الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 - 13 نوفمبر 2019

هل يجوز تعقيم المصابين بأمراض وراثية؟

رقم الفتوى : 156 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1199

نص الاستشارة أو الفتوى:

ما رأيكم في جواز التعقيم وهو الحيلولة دون إنتاج الأشخاص المصابين بأمراض وراثيَّة خطيرة وذلك بإجراء عملية جراحية بسيطة لهم لا تعطلهم حتى عن عملهم اليومي وليس لها أقل تأثير في أجسامهم أو عقولهم؟

نص الجواب:

جواب السباعي:

السؤال: ما رأيكم في جواز التعقيم وهو الحيلولة دون إنتاج الأشخاص المصابين بأمراض وراثيَّة خطيرة وذلك بإجراء عملية جراحية بسيطة لهم لا تعطلهم حتى عن عملهم اليومي وليس لها أقل تأثير في أجسامهم أو عقولهم؟
الجواب
هذا الموضوع لم يتعرَّض له الفقهاء قديماً ويمكن الإجابة عليه بالاستئناس بقواعد الشريعة العامَّة ونصوصها وبما ذكره الفقهاء من أحوال مشابهة لها.
1 ـ يقول الله تبارك وتعالى:[ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ] {النساء:29}. وهذا صريح في النهي عن قتل النفس.
ويقول [وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا] {النساء:5}. وهذا صريح في منع تبذير الأموال وإتلافها ووجوب الحجر على من يفعل ذلك.
ويقول عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» رواه أحمد وابن ماجه ـ وهذه قاعدة عامة في منع الإضرار بالنفس أو المال أو غيرهما وسواء في ذلك ما يتعلق بحقوق الفرد أو الجماعة.
ولا شك في أنَّ صحَّة الأطفال جزء من الصحَّة العامة للأمة، فكل إضرار بها ممنوع بمقتضى هذه النصوص وانتقال الأمراض الوراثية الخطيرة إلى الأطفال تعريض بصحتهم إلى الانهيار وبأنفسهم إلى الموت، وإذا كانت الشريعة حالت بين السفيه وبين إتلاف أمواله التي هي جزء من الثروة العامَّة فإنَّ ذلك من شأنه أن يوجب الحيلولة بين المريض بمرض وراثي خطير وبين نقل هذا المرض إلى أطفاله من بعده، والنفس أغلى من المال، وحاجة الأمة إلى الأجسام القوية الصحيحة أشدُّ من حاجتها إلى الأموال.
ب ـ ومن مصادر التشريع >الاستصلاح< وهو العمل بما فيه مصلحة عامَّة لم ينصَّ الشرع على اعتبارها أو إلغائها، ولكن تنصُّ القواعد على اعتبارها وطلبها.
وصحَّة الأجسام ووقايتها من الأمراض القتَّالة هو مما جاءت نصوص الشريعة العامَّة بطلبه، فيكون تعقيم المصابين بأمراض وراثيَّة خطيرة من العمل بالمصالح المرسلة التي عمل بها الصحابة فمن بعدهم من الأئمة والفقهاء المجتهدين.
جـ ـ ومن قواعد الشريعة: >درء المفاسد مُقدَّمٌ على جلب المصالح< فإذا كان في زواج الشخص مصلحة له عاجلة، فإن في منع المصابين بالأمراض الوراثيَّة الخطيرة من الزواج درء لمفسدة كبرى وهي الحيلولة دون انتشار هذا المرض الخطير في الأمة عن طريق الزواج.
د ـ ومن قواعد الشريعة العامة: >يدفع أعلى المفسدتين بأدناهما< أي: يُتحمَّل الضرر الأدنى لدرء الضرر الأعلى، ولا شك في الضرر الناشئ عن زواج المريض بالمرض الوراثي الخطير من انتقاله إلى أطفاله وحفدته من بعده، فلو فرضنا أن في منعه من الزواج إضراراً به شخصياً فإنَّ ضرر الأمة من زواجه أكبر وأعلى، فيتحمل الضرر الخاصّ لدفع الضرر العامِّ.
هـ ـ وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بحصر الطاعون في مكان الإصابة، ومنع سكان المنطقة المصابة من الانتقال، كيلا يؤدي ذلك إلى انتشار الطاعون، وهو (الحجر الصحي) المعهود الآن، وقد عمل بذلك الصحابة في طاعون >عمواس< في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا يدل على قصد الشارع حصر الأمراض المعدية في مواطنها، ومنع انتقال عدواها إلى الأصحاء، وليس تعقيم المصابين بالأمراض الوراثية الخطيرة إلا حصراً لهذه الأمراض في أشخاص المصابين بها ومنع انتقال عدواها إلى غيرهم من أطفالهم وذراريهم.
و ـ وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم نهيه عن إيراد المريض على الصحيح كيلا ينتقل المرض من الأول إلى الثاني. وفي تعقيم المصابين بالأمراض الوراثية الخطيرة منع من إيرادهم على الأصحاء وهم زوجاتهم وأولادهم.
زـ واتفق جمهور العلماء على جواز العزل ـ أي: منع الحمل عند الجماع ـ بإذن الزوجة ورضاها، وأجاز متأخرو الحنفية ذلك بدون إذن الزوجة نظراً لفساد الزمان ـ انظر فتح القدير 3/272ـ وابن عابدين 2/379 ـ .
وإذا كان الخوف من فساد خلق الولد ـ وهو أمر محتمل ـ مبيحاً لمنع التوالد، فإنَّ الخوف من فساد صحة الوالد ـ وهو أمر محقق في الزواج من المصابين بالأمراض الوراثية الخطيرة ـ يكون جائزاً من طريق الأولى، ولا يتوقف ذلك على رضا الزوج هنا؛ لأنَّ المسألة تتعلق بالسلامة العامة، وحمايتها من وظائف الدولة كما في الحجر على السفهاء، وكما في منع انتقال سكان المناطق الموبوءة.
من ذلك كله يعلم جواب السؤال المذكور وهو جواز التعقيم للأشخاص المصابين بأمراض وراثية خطيرة وفق ما جاء في السؤال.
ونرى أن يقيد ذلك بثلاثة شروط لابد من توفرها جميعاً لإباحة ذلك وهي:
أولاً ـ أن يكون انتقال هذه الأمراض إلى الوراثة أمراً محققاً أو غالباً.
ثانياً: أن لا يكون هنالك أمل بشفاء المصاب بهذه الأمراض عن طريق المعالجة الطبيَّة.
ثالثا ـ أن لا تكون هنالك وسيلة لمنع انتقال هذه الأمراض إلى الورثة إلا تعقيم الشخص المصاب بها.
هذا ما تيسر الإجابة به في الوقت القصير الذي حدد لجواب حضرة السائل المحترم والله أعلم وهو الموفق للصواب.
عميد كلية الشريعة

جواب الدكتور معروف الدواليبي

إلى عميد كلية الشريعة المحترم.
استلمت كتابكم المتضمِّن سؤال الأستاذ الكريم الطبيب السيد شوكت الشطي الذي يقول فيه: >ما رأيكم في جواز التعقيم وهو الحيلولة دون إنتاج الأشخاص المصابين بأمراض وراثية خطرة، وذلك بإجراء عملية جراحية بسيطة لهم لا تعطلهم حتى عن عملهم اليومي وليس لها أقل تأثير في أجسامهم أو عقولهم؟<
هذا، وبالنظر لرغبتكم في السرعة في الجواب، ولبعدي عن مكتبتي الفقهيَّة، وضيق أوقاتي رأيت أن أقصر جوابي على القواعد العامة التالية المستمدة من المصالح المرسلة:
أولاً ـ إن أحكام الشريعة الإسلامية الخاصَّة، وقواعدها العامة، تقضي بوجوب حصر الضرر مهما كان نوعه، ومنع انتقاله، والعمل على إزالته.
ثانياً ـ إن الأمراض الوراثية الخطرة المسؤول عنها هي ضرر لا شك فيه، فيجب والحالة هذه حصرها، ومنع انتقالها، والعمل على إزالتها إن أمكن.
ثالثاً ـ إن في التعقيم إضراراً أيضاً من ناحية بالشخص المصاب.
رابعاً ـ إن الشريعة الإسلامية عند التعارض ما بين ضررين تجيز ارتكاب أخفِّ الضررين، وإنَّ الإضرار بالشخص المصاب أخفُّ من الإبقاء على الضرر وتعدية وإصابة آخرين.
خامساً ـ لإجراء التعقيم دفعاً لتعدي الضرر لابد من التثبت من الأمرين التاليين:
أ ـ أن يكون هنالك ما يقطع علمياً وعملياً بأنَّ المرض الخطر المراد عدم انتقاله هو ثابت.
ب ـ أن لا يكون من الممكن معالجة هذا المرض الخطر بطريقة أخرى غير طريقة التعقيم.
هذا ما تيسر لي كتابته حول السؤال المطلوب.
فأرجو إبلاغ صورة عنه إلى حضرة الأستاذ الطبيب شوكت الشطي، ودمتم.

أستاذ أصول الفقه في كلية الحقوق.

معروف الدواليبي

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
2656 النذر المعلق لبعض الورثة 107 الأحد 27 شوال 1440 - 30 يونيو 2019
2900 الخطوبة من خلال الانترنت 28 الاثنين 13 ربيع الأول 1441 - 11 نوفمبر 2019
41 التبني وموقف الاسلام منه 2198 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
734 التفريق بين الاولاد في المضاجع 1134 الاثنين 12 شعبان 659200 - 15 سبتمبر 640206