الخميس 19 محرم 1441 - 19 سبتمبر 2019

استفتاءات حول بعض قضايا الزكاة

رقم الفتوى : 10 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1976

نص الاستشارة أو الفتوى:

وجَّهت إحدى المؤسسات العلمية عدة استفتاءات حول بعض قضايا الزكاة إلى الأستاذ الشيخ مَجْد مكي، فأجاب على هذه الأسئلة، وآثرنا هذا الموقع بنشر هذه الأسئلة وأجوبتها، مع انتظار تعليقات الأساتذة المختصين حول هذه القضايا المطروحة.

نص الجواب:

أجوبة أسئلة الزكاة

- السؤال الأول -

ما الصلة بين آيات الزكاة وآيات الصدقات والإحسان المطلق؟

جواب السؤال الأول: :

تكررت كلمة (الزكاة) في القرآن الكريم في ثلاثين موضعًا ، ومنها في عدد من السور المكية.

1. ومن هذه الآيات : قوله تعالى في سورة المزمل - وهي ثالث سورة نزلت بمكة - : (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضًا حسنًا..) (20) . وهذه الآية – كما قال علماء القراءات والتفسير – نزلت في العهد المدني وضُمت إلى سورة المزمل التي نزلت في أوائل العهد المكي. وفيها الأمر بإعطاء الزكاة المفروضة التي تُطلق في الاصطلاح على أداء حق يجبُ في أموالٍ " مخصوصة " على وجه مخصوص ، ويُعتبر في وجوبه الحَوْل والنصاب.

وأما قوله تعالى :( وأقرضوا الله قرضًا حسنًا ) أي : أنفقوا من أموالكم صدقات غير واجبات عليكم . والقرض الحسن هو الذي يكون خالصًا لوجه الله ، من غير من ولا أذى ولا مصلحة دنيوية.

2. ثم نزل قوله تعالى في سورة النمل - وهي السورة 48 نزولاً بمكة - : ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون) (3) وسورة النمل مكية ، ولم تحدد فيها فريضة الزكاة ، ذات المقادير المحددة.

3. ثم نزل قوله تعالى في سورة لقمان - وهي السورة 57 نزولاً بمكة - : (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ..) (4) أي :وينفقون من أموالهم في وجوه الخير التي أمر الله بالإنفاق فيها ، وفي مقدمتها : إعطاء الفقراء وذوي الحاجات من المؤمنين .

وهذا التكليف كان مُنزلا في العهد المكي دون تحديدٍ للمقادير الواجبة من الزكاة ، ثم جاء في العهد المدني تحديد أنصبة الزكاة التي تجب فيها.

4. ثم نزل قوله تعالى في سورة فُصلت - وهي السورة 61 نزولاً - : (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخـرة هم كافرون) (6-7) أي : لا يُؤتون الزكاة في أموالهم لجفاف عاطفتهم على ذوي الحاجات من عباد الله .

والمراد بالزكاة هنا في هذه المرحلة المكية: مطلق البذل لذوي الحاجات والضرورات فى المجتمع ، وذكر الزكاة في هذه المرحلة المكية هو من قبيل التمهيد بتكليف عام قبل تنزيل مقدار الواجب .

5. ثم نزل قوله عز وجل في سورة " المؤمنون " - وهي السورة74 نزولاً بمكة المكرمة -: ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون . والذين هم للزكاة فاعلون) (1-3).

قال ابن كثير في " تفسيره : 5: 2419:" الأكثرون على أن المراد بالزكاة ها هنا زكاة الأموال ، مع أن هذه الآية مكية ، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنين من الهجرة . والظاهر أنَ التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات الأنصبة والمقادير الخاصَة . وإلا فالظاهر أنَ أصل الزكاة كان واجبًا بمكة ، كما قال تعالى في سورة الأنعام - وهي السورة 55 نزولاً بمكة - : (وآتوا حقه يوم حصاده) .

وقد يحتمل أن المراد بالزكاة هنا : زكاة النفس من الشرك والدنس ، كقوله تعالى: ( قد أفلح من زكاها ...) ، وكقوله :(وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ) ( فصلت :6) على أحد القولين في تفسيرها . وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مُرادًا. وهو زكاة النفوس ، وزكاة الأموال . فإنه من جملة زكاة النفوس . والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا" انتهى كلام ابن كثير.

وأما آيات الصدقة والإحسان المطلق ، فتشمل معنى الزكاة ، وصدقة التطوع . فيقال للزكاة صدقة كما في القرآن الكريم : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ..) ( التوبة : 6) ، ( خذ من أموالهم صدقة .. ) (التوبة :103) .

قال الراغب الأصفهاني في " المفردات " : " الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة ، كالزكاة ، لكن الصدقة في الأصل تقال : للمتطوع به ، والزكاة تقال : للواجب " .

وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " 3 : 62 : " إن الزكاة تُطلق على الصدقة الواجبة ، والمندوبة ، والنفقة ، والحق ، والعفو".

والغالب عند الفقهاء : استعمال كلمة الصدقة في التطوع خاصة . قال الشربيني في " مغني المحتاج " 3: 120 : صدقة التطوع هي المرادة عند الإطلاق غالبًا. وسميت بذلك لإشعارها بصدق نية باذلها. وقد تُطلق الصدقة على الوقف . ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه ، عندما تصدق بماله : تصَدق بأصله ، لا يباع ولا يُوهب..."

وقد تُطلق الصدقة على كل نوع من المعروف . ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : " كل معروف صدقة" أخرجه البخاري (6021) ، ومسلم (1005)

وقد قسَّم العلماء الصدقة المالية إلى خمسة أنواع :

أ. صدقة مفروضة من جهة الشرع على الأموال ، وهي: زكاة المال.

ب . وصدقة على الأبدان ، وهي : زكاة الفطر.

ج . وصدقة يفرضها الشخص على نفسه ، وهي : الواجبة بالنذر.

د. والصدقة المفروضة حقًا لله سبحانه ، وهي : الفدية والكفارة.

هـ وصدقة التطوع.

وتفترق الصدقة والإحسان المطلق عن الزكاة بأن الصدقة تُعطى لذوي القرابة والأزواج ، ولهم أخذُها ولو كانوا ممن تجب نفقتهم على المتصدق، كالفروع والأصول. كما أن الصدقة تُعطى للأغنياء ، لأن صدقة التطوع كالهبة ، فتصحُّ للغني والفقير.كما يجوز دفع صدقة التطوُّع للكفار مطلقًا.

وأهم فرق بين الزكاة الواجبة ، والصدقة التطوعيَة باختلاف أنواعها : أنَّ الزكاة تنظيم اجتماعي وليست إحسانًا فرديًا. وهي تسلك مسلك الإحسان الفردي ، عندما يضطرب بيت المال ، أولا تُبنى نظمه على الأسس الشرعية السليمة. وإن الأدلة على أن الزكاة تنظيم اجتماعي وليست مجرد إحسان فردي ، متضافرة قوية ، يسند بعضها بعضًا.

وأول دليل هو اسمها ، فقد سمَاها القرآن الكريم زكاة في أكثر من ثلاثين موضعًا ، والزكاة معناها : النماء في المجموع والأشخاص كما في قوله تعالى : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (التوبة : 103) .

فالزكاة تطهر المجتمع وتنميه ، بما تحققه من معنى التعاون الاجتماعي الذي يدفع حاجات المحتاجين ، ويحمي المجتمع من الآفات الاجتماعية بعلاج الفقر والمرض والجهل.

ومما يدل على أن الزكاة تنظيم اجتماعي وليست إحسانًا فرديًا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تولىَ جمعها ، وصرفها في مصارفها ، وولى الولاة للقيام عليها ، وصرح بأنها: "تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم ".

وأما الصدقة والإحسان الفردي فهو يترك للضمير والنية والعطاء الاختياري لا الأخذ الجبري. ولهذا نَهَج خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده ذلك المنهج ، إذ لما امتنع المرتدون أن يعودوا إلى الإسلام إلا بعد إسقاط الزكاة عليهم ، لم يقبل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق ذلك منهم. وقال مقولته الشهيرة : "والله لو منعوني عَقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه".

ثم إن مصارف الزكاة التي بينها القرآن تُبين أنها تنظيم اجتماعي ، لأنه منها ما يكون إمداد المجاهدين وتقوية الجماعة بتأليف المؤلفة قلوبهم ، وأداء دين الغارمين ..... وإن هذه المصارف الثمانية التي حددتها الآية لا تُسد الحاجة فيها على وجهها إلا إذا كانت ثمة حصيلة قائمة بذاتها يكون منها سدُ الحاجة العاجلة ، والاحتياط للحاجة الآجلة، ويكون منها الاستعداد للطوارئ ، وإعداد القوة المرهبة : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ...).

ولو أن الزكاة كانت صدقة تطوعية وإحسانًا فرديًا ، لكانت النية شرطًا فيها دائمًا، وفي كل الأحوال ، وما جاز أخذها كرهًا !

ولقد اتفق الفقهاء على أن النية ليست بشرط فى كل أنواع الزكوات ، ولذلك تؤخذ عند جمهور الفقهاء من مال المجنون والصبي ولو كان غير مميز . أي أنها تؤخذ ممن تُعتبر منهم النية ولا يُعتبر منهم القصد والإرادة.

وكل هذا يدل على أن الزكاة حق للفقراء والمساكين لتنظيم المجتمع لا لمجرد الإحسان الفردي.

ولقد قرر جمهور الفقهاء: أن الزكاة إذا لم تؤد تكون دينًا لله في ذمة من لم يؤدها، وتتعلق بالمال الذي وجبت فيه.

وكل هذه الشواهد والأدلة من خلال تتبُّع نصوص القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وما جرى عليه السلف الصالح ، وما استنبطه الجمهرة العظمى من فقهاء المسلمين تُظهر الصِّلة بين آيات الزكاة والصدقة والإحسان المطلق.

فقد جاء ذكر الصدقة في القرآن الكريم (13) مرة ، وهي تشمل الزكاة الواجبة في بعض المواضع كما في الآية :60 و 103 من سورة التوبة. وتشمل الزكاة الواجبة مع التطوُّع كما في قوله تعالى : ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات) (البقرة : 276) ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ...) ( التوبة : 58)000وأما الإحسانُ المطلق كقوله سبحانه : ( وأحسنوا إنَ الله يحب المحسنين ) (البقرة : 195)، فهو يختصُ بالصدقة التطوعيَّة الزائدة عن الواجبة ، وتتسع دائرة الإحسان لتشمل الأسرة والأقارب والمجتمع والإنسانية . ولا يتحقق الإحسان – وهو أعلى مراتب الإيمان - إلا بعد أداء الزكاة كاملة غير منقوصة ، والتوسع في إنفاق المال، لتشمل الأموال في ميادين الجهاد وإتقان العمل كما قال عز وجل :( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) ( البقرة : 195).

- السؤال الثاني -

لماذا تكررت أسماء بعض مصارف الزكاة ، مثل : (ذوي القُربى، الفقراء، والمساكين..) دون بعضها الآخر؟

جواب السؤال الثاني :

تكررت بعض مصارف الزكاة ، كالفقراء والمساكين ، لأنهم هم أهل الحاجة الذين لا يجدون ما يكفيهم ، ولأنهم الغالبية في المجتمع ، ولتقديمهم على مَنْ سواهم في العطاء.

وقد جاء ذكر (الفقراء) بمعنى صرف الزكاة لهم في ثلاثة آيات في سورة البقرة في الآية (271) ، والآية (273)، وفي سورة التوبة (60).

وأما (المساكين) فقد تكرر ذكرهم بمعنى صرف الزكاة لهم في ثمانية آيات.

وقد جاء ذكر المساكين مقرونًا مع خمسة أصناف أخرى في آية البر من سورة البقرة : (.. وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ) ( 177) .

وجاء ذكر المساكين مقرونًا مع أربعة أصناف في سورة البقرة :( قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) (215). بنفس الترتيب السابق للأصناف الأربعة في آية البر : وكلاهما يختص بالصدقة التطوعية .

وجاء ذكر المساكين مقرونًا مع خمسة أصناف أخرى في قسمة الغنائم في سورة الأنفال : (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه..) (41) ، ومع خمسة أصناف أيضًا في قسمة الفيء في سورة الحشر : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ....) (7) .

وأما (ذوو القُربى) فقد جاء ذكرهم في كتاب الله تعالى عشر مرات في سورة البقرة 83 و177، وفي سورة النساء 8 و36 ، وفي سورة الأنفال 40 ، وفي سورة النحل 90 ، وفي سورة الإسراء 26 ، وفي سورة النور 22 ، وفي سورة الروم 38 ، وفي سورة الحشر 7 .

وجاء ذكر(ابن السبيل) في كتاب الله عز وجل ثمان مرات في سورة البقرة 177 و 215 ، والنساء 36 ، والأنفال 40 ، والتوبة 60 ، والإسراء 26 ، والروم 38 ، والحشر 7.

وهذا التكرار لذكر الفقراء والمساكين وذوي القربى وأبناء السبيل يؤكد الاهتمام بشأنهم ، وأولويتهم في الزكاة الواجبة والصدقة التطوعية ، وأنهم يفضلون على غيرهم في العطاء.

قال العلامة محمد أبو زهرة في تفسير آية البر في سورة البقرة : ( وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ) (177) : "قد ذكرت الآية من يخصهم بعطائه ، أو من ُيؤثرهم بهذا العطاء .ويبدو من سياق الذكر ومعناه : ترتيبهم في العطاء ، وأن بعضهم يفضل في العطاء على بعض إن لم يتسع ما له لهم جميعًا .

أ . فأول هذه الأصناف : (ذوو القربى) ، ويفضل الأقرب فالأقرب .

ب. والذين يلون أولي القربى في العطاء (اليتامى) سواء أكانوا من ذوي القربى أم لم يكونوا ، وإذا كانوا من ذوي القربى يكونون أولى من غيرهم من الأقارب.

ج. والمرتبة التي تلي اليتيم في العطاء هو (المسكين) ، وهو من أسكنته الحاجة ، وهذا يشمل الزمن ، أي المريض بمرض مع عدم القدرة على العمل ، ويشمل الفقراء الذين لا يملكون شيئًا ، ويتعففون عن أن يسألوا الناس.

د . والذي يلي المساكين :( ابن السبيل) ، وهو الذي انقطع عن ماله ، وصار في مكان لا يجد فيه ما يمدُه بأسباب الحياة من مال ينفقه ، أو مأوى يأوي إليه ، أو طعام يطعمه.

هـ . ويلي ابن السبيل في المرتبة :( السائلون) ، وهم الذين يسألون ما بقوتهم من طعام أو مال يشترون به قوتهم .

و. والمرتبة الأخيرة : هم (العبيد) بأن يؤتي المال في فك الرقاب " انتهى.

وقال العلامة أبو زهرة أيضًا في " زهرة التفاسير " 677 في تفسير قوله تعالى : ( قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ) (215): "ذكر سبحانه موضع الإنفاق وهم الوالدان ، والأقربون ، واليتامى ، والمساكين ، وأبناء السبيل .

ذكر هؤلاء بذلك الترتيب ، وإذا كان العطف بالواو لا يفيد ترتيبًا من الناحية النحوية فمن المؤكَّد أن الترتيب في الذكر يفيد معنى الأولوية من الناحية البلاغية ، فالترتيب بالذكر يشير – بلا شك - إلى أولويَّة البعض على البعض ، فيسدُ حاجة الأبوين ، ثم يسدُ حاجة الأقربين ، ثم يسدُ حاجة المحتاجين من غير أسرته .فالترتيب في الذكر يفيد الأولوية في العطاء إن ضاق الخير عن أن يشمل الأنواع كلها.

وقد ذكر سبحانه الوالدين والأقربين من غير ذكر ما يدل على الحاجة ، وذكر بقية الأصناف مع ذكر الأوصاف الدالة على الحاجة ، لأن الوالدين والأقربين تجبُ رعايتهم والإحسان إليهم ، وإن لم تكن فيهم حاجة شديدة، فإن كانوا في حاجة شديدة فالإنفاق ألزم . أما بقية الأصناف فإن العطاء أساسه الحاجة .

فاليتامى: يُعطون لاحتياجهم إن تركهم آباؤهم من غير مال. و(المسكين): الذي أسكنته الحاجة ، أو أسكنه المرض أو السن وجعله في عوز. و(ابن السبيل) : المسافر الذي لا مأوى له ، وقد انقطع عن ماله إن كان له، فأولئك يعطون ما يسد حاجتهم ، وينقع غلتهم " انتهى.

ولا يخفى أنَ الوالدين وكل من انتسب إليه المزكي أو انتسب إلى المزكي بالولادة لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة ، ويشمل ذلك أصوله وهم أبواه وأجداده وجداته ، وكذا أولاده وأولاد أولاده . أما سائر الأقارب ، كالأخوة والأخوات ، والأعمام والعمات ، والأخوال والخالات ، وأولادهم فلا يمنتع إعطاؤهم من زكاته ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم :"الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة" أخرجه الترمذي 3 :38 من حديث سلمان بن عامر ، وقال : حديث حسن .

فذكر الوالدين وتقديمهما في الآية ، يتعلق بصدقة التطوع. وكذلك الأقارب الذين لا تلزم المزكي نفقتهم من الأصول والفروع . أما الذين تلزمهم نفقتهم فلا يجوز أن يُعطيهم من الزكاة .

وبهذا الجواب تظهر الحكمة في تكرار أسماء بعض مصارف الزكاة ، من خلال استقراء الآيات المتعلقة بتكرار هذه المصارف، وأكثرها كما ظهر لنا يتعلق بالصدقة التطوعيَّة أو في قسمة الغنائم والفيء.

وما يتعلق منها بالزكاة فيفيد أولوية صرف الزكاة لهم .والله تعالى أعلم.

- السؤال الثالث -

هل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة في تحديد أنصبة الزكاة ، أو أن تحديدها اجتهاد من أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟

جواب السؤال الثالث : نعم جاء في أحاديث صحيحة تحديد أنصبة الزكاة، ولم يكن تحديدها اجتهاداً من أبي بكر الصديق رضي الله عنه .

ومن هذه الأحاديث الصحيحة ، ما ورد في تقدير نصاب الفضة ، والإبل، والزروع .

روى البخاري (1405) ومسلم (979) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبى: صلى الله عليه وسلم : " ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة ، وليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة ، وليس فيما دون خمس أوسق صدقة " والأواق: جمع أوقية ، وهي أربعون درهمًا. وخمس ذود : خمسة أبعرة . والوسق : ستون صاعًا.

وفي رواية لهما ، قال :" ليس دون خمسة أوسقٍ من التمر صدقة ، وليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة ، وليس دون خمس ذودٍ من الإبل صدقة".

ومن هذه الأحاديث الصحيحة ما جاء في تحديد نصاب الزروع:

روى البخاري (1483) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فيما سفت السماء والعيون ، أو كان عثريًا – وهو الذي يشرب بعروقه من غير سقيٍ – العُشر ، وما سُقي بالنضح – أي بالسانية ، والمراد بها : الإبل التي يُسقي عليها – نِصف العُشر."

ومن هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة ما جاء في تحديد المقادير الواجبة في زكاة الإبل والغنم.

روى البخاري ( 1453) في كتاب الزكاة عن أنسٍ : أن أبابكر رضي الله عنه ، كتب له هذا الكتاب ، لما وجهه إلى البحرين : بسم الله الرحمن الرحيم .هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها ، فليعطها ، ومن سئل فوقها فلا يعط : في أربع وعشرين من الإبل فما دونها ، من الغنم ، من كل خمس شاة ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى ، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبونٍ أنثى ، فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَة طروقة الجمل ، ... وتنظر الروايات في صحيح البخارى (1448) (1450) (1451) (1455)

ومن هذه الأحاديث الصحيحة ما جاء في نصاب زكاة البقر والقدر الواجب فيها.

روى أبو داود 2 : 234 – 235 ، والحاكم وصححه 1 : 398 ووافقه الذهبي عن مسروق : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن ، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا ، ومن البقر من كل ثلاثين تبيعًا ، ومن كل أربعين مسنة".

ومن هذه الأحاديث الصحيحة ما جاء في زكاة الركاز، وهو المال المدفون.

روى البخاري ( 1499) ، ومسلم (1710) عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العجماء جُبار – أي جرح البهيمة العجماء وإتلافها هدر – والبئر جُبار – أي لا ضمان على من يحفرها في ملكه - والمعدِن جبار – أي الرحل يحفر معدنًا في ملكه أو في موات ، فيمر بها مار فيسقط فيها ويموت ، أو يستأجر أجراء يعملون فيها ، فيقع عليهم فيموتون ، فلا ضمان في ذلك - وفي الركاز الخمس." والركاز هو دفين الجاهلية من المال ، أي فيه الخمس لبيت المال والباقي لواجده.

- السؤال الرابع -

هل كتاب أبي بكر إلى العمال عن تشريع أو هو توجيه حاكم؟

جواب السؤال الرابع:

ظاهر وواضح من حديث أبي بكر في الكتاب الذي كتبه لأنس بن مالك رضي الله عنه في زكاة الإبل والغنم عندما وجهه إلى البحرين ، أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس من توجيهه كحاكم ، بدليل قوله في الكتاب : " فَرضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ...." ومعنى فرض هنا : أوجب وشرع يعني بأمر الله تعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم بيَّن المُجْمَل من الكتاب بتقدير الأنواع والأجناس .ثم إنَّ مقادير الأنصبة أمر يتعلق بعبادة مالية، وليس من شأن الحاكم أن يشرع في أمور تتعلق بالعبادة ، نعم له من باب المصلحة والسياسة الشرعية أن يتصرف في توزيع المال على المستحقين ، وان يؤثر بعض الأصناف إذا اقتضت المصلحة ذلك.

وقد تم إجماع الأمة على تحديد هذه الأنصبة . فقد نقل ابن المنذر في " الإشراف " ( الإجماع رقم 100) على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهم تجب منها الزكاة.ونقل ابن القطان الفاسي في " الإقناع في مسائل الإجماع " 2 :634 على ذكر النصاب في الصدقة ومبلغه في زكاة الماشية والبقر والإبل والذهب والفضة والكنز والركاز .وتنظر الإجماعات فيه في الأرقام (1124) (1125) (1128) ( 1142 (1143) (1144) (1152) (1153) ( 1172).

- السؤال الخامس -

لماذا نقول الزكاة حقُ الله في المال ؟

جواب السؤال الخامس :

الحقُّ هو الواجب الثابت . وهو قسمان : حقُّ الله ، وحقُّ العباد . فأما حقُّ الله تعالى ، فهو ما يتعلق به النفعُ العام للعالم ، من غير اختصاص بأحد ، فيُنسب إلى الله تعالى لِعِظم خطره ، وشمول نفعه .

وإنما يُنسب الحقُّ إلى الله سبحانه تعظيمًا ، لأن الله عز وجل يتعالى عن أن ينتفع بشيء ، كما لا يجوز أن يكون حقًا له باعتبار التخليق ، لأن الكل في ذلك سواء بالإضافة إلى الله سبحانه. قال عز وجل : (ولله ما في السموات وما في الأرض ) (النجم:31).

قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " 1 : 108 :" حقُ الله ما لا مدخل فيه للصلح ، كالحدود والزكوات والكفارات وغيرها . وأما حق العبد فهو ما يتعلق به مصلحة خاصَة ، وهي التي تقبل الصُلح والإسقاط والمعاوضة عليها". انتهى.

وحقوق الله تعالى في الجملة : إما عبادات محضة ، مالية كانت كالزكاة ، أو بدنية كالصلاة ، أو جامعة للبدن والمال كالحج ، وإما عقوبات كالحدود ، وإما كفارات، وهي مترددة بين العقوبة والعبادة . <

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
927 حول بيع المرابحة أو المساومة للآمر بالشراء 1934 السبت 5 جمادى الآخرة 659837 - 27 يوليو 640824
2612 القرض من البنك 67 الأحد 29 رمضان 1440 - 2 يونيو 2019
2607 إرجاع المسروقات 65 الخميس 25 رمضان 1440 - 30 مايو 2019
2719 توكيل الصراف بالتجارة بالعملات 57 السبت 16 ذو الحجة 1440 - 17 أغسطس 2019