبخوا فيها"، قلت: فإن احتجنا إليها فلم نجد منها بدا؟ قال:" فارحضوها رحضاً حسناً، ثم اطبخوا وكلوا".

ورواه أيضاً في أبواب الصيد في باب صيد القوس(2/1071) مقتصراً فيه على ما يتعلق بالصيد.

ورواه الإمام أحمد في "مسنده" في مسند أبي ثعلبة(4/193ـ195) من خمس طرق إلى أبي ثعلبة، بألفاظ متقاربة أتمها قوله(4/194):" قلت: يا نبي الله: إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف أصنع بآنيتهم وقدورهم؟ قال:" إن لم تجدوا غيرها فارحضوها، واطبخوا فيها واشربوا".

ورواه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" في كتاب الطهارة(1/143) قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض أرضنا أهل كتاب، يشربون الخمور، ويأكلون الخنازير، فما ترى في آنيتهم وقدورهم؟ فقال:" دعوها ما وجدتم عنها بداً فإذا لم تجدوا عنها بدا فاغسلوها بالماء، أو قال: انضحوها بالماء، ثم قال: اطبخوا فيها وكلوا".

ثم رواه الحاكم من طريقين آخرين إلى أبي قلابة الراوي عن أبي ثعلبة بنحو هذا اللفظ، وقال عقبهما:" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، لم يخرجاه" وأقره الحافظ الذهبي في "تلخيص المستدرك".

ففي أمره صلى الله عليه وسلم بغسل الأواني التي تشرب فيها الخمر دليل على نجاسة الخمر، لاسيما وقد منعهم من استعمالها إن وجدوا غيرها:" إن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها". وما أذن لهم باستعمالها إلا بشرط غسلها وأن لا يجدوا غيرها:" فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء، ثم كلوا فيها واشربوا".

وقد استدلَّ بهذا الحديث غير واحد من العلماء على نجاسة الخمر، قال الخطابي في "معالم السنن"(4/257) شارحاً حديث أبي داود السابق ذكره:" والأصل في هذا أنه إذا كان معلوماً من حال المشركين أنهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمور، فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف، وأما مياههم وثيابهم فإنها على الطهارة كمياه المسلمين وثيابهم، إلا أن يكونوا من قوم لا يتحاشون النجاسات، أو كان من عادتهم استعمال الأبوال في طهورهم، فإن استعمال ثيابهم غير جائز، إلا أن يعلم أنه لم يصبها شيء من النجاسات، والله أعلم".

واستدل به على نجاسة الخمر أيضاً الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه "الإمام"، كما نقله عنه الحافظ الزيلعي في "نصب الراية"(1/95) والإمام ابن الهمام في "فتح القدير"(1/51).

وأورده الإمام مجد الدين ابن تيمية مستدلا به على نجاستها في "منتقى الأخبار" في كتاب الطهارة في باب تعين الماء لإزالة النجاسة(1/36) بشرح الشوكاني : "نيل الأوطار"، وقال الشوكاني فيه في باب طهارة الماء المتوضأ به(1/19) في سياق الرد على من قال بنجاسة عين الكافر مستدلا بحديث أبي ثعلبة:" والأمر بغسل الآنية في حديث أبي ثعلبة ليس لتلوثها برطوباتهم، بل لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر فيها، يدل على ذلك ما عند أحمد وأبي داود من حديث أبي ثعلبة أيضاً بلفظ : إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟"

وروى الحاكم في "المستدرك" في كتاب الأدب(4/289ـ290)" عن سبيعة الأسلمية قالت: دخل على عائشة نسوة من أهل الشام، فقالت عائشة: ممن أنتن؟ فقلن: من أهل حمص، فقالت: صواحب الحمامات؟ فقلن: نعم، قالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحمام حرام على نساء أمتي. فقالت امرأة منهم: فلي بنات أمشطهن بهذا الشراب، قالت: بأي الشراب؟ فقالت : الخمر. فقالت عائشة رضي الله عنها: أفكنت طيبة النفس أن تمتشطي بدم خنزير؟ قالت: لا، قالت: فإنه مثله". قال الحاكم:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"انتهى، ووافقه الذهبي على صحته في "تلخيص المستدرك" فقال: صحيح.

وجاء في تاريخ الإمام ابن جرير الطبري: "تاريخ الأمم والملوك"(4/204) في حوادث سنة 17 من الهجرة ما صورته:" كتب إليَّ السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، وأبي حارثة، قالا: فما زال خالد ـ يعني ابن الوليد ـ على قنسرين، حتى غزا غزوته التي أصاب فيها، وقسم فيها ما أصاب لنفسه. كتب إليَّ السرى، عن شعيب،عن سيف، عن أبي المجالد، مثله. قالوا: وبلغ عمر أن خالداً دخل الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر، فكتب إليه: بلغني أنك تدلَّكت بخمر، وإن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرَّم مسَّ الخمر إلا أن تغسل، كما حرَّم شربها، فلا تمسّوها أجسادكم فإنها نجس، وإن فعلتم فلا تعودوا، فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر، فكتب إليه عمر: إني أطن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه فانتهى إلى ذلك".

وفتوى الصحابي حجة فيما لم يرد فيه نصٌّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا طابقت فتواه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت معززة لدلالته ومبنية لمعناه ومؤيدة لفهمه.

والفاروق وعائشة رضي الله عنهما من كبار فقهاء الصحابة الذين شاهدوا مواضع التنزيل، وخالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله وسيرته وأمره ونهيه: ما مكَّنهم أن يفهموا كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حقَّ الفهم وقد صرَّحا بأن الخمر نجسة كدم الخنزير، وظاهرها وباطنها حرام.

وصريح فتواهما هذه إلى جانب الحديث الشريف الدال على نجاسة الخمر يكونان بياناً وتفسيراً لمدلول الرجس في قوله تعالى:{ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}. وتكون النجاسة حقيقة في الخمر، ومجازاً فيما ذكر معها من باب عموم المجاز، كنجاسة المشركين المصرَّح بها في قوله تعالى:{ إنما المشركون نجس}، لاشتراك جميع المذكورات في آية الخمر في خبث الأثر، وإضاعة العقل وإهداره وتولية الشيطان وإضلاله، والله أعلم.

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
88 حكم لبس الحذاء في المسجد 3280 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
230 حكم عدم إتمام العمرة بسبب الزحام وهل للاشتراط أثر في الحكم 1256 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
1058 في الإحرام وما ينعقد به 690 الأحد 6 محرم 660178 - 9 يناير 641155
981 حكم نقل الأعضاء 659 السبت 30 ذو القعدة 659863 - 9 أبريل 640850