الثلاثاء 11 صفر 1442 - 29 سبتمبر 2020

فتوى حول الرسم القرآني

رقم الفتوى : 136 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1284

نص الاستشارة أو الفتوى:

وردنا من السيد عبد الرحمن المعمر من الرياض رسالة يقول فيها أنه اطلع على فتوى في مجلة العربي طالبت فيها تغيير رسم القرآن الكريم إذا لم يكن هناك سند من كتاب الله أو سنة رسوله يحظر تغيير رسمه ، وغرض المجلة من ذلك أن تطابق كتابة القرآن ، الكتابة العصرية، ليمكن للناشئة العرب ، والمسلمين من غير العرب قراءة القرآن بيسر وسهولة . وقد رغب إلينا صاحب الرسالة أن نبين الحكم الشرعي في هذا الموضوع الذي كثر فيه الجدال بين مؤيد ومعارض... فأحلنا هذا السؤال إلى الدكتور وهبي الزحيلي المدرس في كلية الشريعة بجامعة دمشق الذي تفضل بالإجابة التالية :

نص الجواب:

الناس أمام هذه القضية أما عرب أو غير عرب . فغير العربي لا تثور بالنسبة إليه أية مشكلة تتعلق برسم القرآن الكريم إذ أي رسم يتعلمه أو خط يتلقنه يعتاد به تلاوة القرآن دون صعوبة ، ويظل أثر هذا واضحاً في الشعوب الإسلامية غير العربية ، فالتركي أو الباكستاني مثلاً نجده يقرأ القرآن الكريم باللسان العربي ، بيد أنه لا يستطيع قراءة نص عربي في كتاب آخر ... وهذا مصداق قوله تعالى : ? ? ? ? ? ? ? ? ? [القمر: ??]. وأما العربي فإن الأمر فيما يتعلق بقراءته مرجعه أيضاً إلى التعليم وليس رسم القرآن هو السبب في إحجامه عن تلاوته ، وإنما المسؤولية تقع على المربين ودور التعليم إذ لم يُعوِّدوه ممارسة التلاوة في القرآن المجيد ، وقد كانت >الكتاتيب< قبل المرحلة التعليمية الابتدائية تقوم بهذا العبء ، وقد كنا في الصغر نتلو القرآن بكامله في هذه الدور الصغيرة دون أي مشقة ولا عناء ، رغم أننا لا نعرف القراءة في غير القرآن. لهذا فإننا نؤيد رأي جمهور العلماء وأئمة القراء المسلمين الذين قرروا وجوب الاحتفاظ بكتابة القرآن بالرسم العثماني ، للأسباب التالية: أولاً : إن قواعد الخط والإملاء اصطلاحية ، تتغيَّر وفقاً لمقْتضيات التطور البشري والحضاري ، بل إنَّ التطور لم يكن موحداً في البلاد ، فقواعد الإملاء مثلاً ليست الآن محل اتفاق ، بل هناك مفارقات ظاهرة نلمسها في الكتب المطبوعة ، فقد يتغير الاصطلاح الإملائي بين سورية ومصر أو بين العراق وإيران كما هو في الواقع ، وحينئذ فتغيير الرسم العثماني يجعل القرآن عُرضة للتبدُّل والتحوُّل والتحريف والتشويه خلال الأزمان والأيام المتوالية ، وفي ذلك أيما خطر على القرآن في حد ذاته وعلى الشريعة التي تصان به. ثانياً : إن الحكمة التي رآها عثمان بن عفان رضي الله عنه في جمع القرآن الكريم وأشار إليها حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ، من أجل توحيد خط واحد ولهجة واحدة ونشره على حرف واحد ، هذه الحكمة ما زالت قائمة لقطع دابر الخلاف ، والاختلاف بين القراء بتصويب قراءة وتخطئة أخرى، مما يجعل في الحفاظ على رسم القرآن سداً لذرائع الفساد والشبه التي ستنجم قطعاً عن تغييره والتلاعب بقدسيته ، ولا يخفى أن سدَّ الذرائع أصل هام من أصول الشريعة الإسلامية ، وقد ظل المسلمون طيلة الأربعة عشر قرناً الماضية على هذا النحو ورعاً وتديناً وخشية المساس بأيِّ وضع من أوضاع كتابهم المجيد ، معتمدين في صيانته وتناقله ، ليس على الكتابة فحسب ، وإنما بطريق التلقين والحفظ والمشافهة التي هي خط الأمان الأول بالنسبة للقرآن العظيم ، وذلك حتى لا يقع المسلمون في الحقيقة التاريخية المعروفة من تبديل وتغيير الكتب السماوية السابقة في الشكل والموضوع ، وفي هذا تحققت معجزة القرآن الكبرى : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] {الحجر:9} بل بالقرآن حفظت اللغة العربية القرشية من التبدل أو الانقراض. ثالثاً : إن الرسم العثماني يمتاز بتلاؤمه مع قراءات القرآن السبع أو العشر المتواترة ، التي بها نزل ، مثل مسجد ومساجد ، ملك ومالك ، يفعلون وتفعلون ، ونحوها كثير ، ومن هنا شرط علماء القراءات شروطاً أربعة لصحة القراءة، وهي : النقل المتواتر من جمهور عن جمهور ، موافقة اللغة العربية بوجه من الوجوه ، موافقة الرسم العثماني للمصحف ، صحَّة سند القراءة المتصل إلى صحابي من الصحابة المعروفية ، والقراءات ليس ـ كما يتخيَّل بعضهم ـ لا جدوى منها ، وإنما كان للمجتهدين اعتماد كبير عليها ، إذ أن لها أثر واضح في استنباط الأحكام الشرعية والتسهيل على الأمة الإسلامية. أما الاستناد على قول بعض العلماء في تجويز تغيير الرسم العثماني .. فليس له أية قيمة إذ أن قول الفقيه في الإسلام ليس مصدراً تشريعياً ، وإنما يؤخذ من أقوال العلماء ما هو الأوفق بمراعاة المصالح ودرء المفاسد ، والمفاسد التي تترتَّب على تغيير الرسم تربو كثيراً على ما يتخيّل إزاءها من مصالح يمكن الوصول إليها بطريق التعليم والإرشاد. والخلاصة أننا لا نجيز تغيير الرسم العثماني إلا في حدود ضيِّقة مثل مجالات التعليم التي تتطلب نقل صفحات وألواح أو آيات ومواضيع مع التنبيه على مفارقات الخط الحديث والقديم للتعرف على النهج العام للقرآن الكريم ، ولا مانع في رأينا أيضاً من تغيير الرسم العثماني في بعض كتب التفسير بشرط التزام قراءة معينة من القراءات المشهورة المتصلة بسند وثيق إلى أحد الصحابة والله ولي التوفيق. حضارة الإسلام : العدد الثالث من السنة الخامسة (1384هـ =1964م).

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
1 اريد ترجمة للعلامة محمد عوامة 1747 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
639 من أحكام اللعن 1755 الخميس 27 جمادى الآخرة 658884 - 28 ديسمبر 639899
679 حكم الإضراب عن الطعام في السجون 1132 الجمعة 12 جمادى الآخرة 659184 - 7 يناير 640191
253 المظاهرات وتأصيلها الشرعي 1618 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880