السبت 28 شوال 1443 - 28 مايو 2022

جدل النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين

الأربعاء 15 صفر 1443 - 22 سبتمبر 2021 858 العلامة محمد أبو زهرة

 

دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه بالحسنى ، وبين لهم عقيدة الإسلام بالتي هي أحسن ، ويقول ابن جرير الطبري في تاريخه : صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله ونادى قومه بالإسلام ، فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه ، ولم يردوا عليه بعض الرد ـ فيما بلغني ـ حتى ذكر آلهتهم وعابها ، فلما فعل ذلك ناكروه ، وأجمعوا على خلافه وعداوته : إلا من عصم الله منهم بالإسلام ، وهم قليل مستخفون . ويفهم من هذا أن المشركين عندما ناداهم بالدعوة أعرضوا ونفروا ، ولكن لم يظهروا عداوة ، ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لاحظ ذلك الإعراض ، فأراد أن يجذبهم إلى مناقشته والمناقشة محك الصواب ومخبار الحقيقة ، فذكر آلهتهم وبيَّن بطلان عبادتها ، فأقبلوا مجادلين ، ولكن الجدل باللسان أعزهم وهم القوم الخصمون ، فعمدوا إلى الاستهزاء والسخرية وأغروا السفهاء به صلى الله عليه وسلم ، ثم انتقل الأمر من جدل ومقارعة بالحجة إلى اضطهاد ومقاطعة للنبي صلى الله عليه وسلم مما تعلم أمره في السيرة النبوية.

وهنا نذكر لك شيئاً من جدلهم له عليه الصلاة والسلام يصور لك حالهم و يبين مآلهم:

جاء في سيرة ابن هشام أن المشركين عندما ضاقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وذهبت معه كل حيلة لهم ، بعثوا إليه ليكلموه ويخاصموه ، فجاء إليهم عليه الصلاة والسلام فقالوا له : يا محمد إنا قد بعثنا إليك ، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام ومزقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت إنما  تطلب الشرف فينا فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك بذلك لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم : ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتابه ، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً ، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ، قالوا يا محمد : فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا اقل ماء ولا أشد عيشاً منا ، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليفجر لنا فيها أنهار كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا! فقال لهم صلى الله عليه وسلم : ما بهذا بعثت إليكم ! : إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به غليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم بيني وبينكم ، قالوا : فإذا لم تفعل فسل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ، وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة ، يعينك بها عما تراك تبتغي . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسال ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم ، قالوا : فأسقط علينا كسفاً كما زعمت أن ربك لو شاء لفعل ، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل ، قالوا : يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به.

هذا ما ذكره ابن هشام . وقد رأينا في القرآن الكريم رداً على كل ما قالوه ، وقد كان يتلوه بين ظهرانيهم صباح مساء ، ويعلمهم أنه آية نبوية ومعجزة رسالته ، وقد حكى الله تعالى مطالبهم والرد عليها في سورة الإسراء إذ قال تعالت كلماته :[وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا(90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلَائِكَةِ قَبِيلًا(92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا(93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا(94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا(95) قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(96)]. {الإسراء}. .

ونرى من هذا أنهم ينساقون وراء مطالب لا يقصدون بها إلا تعجيز النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي يرد الحجج بالقرآن ويبين لهم أنه الحجة القائمة عليهم ، فإن أتوا بمثله بطلب كل دعوى يدعيها ، وإذا لم يأتوا وعجزوا وجب أن يسلموا بكل ما يدعي.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بالقرآن ويتلوه على مسامعهم فيرون فيه رداً قاطعاً لهم ومعلماً قائماً يثبت عجزهم فقالوا كما حكى الله عنهم في قوله تعالى :[وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآَنِ وَالغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] {فصِّلت:26} . ولكن القرآن الكريم كان يجذبهم إليه ويجدون في أنفسهم شوقاً ملحاً إلى سماعه.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: مجلة الهداية الإسلامية المجلد 11 شعبان 1357هـ.

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا