السبت 13 ربيع الثاني 1442 - 28 نوفمبر 2020

القانون المدني في القرآن-2-

الأربعاء 11 جمادى الأولى 1438 - 8 فبراير 2017 2005 العلامة عبد الوهاب خلاف

الالتزام:

عُني علماء القانون المدني الوضعي بموضوع الالتزام والبحث في المراد منه وفيمن يَلتزم، ومن يُلتزَم له، وما به الالتزام. 

وقد وردَ الالتزامُ في عِدَّة آيات من القرآن الكريم، وفي عِدَّة أحاديث من السنَّة الصحيحة، وقبل أن أبيِّن ما جاء في القرآن من أحكام الالتزام أشيرُ إلى أَّن علماء الفقه الإسلامي وفَّوا هذا البحث حَقَّه، واستنبطوا من القرآن والسنَّة أحكامه مُفصَّلة، ولكنها مُفرَّقة وغير مُرتَّبة، وقد ألَّف الإمام الحطاب من علماء المالكيَّة [ت 954 هـ]، وصاحب الشرح الكبير على متن خليل كتاباً سمَّاه: (تحرير الكلام في مسائل الالتزام) رتَّبه على مُقدمة وأربعة أبواب، فالمقدمة في بيان المراد شرعاً من الالتزام، والأبواب الأربعة في الملتزم وفي الملتزم له، وفي الملتزم به، وفيما به الالتزام. 

وقد نقل هذا الكتاب بنَصِّه المرحوم الشيخ عليش في فتاواه المسمَّاة: (فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك) في الجزء الأول من ابتداء صفحة (150).

فالالتزام في اصطلاح علماء القانون المدني الوضعي: هو حالة قانونيَّة يَرتبط بمقتضاها شخص مُعيَّن بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل.

والالتزام في اصطلاح علماء الفقه الإسلامي: هو الأثرُ الذي يترتَّب على الشخص بسبب تعهُّده لله تعالى أو لشخص آخر بأن يقوم بعمل أو يَكُفَّ عن عمل.

فالالتزام في الشريعة الإسلامية يشمل ما يَلتزم به المكلف بمقتضى إيمانه من أحكام الشرع وتحليل ما أحلَّه الله سبحانه، وتحريم ما حرَّمه، وفعل ما أمر به والكف عما نهى عنه، ويشمل ما يَلتزم به المكلف بسبب عقوده مع غيره وتصرُّفاته ونذوره وأَيْمانه.

وفي الاصطلاح الشرعي: الالتزام، والارتباط، والتعهُّد، والعقد، والعهد، والميثاق، كلها ألفاظ مُتقاربة المعنى تدلُّ على ارتباط الإنسان بأن يقوم بعمل، أو يكفَّ عن عمل.

والقرآن الكريم أوجب على كل من التزم بأن يقوم بعمل أو يكف عن عمل بسبب صحيح مشروع من أسباب الالتزام، أن يوفي بما التزم به، وعدَّ الإيفاء بالعقود والعهود من شارات المؤمنين، وقرَّرت السنَّة الصحيحة أنَّ الغدر بالعهد من علامات النفاق.

قال الله تعالى في أول سورة المائدة - وهي آخر سورة أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم من سور القرآن - : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ] {المائدة:1}. 

وقد ذهب أهل التحقيق من المفسِّرين إلى أنَّ العقود التي أمر الله المؤمنين بالإيفاء بها، أي: بتنفيذها والقيام بما تقتضيه، تشمل كلَّ ما ارتبطوا به سواء أكان ارتباطهم مع الله، أو ارتباط الواحد منهم وغيره، أو ارتباط جماعتهم مع أمَّة أخرى.

ولهذا قالوا: العقود التي أوجب الله تعالى على المؤمنين الإيفاء بها أربعة أنواع:

الأول: العهود التي عاهد عليها المؤمنون ربَّهم بإيمانهم، وهي أن يطيعوه ويطيعوا رسولَه، ويقوموا بما كلَّفهم به.

فكل مؤمن قد ارتبط وتعهَّد لله تعالى بمقتضى إيمانه أن يُطيعه وينفِّذ أحكامه، فيجب عليه أن يوفي بهذا الارتباط، ولا يتعدَّى حدودَ الله سبحانه، فإن خرجَ عن أمر ربِّه فقد نكث عهدَه ونقض عقدَه مع ربه، الذي أشار إليه بالخطاب بوصف المؤمنين.

الثاني: العهود التي عاهد عليها المؤمن نفسه، بأن يرتبط المؤمن بيمين يحلفه، أو بنذر ينذره أن يفعلَ خيراً أو يكفَّ عن شر، فالارتباط باليمين أو النذر عقدٌ بين الحالف أو الناذر وبين نفسه، وقد أوجب الله تعالى عليه أن يوفي بهذا العقد. 

ودلَّت السنة وقواعد الشريعة العامَّة على أنَّ عقد الإنسان مع نفسه إنما يجب الإيفاء به إذا لم يؤدِّ إلى نَقْض عهده مع ربِّه بأن كان الحالف على فعل خير، أو كفٍّ عن شر، وكان النذر لقربة أو أي بر، وأما إذا حلف على ارتكاب جريمة أو استباحة محرم، أو نذر ترك واجب أو فعل منكر، فهذا عقد لا يجب الإيفاء به، بل يجب نقضُه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» [أخرجه مسلم وغيره].

الثالث: العقود التي يَعقدها المؤمنون بعضهم مع بعض من بيع وإجارة ورهن وشركة ونحوها من عقود المعاملات والزواج وغيرها، فعلى كل مؤمن إذا ارتبط مع آخر بعقد أن يفي بمقتضى هذا العقد وينفِّذ أحكامه ما دام العقدُ صحيحاً شرعاً ولا يؤدي إلى نقض المؤمن عهده مع ربِّه.

وأما إذا كان عقدُ المؤمن مع غيره يتضمَّن نقضَ عهده مع ربه، فلا يجب الإيفاء به بل يجب أن لا يوفى به؛ فإذا كان العقد على أكل مال الناس بالباطل، أو على رشوة أو على ارتكاب جريمة، أو يتضمَّن تحليلَ ما حرَّم الله أو تحريم ما أحلَّه، فهذا يجب نكثه وترك الوفاء به، وكذلك إذا كان عقداً مَنهياً عنه، فقد ورد في السنَّة: (نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر) [أخرجه مسلم]، (نهى عن بيع ما لا يملك) [أخرجه الطبراني]، (نهى عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه) [أخرجه مسلم]. 

فالعقود الواجب الإيفاء بها هي العقود الصحيحة شرعاً التي لا تتضمَّن نقض عهد مما عاهد عليها المؤمن ربَّه، وقد ورد في الحديث: (المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرم حلالاً) [أخرجه أبو داود وغيره]، ويعبِّر عن هذا علماء القانون المدني الوضعي: الالتزام بسبب غير مشروع.

الرابع: العقود التي تعقدها الدولة الإسلاميَّة مع غيرها من الدول في السلم أو الحرب، فإذا تعاقدت دولة إسلاميَّة وأي دولة أخرى على أحكام في سلم أو حرب وجب على دولة المسلمين أن توفي بعقدها ما دام عقدها صحيحاً شرعاً، ولا يتضمَّن تحليلَ محرَّم أو تحريم حلال.

ومن هذا يتبين أنَّ سبب الالتزام شرعاً هو ارتباط المسلم مع ربه بأن يقوم بما كلَّفه به، أو ارتباطه مع نفسه بأن يحلف على فعل أو كف عن فعل، أو ينذره، أو ارتباطه مع غيره بعقد بعوض أو بغير عوض. 

وكل هذه أسباب صحيحة شرعاً للالتزام توجب شرعاً على الملتزم أن يوفي بموجبها، وتنظمها كلمة العقود في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ] {المائدة:1}. 

والقرآن الكريم لم يقتصرْ على هذا الأمر العام، بل خصَّ كلَّ سبب من هذه الأسباب بالأمر بالإيفاء بموجبه للدلالة على عناية الإسلام بالإيفاء بالالتزام، فقال تعالى في سورة النحل: [وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا] {النحل:91}. وقال سبحانه في سورة الإسراء: [وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا] {الإسراء:34}. وقال تعالى في سورة الحج: [وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ] {الحج:29}. وقال جلَّ وعلا في سورة المائدة: [لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ] {المائدة:89}. وقال سبحانه في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: [وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ] {محمد:33}.

فآيات القرآن الكريم مُتضافرة على إيجاب احترام العقود والعهود من أفراد المؤمنين وجماعاتهم، ومبادئ الإسلام ناطقة بأنَّ أحقَّ هذه العقود بأن يوفي بها عقد المؤمن مع ربه، وأنَّه إذا كان عقده مع نفسه وعقده مع غيره يعارض ما يَقتضيه عقده مع ربه، وجب عليه أن يوفي بما عاهد عليه ربَّه ويترك الوفاء بما عاهد عليه نفسه أو غيره.

قال الإمام أبو بكر الرازي المعروف بالجصَّاص المتوفى سنة 370هـ في كتابه في تفسير آيات الأحكام: (العقد ما يَعْقده العاقد مع نفسه على أمر يفعله هو، أو ما يعقده مع غيره، ويسمى اليمين على المستقبل عقداً؛ لأنَّ الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من فعل أو ترك، وكذلك العهد والأمان، لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها، وكذلك كل شرط شرطه الإنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد، وكذلك النذر وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك، وقد اشتمل قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ] {المائدة:1} على كل ذلك وعلى إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي يعقدها لأهل الحرب، وأهل الذمة، والخوارج وغيرهم من سائر الناس، وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأَيْمان). 

ثم قال - وما أصوب ما قال - : (ومتى اختلفنا في جواز عقد من العقود أو فساده، أو في صحة نذر ولزومه، صحَّ الاحتجاج على جوازه ولزومه بعموم قوله سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ] {المائدة:1}.

ومقتضى هذا أنَّ الأصل في كل عقد يَعقده المؤمن مع نفسه أو مع غيره أن يكون مُوجباً عليه الإيفاء به، إلا إذا قام الدليل على أنَّه عقد غير مُلزم، لفساده شرعاً، أو لتضمنه تحليل محرَّم أو تحريم حلال. فمن حكم على عقد من عقود التأمين أو أي عقد تجاري بأنَّه فاسد أو يتضمَّن نقض عهد المؤمن مع ربه فعليه أن يُبين الدليل الصحيح على حكمه، فإن لم يقم الدليل الصحيح فالعقد واجب شرعاً الإيفاء به؛ لأنَّ الأصل في العقود صحتها ووجوب الإيفاء بها عملاً بعموم قول الله سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ] {المائدة:1}.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

الحلقة السابقة هـــنا

المصدر: (مجلة لواء الإسلام، العدد الثامن، المجلد الثاني، ربيع ثاني 1368 يناير 1949).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا