السبت 12 صفر 1443 - 18 سبتمبر 2021

البيان لحكم قراءة الحائض للقرآن

رقم الفتوى : 177 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 2310

نص الاستشارة أو الفتوى:

حكم قراءة الحائض للقرآن

نص الجواب:

البيــــان
لحكم قراءة الحائض للقرآن


الحمد لله والصلاة على سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين وتابعيهم إلى يوم الدين- وبعد:
   كثر في الآونة الأخيرة السؤال عن: (حكم قراءة الحائض للقرآن) خصوصا مع الحاجة الماسة لهذا الأمر مع الأنظمة التعليمية المعاصرة في الجامعات والمدارس والمراكز،
وغير ذلك من الصور، فكان لا بد من البيان:
أولاً: الذي يظهر جلياً أن المسألة خلافية، وليست من مسائل الإجماع، وهذه المسألة في صورتها هذه، لها دلالاتها الأصولية والفقهية، ولها نواتجها المعتبرة، والتي منها: (الخلاف يسعنا) (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) (لا إنكار في مختلف فيه بقيد الاجتهاد) (كل قول معتبر لعالم من علماء الأمة من حق أهل العلم اختياره طالما له حظ من النظر) (والعصبية المذهبية المنغلقة مصيبة، فمن حق أي أحد أن يأخذ بمذهبه، ولكن لا يغلق وجوه الخير في المذاهب الأخرى)


ثانياً: مذاهب العلماء في المسألة:


المذهب الأول: لا تقرأ الحائض شيئاً من القرآن، وهو مذهب الحنفية كما في (بدائع الصنائع: 1/44) وغيرها من كتب الحنفية، والشافعية كما في (المجموع 2/387)، والمشهور من مذهب الحنابلة (الإنصاف 1/347)، واستدل هذا الفريق من العلماء بجملة من الأحاديث أشهرها ما جاء في سنن الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن -النبي صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تقرا الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)).
المذهب الثاني: لا تمنع الحائض مطلقاً من قراءة القرآن، وهو قو ل للشافعي قديم (المجموع 2/387)، واختيار ابن حزم (المحلى 1/77) حيث قال: ((قراءة القرآن فعل خير مندوب إليه، ولا يوجد دليل شرعي يمنع الحائض من قراءة القرآن))، وهو مذهب سعيد بن المسيب (المغني 1/106)، وهذا من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، جاء في الاختيارات قول ابن تيمية ص: 34: ((يجوز للحائض قراء القرآن بخلاف الجنب، وهو مذهب مالك، ورواية عن أحمد، وإن خشيت نسيانه وجب))، قال الـبُغا في (التحفة الرضية في فقه السادة المالكية ص: 145) ((وتجوز القراءة من غير مس مطلقاً، ما دام الدم مسترسلاً، فإذا انقطع الدم حرمت القراءة حتى تغتسل، هذا هو المعتمد)).
وقال الدكتور زيدان في (المفصل 1/168): ((وقال المالكية للحائض قراءة القرآن دون الجنب، لأن أيامها في الحيض تطول، فإن منعت من القراءة خشينا عليها نسيان القرآن)).
المذهب الثالث: تقرأ دون الآية، وهو قول لأبي حنيفة (بدائع الصنائع 1/38).


الخلاصة:


1.    مما سبق يتبين لنا أن المسألة خلافية، ويسعنا هذا الخلاف، ولا داعي للشقاق والاختلاف، وتراشق التهم، ويجب علينا الأخذ بأدب الخلاف، وترك التعصب لرأي أو اجتهاد.
2.    من حق أي أخت أن تأخذ بالرأي الأول، وهو مذهب كثير من العلماء.
3.    لا يجوز لمن أخذ بالرأي الأول أن ينكر على من أخذ بالرأي لأنه معتبر في عالم الاجتهاد.
4.    فإن قال قائل وأين نذهب بأدلة الفريق الأول؟ أجاب أهل الرأي الثاني بأن الأدلة ضعيفة ((وإذا صح الحديث فهو مذهبي)) وإذا لم يصح فليس بحجة.
5.    الذي يظهر لي أن تحرير المسألة يكون على النحو الآتي:
‌أ-    الأصل أن لا تقرا الحائض القرآن، على الأقل خروجا من خلاف العلماء.
‌ب-    مراجعة القرآن للحافظات له حل في هذه الأيام وهو سماع القرآن عن طريق أشرطة الكاسيت أو عن طريق الملفات الإلكترونية بواسطة الكومبيوتر، حيث تتوفر تسجيلات كاملة لكتاب الله لمعظم المقرئين وفي مقدمتهم الشيخ/ محمود خليل الحصري والشيخ/ محمد صديق المنشاوي وغيرهما من أصحاب العلم الدقيق، والصوت الندي، يمكن الرجوع إليها، والاستماع لها.
‌ج-     لا مانع من الأخذ بقول ابن حزم وابن تيمية وقول قديم للشافعي وقول لأحمد ومذهب مالك، وسعيد بن المسيب، لقراءة القرآن من أجل التعلم والتعليم (الطالبة والأستاذة)، وذلك إعمالاً لفقه المقاصد والمصالح العامة للأمة، وتفعيلاً لفقه النواتج والمآلات، ذلك لأن إهمال الأمر أو إعماله، يؤدي إلى إهمال العلم بكتاب الله، والحيض يطول بالمرأة، فتخسر الكثير من الخير في حال إعمال قول آخر، ونحن اليوم بحاجة إلى القارئات العالمات الربانيات، اللاتي يحملن كتاب الله تعالى، وبحاجة ماسة إلى إقراء الأجيال لكتاب الله، فالطالبة في كلية أو مدرسة أو مركز، تضيع ربع وقت التعليم بسبب الحيض، وهذا يفوت على المسلمين مصالح عليا (والوقت هو الحياة).
ولو أن طالبة ضربت موعداً مع شيختها، وكلما جاء موعدها أو في أغلب حالاتها كانت حائضاً فهذا يفوت عليها الكثير من الخير، وقيمة الوقت ثمين عند الصالحين، ولاحظوا معي قول ابن تيمية رحمه الله: (وإن خشيت نسيانه وجب) أي أن الحائض إذا أدى تركها لكتاب الله بسبب الحيض إلى نسيانه وجب عليها أن تقرأ القرآن ولو في حال الحيض حتى تبقى محافظة على حفظها لكتاب الله، (ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
ونحن نريد من أجيالنا حفظ كتاب الله، وتعلم تلاوته وفقهه وتفسيره.
وإن كثيراً من علماء عصرنا يفتون بجواز قراءة القرآن للحائض تعلماً وتعليماً، ومنهم العلامة الشيخ/ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى كما أبلغني بهذا بعض العلماء.
إن صناعة الأجيال الربانية على مائدة كتاب الله تعالى، يحتاج إلى مثل هذه الفتوى، وتطلب مثل هذا الفقه، وكلهم من رسول الله ملتمس، والجميع في دائرة الإسلام اجتهاداً بإذن الله تعالى.
وأما حكم مس المصحف وحمله بالنسبة للحائض: فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز مس المصحف وحمله للحائض، واستدلوا بحديث رسول الله -النبي صلى الله عليه وسلم-: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)) وهو حديث حسن بشواهده.
فالعالمة أو المتعلمة عليها أن تحمله بعلاقة منفصلة، على قول بعض العلماء، أو تختار الأسلوب الذي ترتاح له بحيث إنها تتجنب مسه أو حمله بصورة مباشرة.
فـائدة:
1.    يجوز قطعا أن تنظر الحائض إلى المصحف، وأن تقرأ القرآن بقلبها، وهذا عند الجمهور الأعظم من العلماء (مراقي الفلاح ص28)، (شرح صحيح مسلم 4/290 للنووي).
2.    قال الدكتور زيدان في (المفصل 1/168) ((أما كتب التفسير والفقه فيجوز حملها ومسها من قبل الحائض وإن كان فيها بعض الآيات)).
والله تبارك وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

 

د/ عامر بن حسين أبو سلامة

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
294 الحج من أقدس فرائض الإسلام 1600 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
14 سر تعظيم الأيام العشر 1431 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
1058 في الإحرام وما ينعقد به 990 الأحد 6 محرم 660178 - 9 يناير 641155
48 قول صدق الله العظيم هل هو بدعة؟ 6407 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880