الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019

حكم دفع مال الزكاة لمشروعات القدس

رقم الفتوى : 150 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1092

نص الاستشارة أو الفتوى:

فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله ،
رئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية ،
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

نبارك لكم من جديد حلول شهر رمضان المبارك سائلين المولى عز وجل أن يخصَّنا فيه برحمته ومغفرته وبالعتق من النار ، وأن يجعله شهر نصرةٍ حقيقية للقدس والأقصى كما وجّهتم في ندائكم لهذه الأمة.

فضيلة الشيخ :

نكتب لكم لنستفتيكم في مسألتين:

المسألة الأولى:

تعلمون فضيلتكم ما يقاسيه أهلنا في القدس من إجراءات للتضييق عليهم واقتلاعهم من أرضهم وتعلمون أهمية مشروعات النصرة والتثبيت التي تنفّذها مؤسسة القدس الدولية وغيرها من مؤسسات العمل الخيري لتثبيت أهلنا داخل مدينة القدس ،

لذا نرجو أن تفيدونا برأيكم حول حكم دفع مال الزكاة لهذه المشروعات.

المسألة الثانية:

تعلمون فضيلتكم شدة الإجراءات المفروضة حول المسجد الأقصى بقصد حصاره ومنع المسلمين من التوافد إليه ، وقد وصل المحتل الصهيوني بتضييقه إلى حدِّ منع دخول كل من هو دون عمر 50 سنة إلى المسجد ، حتى أن عدد المصلين في بعض الجُمع باتَ لا يتجاوز ال3000 مصلِّ ، وشهر رمضان كان على الدوام الشهر الذي تجدّد فيه مدينة القدس ومسجدها الأقصى هويتهما الإسلامية نتيجة التدفق الهائل للمصلين من مختلف أنحاء فلسطين ، وقد رصدنا على مدى دراساتنا حول المسجد بأن التدفق البشري الهائل على المسجد كان يُعجِز شرطة الاحتلال أحياناً ويدفعها للانسحاب من الشوارع ، مما كان يسمح بوصول عشرات بل مئات الآلاف من المصلين من شتى الأعمار إلى المسجد، وهذا ما شهده رمضان الماضي حيث وصل عدد المصلين في الجمعة الثالثة إلى مئتي ألف مصلٍّ ، ووصل في الليلة السابعة والعشرين منه إلى عدد اقترب من نصف مليون مصلٍّ.

أمام هذا الواقع فإن سلطات الاحتلال قد شددت هذا العام قبضتها على مدينة القدس ، وعلى محيط المسجد الأقصى ، واتّخذت إجراءات غير مسبوقة لمنع المصلين من الوصول له ، وإننا نخشى أمام هذا الواقع أن يستصعب الناس الوصول إلى المسجد ، وأن تفتر هممهم في شد الرحال إليه ، فيكرس المحتل بهذه الطريقة عزلة المسجد حتى في شهر رمضان.

بناء على ذلك فإنا نستفتيكم في حكم شد الرحال للمسجد الأقصى لكل مستطيع من أهل فلسطين وخصوصاً في شهر رمضان.

نسأل الله عزوجل أن يديمكم ويحفظكم سنداً قوياً لهذا المسجد ولهذه القضية ،وأن يأخذ بيدكم لما فيه الخير .

الأمين العام لمؤسسة القدس الدولية

الدكتور محمد أكرم العدلوني

نص الجواب:

جواب السؤال الأول:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه.

(وبعد)
الجهاد بالمال والنفس فرض على المسلمين:

فإن الله سبحانه وتعالى فرض على المسلمين أن يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم، إذا احتل العدو بلدا من بلادهم، وعجز أهل البلد أن يحرروا أرضهم. فإن عجز المسلم عن الجهاد بالنفس، فعليه أن يجاهد بماله، وأن يجاهد بلسانه، وأن يدعو لإخوانه المرابطين على أرض الجهاد والرباط، ويكون ردءا لهم من وراءهم.

وقد نبهت كثيرا على أن ما يقدمه المسلم من مال لإخوانه المجاهدين المرابطين في أرض فلسطين: ليس تبرعا، ولا تطوعا، ولا تفضلا، ولا إحسانا منه، بل هو قيام ببعض الحق الواجب عليه.

أما دفع الزكاة للفلسطينين، فقد بين الله مصارف الزكاة فقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:60]، فالفلسطينيون من مصارفها، وهم يستحقونها من أكثر من وجه، فمنهم الفقراء والمساكين، وهم كذلك أبناء سبيل، وهم مجاهدون في سبيل الله، وقد جعل الله سبحانه وتعالى من مصارف الزكاة الثمانية {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}، والمراد به الجهاد، فيعطى المجاهد من الزكاة ولو كان غنيا، تثبيتا له وإعانة على الجهاد.

دفع الزكاة للمشروعات المقدسية:

ويدخل في هذا المعنى - {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} - ما تقوم به مؤسسة القدس الدولية وغيرها من مؤسسات العمل الخيري، من مشروعات تهدف إلى نصرة الشعب الفلسطيني، وخصوصا في القدس، وتثبيته في أرضه.

كما أن في الموارد الإسلامية الأخرى ما يمكن الإنفاق به على هذه المشروعات أيضا، مثل الجهاد بالمال، ومثل الصدقات التطوعية، والصدقات الجارية، ووصايا الأموات، والأوقاف، والمكاسب المحرمة على المسلم من فوائد البنوك وغيرها.

جواب السؤال الثاني:

أما شد الرحال إلى المسجد الأقصى لكل مستطيع من أهل فلسطين، ففيه تحصيل للثواب من أكثر من وجه:

ثواب الصلاة في المسجد الأقصى:

ففيه الصلاة في ثاني مسجد بني لعبادة الله على وجه الأرض، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام". قال: قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل، فإن الفضل فيه"[1].

وفيه ثواب شد الرحال إلى المسجد الأقصى، ففي الحديث المتفق عليه: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى"[2].

وفيه الخروج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فعن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس، سأل الله عز وجل خلالا ثلاثة: سأل الله عز وجل حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه"[3].

المصلي في الأقصى له ثواب المرابط المجاهد في سبيل الله:

كما أن المسلم الذي يخرج للصلاة في المسجد الأقصى - وهو يعلم أنه ربما اعتقل، وربما أصيب، وربما استشهد – مرابط له ثواب الرباط، الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأَمِن الفتَّان"[4].

وهو كذلك مجاهد في سبيل الله له ثواب المجاهدين.

لذا أدعو إخواننا الفلسطينين إلى مواصلة ما بدأوه، من فداء المسجد الأقصى بأموالهم وأنفسهم، فإن الله سبحانه وتعالى اختارهم ليرابطوا في هذه البقعة التي بارك الله حولها، ولم يفعل ذلك سبحانه إلا لحكمة. وقد روى أبو أمامة الباهلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم مَن خالفهم الا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك". قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس"[5].

وكثير من المسلمين من يتمنى أن يرزقه الله بصلاة مباركة في المسجد الأقصى المبارك، أو بشهادة على أعتابه.

* * *

نسأل الله أن يحرر المسجد الأقصى من قبضة اليهود، وأن ينصر إخواننا المجاهدين في - فلسطين عامة، وفي القدس خاصة - على عدوهم، وأن يثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم، ويهيئ لهم من أمرهم رشدا، وأن يفتح لهم فتحا مبينا، ويهديهم صراطا مستقيما، وينصرهم نصرا عزيزا.

يوسف القرضاوي

رئيس مؤسسة القدس

ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


[1]- متفق عليه عن أبي ذر الغفاري.
[2]- متفق عليه عن أبي هريرة.
[3]- رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
[4]- رواه مسلم والترمذي والنسائي عن سلمان.
[5]- رواه أحمد والطبراني في الكبير عن أبي أمامة، ورجاله ثقات.

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
325 هل يكوز دفع الزكاة لعائلات الشهداء في سوريا 1099 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
258 بيع ما لا يملك 1558 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
2867 صدقة أو دين 116 الثلاثاء 7 ربيع الأول 1441 - 5 نوفمبر 2019
337 حكم سكن السوريين المهجرين في بيوت تركها أصحابها ، لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي‎ 1622 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880