الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019

التفريق بين الزوجين

رقم الفتوى : 25 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 2383

نص الاستشارة أو الفتوى:

حول التفريق بين الزوجين بسبب الأمراض الجنسية

نص الجواب:

هذه فتوى حول التفريق بين الزوجين بسبب الأمراض الجنسية، وُجِّهت إلى العلامة الكبير الشيخ محمد أبي اليسر عابدين، مفتي سورية السابق، وقد أجاب عن هذه المسألة باستيفاء، ونشرت هذه الفتوى في مجلة"التمدن الإسلامي" في العدد الثامن من السنة الرابعة سنة1357هـ، ننشرها في موقعنا لندرتها وفائدتها:

التفريق بين الزوجين

للعلامة المفتي الطبيب: أبي اليسر عابدين

جمعية التمدُّن الإسلامي الغرَّاء.

وردني منكم سؤال: ( بإمضاء السيد حبيب علي الراوي أحد أفاضل العراق). بخصوص التفريق بين الزوجين بسبب الأمراض الزهرية، وذكرتم شروط السلطات المدنية، الفرنسية التي حملت المحاكم الجري بموجبها، وطلبتم مني الجواب عن ذلك طباً وشرعاً والتوسع على ضوء ما جاء في الشريعة الإسلامية السمحاء، وإنني أقول: حبذا لو يعير المسلمون التفاتا لأحكامهم الشخصية لينتقوا من المذاهب الإسلامية ما يوافق روح العصر، على صورة لا تخرج عما دوَّنه علماء الشرع الشريف ليكون موافقاً لأصول الديانة الإسلامية، لا حسب الآراء والأهواء.

إن المذاهب الإسلامية في هذا الأمر مختلفة بين مُشدِّد ومُخفِّف حسبما اتضح لكل إمام من دليله، فما على المسلمين إلا أن يختاروا ما يجدونه الأوفق لمقتضى الحال، لأن الدين واحد، وما الاختلاف إلا توسعة على المسلمين، كي لا يخرجوا عن أقوال دينهم إذا أحوجهم الزمان.

وإن أضيق الأقوال في ذلك ما قاله أبو حنيفه وأبو يوسف رضي الله عنهما أنه لا يتخيَّر أحد الزوجين بعيب الآخر ولو فاحشاً، كجنون وجذام وبرص ورَتَق وقَرَن.[ أما الرَّتَق بالتحريك فهو انسداد مدخل الذكر، والقَرْن: كفلس والفتح أرجح، لحم أو عظم في مدخل الذكر. وكلاهما من أمراض الزوجة].

وهذا قول عطاء والنخعي وعمر بن عبد العزيز وأبي قلابة، وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والخطابي وداود الظاهري وأتباعه، وفي "المبسوط" أنه مذهب علي وابن مسعود رضي الله عنهم.

أما الأئمة الثلاثة فقد خالفوهما وأثبتوا الخيار لكلٍّ من الزوجين بما ذكر، ومحمد خالفهما في الجنون والجذام والبرص فقط، حيث أثبت الخيار للزوجة إذا كان أحد هذه العلل بالزوج، وأما إذا كانت بالزوجة فلا خيار له، كما لو كانت رتقاء أو قرناً لإمكانه التخلص منها بالطلاق.

وإن قرار حقوق العائلة التركي الصادر في 8محرم سنة 1336هـ، والمعمول بأكثر مواده في حكومتنا السورية، أباح للزوجة طلب الفراق إذا اطلعت بعد النكاح على علة من العلل التي لا يمكن المقام معها بلا ضرر، أو إذا حدثت به أخيراً، والحاكم يؤجل التفريق سنة فيما لو كانت العلة قابلة الزوال كالجنون، فإن لم تزل يفرِّق بينهما، يستثنى من ذلك من كانت مصابة بمثل علته المانعة أو التي رضيَتْ بها.

وقد ربط أمر الزواج في البلاد السورية بإذن الحاكم في حين أن الحاكم لا يسمح بالزواج قبل تصديق الطبيب على سلامة الزوجين من كل الأمراض السارية، نعم إن الحنابلة توسَّعوا في الأمر أكثر من غيرهم في الجملة، والمالكية أكثر من الشافعية، والشافعية قصروه على عيوب خاصة.

قال الحنابلة: يروى ثبوت الخيار عن عمر وابنه وابن عباس رضي الله عنهم، ثم قسموا العيوب إلى ثلاثة أقسام: منها ما يختص بالرجل، ومنها ما يختص بالمرأة، ومنها ما يعمُّهما.

فالأول: كما لو وجدت زوجها مجبوباً ـ أي مقطوع الذكر بحيث لم يبق منه ما يطأ به ـ أو وجدت زوجها أبله، فلها الفسخ في الحال كما يثبت لها خيار الفسخ بخصائه ـ وهو قطع الخصيتين وبسلهما ووجائهما. بالكسر والمد المشهور منهما ـ .

ومنها: ما يختصُّ بالنساء، كالرَّتَقَ ـ بفتح الراء والتاء وهو كون الفرج مسدوداً لا مدخل للذكر فيه ـ وكالقرن والعفل ـ وهو لحم يحدث فيه يسده، وقيل: القرن عظم أو غدة تمنع، ولو في الذكر، وقيل: العفل رغوة تمنع لذة الجماع، وقيل: شيء يخرج من الفرج شبيه بالأدرة للرجل، وعلى كل الأقوال يثبت به الخيار.

وكانخراق ما بين السبيلين في المرأة، وكبخر في فرجها، وقروح سيَّالة فيه، وكاستحاضة، فيثبت الخيار له في الجميع.

ومنها: ما هو مشترك بينهما، كالجذام والبرص والجنون ـ ولو أفاق ـ وبخر الفم، واستطلاق بول أو غائط، وكالباسور والناصور في المقعدة، سواء كانا سائلين أو لا، أو كان الناصور نافذاً أو لا، وكوجود أحدهما خُنثى غير مشكل، أما المشكل فلا يصح نكاحه حتى يتبَّين أمره، وكالقَرَع المنتن الريح في الرأس، فلو وجد كل من الزوجين معيباً واختلف عيبهما كما لو كان الرجل أجذم، والمرأة برصاء يثبت الخيار. لا إن اتحد العيب كما لو كانا مجذومين أو برصاوين.

وأثبت المالكية الفسخ لكلٍّ منهما مع اتحاد العيب أيضاً، وكذا لا خيار لو كان السليم عالماً بالعيب قبل العقد أو بعده، لكن رضي به صراحة أو دلالة، كوطئ أو تمكينها مع علمها، فإن رضي بالعيب، ثم حدث عيب آخر، ثبت الخيار بالعيب الحادث، فلو ظنَّ العيب قليلاً، كبرص يسير فظهر كثيراً سقط خياره.

وقال الشيخ في "شرح المحرر": يثبت الخيار بحدوث العيب بعد الدخول أيضاً، لكن تعليلهم لا يدل عليه، ومتى زال العيب فلا فسخ.

وابن القيم أثبت الخيار في كل عيب ينفر منه الآخر، وهو غير معتمد.

وقال أبو البقاء: الشيخوخة في أحدهما عيب. ولا خيار لو كان يطأ ولا ينزل.

وقد أثبت المالكية الخيار بالعذيطة أيضاً، وهي الحَدَث مع الجماع، سواء كان منها أو منه، وقيل: هو الإنزال قبل الجماع، ولا خيار بعور وعرج وعمى وخرس وطرش وقطع يد أو رجل.

واتفقت المذاهب على التفريق بالعنة، وكل الفسوخ عند الحنابلة لا تنقص عدد الطلاق، فتعود له بثلاث إن عادت، ويصح الفسخ بغيبة الزوج، والأولى حضوره، ولا مهر قبل الدخول، ولها المسمَّى بعده، ويرجع به على من غرّه من امرأة عاقلة أو ولي أو وكيل، رواه مالك عن عمر.

وتمام تفاريع هذه المسائل، وطرق ثبوتها وإنكارها وغير ذلك مفصلة في كل مذهب بأتم بيان.

فالمرض الزهري المُسَمَّى بالإفرنجي، ويُسمِّيه الأطباء سيفيليس sphlilbs يسبب أكثر هذه الأمراض المارَّة، وإن مشَّينا فيه قول ابن القيم فلا إشكال بالخيار، وعند المالكية إذا وقع العقد بشرط السلامة، يُردُّ متى وجد عيباً، وإن عرا عن الشرط فلا ردَّ إلا بعيوب خاصَّة، ومهما يكن من الأمر فإني بمقتضى صنعتي الطبية قلما رأيت أحد الزوجين سليماً من مرض سار أصيب به الآخر، لشدة الخلطة والارتباط بينهما بعد الدخول، وغاية الأمر أن يكون المرض الساري كميناً غير ظاهر الأثر، وهذا هو الأكثر المشاهد، ومهما حاول الطبيب إقناع غير الطبيب بوجود هذا المرض الساري بأحد كي يجتنب فلا يصدقونه، لما يبدو من آثار الصحة الظاهرية، في حين أن الأمراض الزهرية لا تنافي تمتُّع الإنسان بصحته الظاهرية مع كمون المرض واستتاره، بل قد يخفي المرض الزهري على الطبيب، بل على التحاليل الدموية أيضاً، حتى إن القاعدة عند الأطباء أن مثبتreaction de wasserman (ره اكسيون دوفاسه رمان) مثبت، و منفيه غير منفي، وعلى كل فيسمح بالزواج لمن كانت نتيجة تحليله منفية، كما يسمح لمن اعتنى بتطبيق سلسلة المداوة الزئبقية، لأنه يصل لدرجة لا يعدي غيره بالاختلاط، وكم رأينا من العوائل ذوي الأخلاق الكريمة والصفات العالية التي لا يتسرَّب سوء الظن لأفرادها مصابين بهذه الأمراض الزهرية الفتاكة، وماهو إلا أن سرى لهم بواسطة أحد شبانهم الذين يخالطون البغايا، فينتقل هذا المرض لزوجته أولاً، ثم لأولاده، ثم لأبويه، ثم للأقرب فيه خلطة، لتوفر شروط العدوى بكثرة الاختلاط، حتى يصبح المرض في العائلة وراثياً، وهذا السبب هو أقوى سبب الانتشار الذي نشاهده اليوم، وإني لأعجب من الالتجاء للتفريق بين الزوجين لمنع العدوى مع الغفلة عن النبع الأصلي لهذه الأمراض، ألا وهو اختلاط الرجال بالنساء، مما يصعب على الشاب مهما سمت أخلاقه أن يلازم معه العفة والاستقامة، بل وعلى الشابات أيضاً بما يرينه في المسارح من الأقاصيص الغرامية المسببة لانتشار البغي والفساد، وحبذا لو ارتدى البشر دين الإسلام شعاراً، لأنه يضع سداً منيعاً بين الرجل والمرأة مهما أمكن، ولكن ما العمل وقد شوهه أهله وأبغضه أربابه، ولا زال أعداء الحجاب يقولون: الوجه ليس بعورة، واليدان ليسا بعورة، وهذا ليس بعورة، وهذا ليس بعورة، حتى كشفوا العورة، ولم يعدوها عورةّ!!. وأي فائدة من محافظة المرآة من زوجها وهي ستعدى حتماً من أخيها أو قريبها إن لم نقل منها أيضاً، وإن أعداء الحجاب ليعرفون هذا الحق كما يعرفون أبناءهم، وإن كثيراً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون، على أن الزهري غير خاص بالإفرنج حتى يسمى بالإفرنجي، ولكن كثرة اختلاط الرجال بالنساء عندهم سبَّب فشوه بكثرة فنسب إليهم في عرفنا.

ويندر أن يسبب الاختلاط البسيط فشوه، كاختلاط الناس بعضهم ببعض، لأنه لا يسري إلا بوجود باب للدخولportdentre، ولا يقاوم جرثومه على الشمس والهواء كثيراً فلذلك لم يكن معروفاً عندنا إلا بندرة ممن كان يرتاد البغي والفساد من الناس، وكان يُفر من المبتلى به كما يفر من المجذوم، أما الآن فكاد يعمُّ الخلق أجمع، فأوْلى الطرق لمنعه هو مقاومة البغي والحجر الصحي الديني بين المرأة والرجل، وملازمتها التستُّر ومجانبتها ملابس العهر والخلاعة، فالدين الإسلامي لا يرضى بهذه المهازل، وكم أدركنا المسيحيات قديماً لا يخرجن إلا بالأزر الأبيض، مما يجعل المرأة في ذهابها وإيابها كنار على علم، ويضع سداً منيعاً لاختلاط الجنسين، فليتق الله البشر في مصيرهم، ومآلهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الطبيب: محمد أبو اليسر عابدين

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
122 حكم العمل في شركة تديرها امرأة؟ 1872 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
791 حكم ا لسِّقْط 1199 الأربعاء 20 ذو الحجة 659213 - 1 سبتمبر 640219
2824 العدل بين الزوجات في ظروف خارجة عن الارادة 53 الجمعة 5 صفر 1441 - 4 أكتوبر 2019
2676 رُبِّيتُ عند عمتي وصار زوجها أبي وأبي خالي 200 الثلاثاء 13 ذو القعدة 1440 - 16 يوليو 2019