الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

المظاهرات وتأصيلها الشرعي

رقم الفتوى : 253 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1462

نص الاستشارة أو الفتوى:

ما هي المظاهرات؟ وما موقف الشريعة منها؟ وهل للمظاهرات أصل شرعي وهل كانت في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- وفي عهد الصحابة بعده؟ وما الرد على من أنكرها جملة وتفصيلا؟

نص الجواب:

بقلم أ.د.عبدالرزاق عبدالرحمن السعدي

       المظاهرات: تعني رفع صوت الأمة والأفراد بمطالبها وحقوقها المشروعة أمام الحاكم أو السلطان الذي لا يستجيب للنصح والحكمة والموعظة الحسنة، ولا يخضع للحق ولا يراعي شؤون مواطنيه، وربما ظن أنه من أفضل الناس إدارة لشؤون البلاد والعباد، وليس أمام ذوي الحقوق من بسطاء الناس من حيلة إلا المجاهرة في طلب حقوقهم وإيصال صوتهم لصاحب القرار بطريقة تخرج عن دائرة النصح والمطالبات الخفية لأنها لا تُجدي نفعاً بل ربما لا تصل إلى المسؤول الذي تَحُفُّ به زبانية وحراسة تمنع وصول الأصوات إليه. فما هو الحكم الشرعي في هذه المظاهرات؟
       وللإجابة عن ذلك يؤسفني أن أقول إن كثيراً من أهل العلم تخبطوا في فتاواهم وارتبكوا في تصريحاتهم، إما لحاجة في نفوسهم، وإما لجهل في فقه الحوادث المعاصرة وفقه الواقع المعاصر.
       فمن قائل: إن المظاهرات من أسباب الفتنة، ومن قائل: إن المظاهرات لم تُعْرَف في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عهد الخلفاء الراشدين، ومن قائل: إنها ليست من أعمال المسلمين ولا يقرها الإسلام، ومن قائل: إنها فوضوية ويقوم بها أناس لديهم فساد تصور وقلة إدراك للمصالح من المفاسد، ويُحَرِّمُها ويُحَرِّمُ المشاركة فيها، وما إلى ذلك من حجج يقف أمامها أبسط مثقف حائراً متسائلاً في أي عصر يعيش هؤلاء المفتون؟! وما هو سند فتاواهم؟! وليس من إجابة لفتاواهم إلاَّ القول بأنَّ هؤلاء يعيشون حياة الترف والراحة والمكرمات السخية والمناصب الجلية وليس لهم شغل بمعاناة الآخرين ومآسي العالمين.
وإليكم التأصيل الشرعي لجواز ووجوب المظاهرات وشروطها الشرعية:
       أولاً:- إن المظاهرات كانت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعهد الخلفاء الراشدين وسلف الأمة لصد العدوان وتحقيق الإيمان والإنكار على الظلم والكفر والطغيان، فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد أن أسلم والمسلمون يخفون إسلامهم في دار الأرقم خوفاً من بطش الزمرة الظالمة التي تستولي على مكة، قال: يا رسول الله أَلسنا على حق إن متنا وإن حيينا ؟ قال: {بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم}، قال عمر: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجنَّ، فخرج المسلمون في صفين: صف يتقدمه عمر، وصف يتقدمه الحمزة عم النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى دخلوا المسجد الحرام فنظرت إليهم قريش فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلُها، فسماه رسول الله -صلى عليه وسلم- بالفاروق لأنَّ الله فَرَّقَ به بين الحق والباطل، رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- .
       وإن طاب لبعض الناس تضعيف الحديث فإنه يؤخذ به في فضائل الأعمال لأن صدَّ الظلم والجهرَ بالحق من أفضل الأعمال كما قرر ذلك الثَّبْتُ من العلماء، وقد خرج شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ والعزُّ بن عبد السلام وغيرُهما لمقارعة الظلم والظالمين وذلك ثابت ومشهور لا يخفى على أحد.
       وما اعتراضُ امرأةٍ أمام الجمهور على عمر بن الخطاب حين أراد تحديد مهور النساء إلاَّ تظاهرة نسوية تُطَالِب بحقها المشروع، وما تقدُّمُ المسلمين بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر إلى قافلة قريش التجاريةِ إلاَّ تظاهرةٌ لاسترداد الحق الشرعي المسلوب، والأمثلة على تظاهرات تلك العصور كثيرة، فوا عجبي لمن يقول إنها لم تكن معهودة في تلك العهود!
      ثانياً:- من المُقَرَّر في القواعد الفقهية أن الأصل في الأشياء الإباحة مالم يرد نص في تحريمها، فالمظاهرات في أصلها مباحة لم يرد نص على تحريمها، ثم انتقلت من الإباحة إلى الوجوب على قاعدة [مالا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب] وقاعدةِ [للوسائلِ أحكامُ المقاصد]، فصدُّ العدوان وإيقافُ الظلم عند حده واستردادُ الحقوق إلى أهلها ومنعُ الفساد من الواجبات -ولا تتم إلاَّ بوسائل عديدة منها المظاهرات الحضارية السلمية- لذا فإن المظاهرات بهذا تكون واجبةً يأثمُ القادرُ عليها إن تركها أو تَخَلَّفَ عنها، فإنه ليس للوسائل حدود في الوصول إلى المقاصد المشروعة.
       ثالثاً:- إنَّ المظاهرات تُحَقِّقُ معروفاً وتُنْكِرُ مُنْكَراً وتُذَكِّرُ بالحقوق والواجبات وتؤآزر الأخوةَ في بلدان أخرى لتقوِّيَ عزائمهم، لذا فإنها من الواجبات؛ لأنها تُرسل رسالةً إلى الأعداء بمدى حرص المتظاهرين على حقوقهم ومدى تماسكهم ووحدتهم.
       رابعاً:- إنَّ وسائل تغيير المنكر كثيرة، وقد نص الحديث النبوي على ثلاث منها في قوله عليه الصلاة والسلام: ((من رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))، فالمظاهرات تغييرٌ للمنكرِ باللسان حتى لا يلجأ الفردُ الى أضعف الإيمان وهو الإنكارُ بالقلب فقط.
       خامساً:- إنَّ القول بجواز المظاهرات ووجوبها ينبغي أن يكون محكوماً بضوابط لا يجوز تجاوزها، فلا يجوز الاعتداء على الأموال العامة والخاصة، ولا يجوز إزهاق الأرواح وأذى الآخرين، ولا يجوز الكلام الفاحش البذئ، ولا يجوز الظلم والفساد، ولا استخدام العنف والتجريح، ولا الإطاحة بالمؤسسات الخدمية والعلمية والتراثية، ولا تهديم العمران وتخريب الطرقات.
       فالمظاهرات بهذا الثوب الحضاري تكون شرعيةً ينال فاعلها عند الله تعالى ثواباً، فإن عاش عاش بكرامة النصر وعزّ المؤمنين، وإن مات فهو شهيد الدفاع عن الدين والمال والعرض والنفس والعقل كما أخبر المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
      أما القول بأن التظاهر فيه تقليد للكفار: فهي حجة مردودة، فليس كلُّ ما يفعله الكفار ممنوعاً على المسلمين، وإلا لَحَرُمَ ركوب السيارات والطائرات عند السفر للحج، ولَحَرُمَ التحدث في التلفاز والإذاعة، ولَحَرُمَ مكيف الهواء وثلاجة التبريد وأفران الكهرباء، والحق: أنَّ كلَّ ما يُحَقِّقُ خيراً ويدفع شراً لا مانع منه شرعاً.
       وأما القول بأن المظاهرات خروج على الإمام وواجبُ الفرد أن يتحمل المكروه من إمامه: فهذا صحيح في القضايا الفردية المحدودة، أما إذا عمّ الطغيان والفساد وأُهينت الأمة وتواطأ الحكام مع الأعداء ضدَّ الأمة وتآمر على البلد وحضارته وثرواته، فإنَّ عزله والخروج عليه واجب؛ لأنَّ مصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الفرد الحاكم.
       لذا فإني أناشد الغيارى من الشباب أن لا يتذرعوا بهذه الفتاوى المانعة من التظاهرات، وهم في حقيقة الأمر يركنون إلى الراحة والتخلف عن ركب المجاهدين ولا يتركوا للشيطان فرصة يوسوس إليهم بأن المظاهرات عمل لاينفع وما إلى ذلك من حجج واهية.
       وأما العلماء المانعون: فنحن نحترمهم ولكن نأخذ منهم ونَرُدُّ عليهم؛ لأنهم ليسوا معصومين يُوحى إليهم، وإنما يصدرون في فتاواهم من واقع وظرف يفرض عليهم ما يقولون ولا يستطيعون مخالفتُه، وإلاَّ فبماذا نُفَسِّرُ خروج العز بن عبد السلام وابن تيمية وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم؟!
       وأما سقوط شهداءَ وضحايا: فذلك أمر طبيعي في مثل هذه الأعمال العظيمة، فالمسلمون ما انتصروا في معاركهم ضد أعدائهم ومظاهراتِهم ضد الظالمين إلاَّ بتقديم الضحايا والجراح وسيلان الدماء الطاهرة الزكية وكلها بحسابها وثوابها عند من لا يَضيعُ أجر من أحسن عملا. والله أعلم
أ.د. عبدالرزاق عبدالرحمن السعدي
1/3/2011م

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
659 حكمُ اعتبارِ حقِّ العودةِ علَى المزاجِ كالحقِّ فِي الزَّواجِ 763 السبت 21 ربيع الثاني 659178 - 22 يناير 640185
38 حديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما 2169 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
413 حكم إرسال المال للسوريين بدل الأضاحي 1694 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
1059 فتوى المجلس الإسلامي السوري حول التعامل مع الخوارج الفارين من أرض المعارك 692 الجمعة 19 ربيع الثاني 660180 - 29 مارس 641157