الثلاثاء 16 شوال 1440 - 18 يونيو 2019

العيد - سنة الأعياد

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 837

العيد ـ 1 ـ

الشيخ: محمد البنا

سنة الأعياد في الإسلام، الجد والبر، وإسداء المعروف، وصفاء النفس، والفرح المستساغ الذي لا يخرق سياج الفضيلة، ولا يتجاوز حدود السكينة، ولا يشوبه نزق ولا طيش، ولا تخالطه سيئة أو منكر.
والمسلمون يرون العيد فترة من الزمن تتيح لأنفسهم صفاءها، ولقلوبهم طهرها، فيستقبلون هذه الفترة هانئين مستبشرين، ويتلقونها مرحين مغتبطين، ويجمعون أسباب سرورهم وبهجتهم مما أباحه لهم دينهم ورسمه رسولهم صلى الله عليه وسلم، وكذلك أدب الإسلام أهله، فهم لا يخرجون عن أدبه ولا يخالفون عن أمره، وقد كان الناس من قبل لا يرون في الأعياد إلا نهزة يطلقون فيها عنان اللذات ويقترفون فيها ما شاءوا من المنكرات، لا تردهم فضيلة، ولا يردعهم عقل، وكل ما سولته نفوسهم في هذه الأيام سائغ، وما صوره خيالهم جائز!! فكأنما كانت الأعياد انطلاقاً من كل قيد، وتمرداً على كل أمر ونهى!، وصورة هذه الأيام عند الناس صورة لا تبتهج بها أنفس العقلاء، وتزدريها كل نفس فاضلة! ولكن الإسلام حوَّل هذه الصور إلى مظاهر محبوبة، ومناظر جليلة مطلوبة وبحسب المرء أن يستطلع بعض أمثلة من الأعياد في القرون الخوالي، ليعرف فضل الإسلام في التهذيب وترقية النفوس، وتحويل العادات إلى منافع للبشرية، يسعد الناس بها، ويعيشون العيشة الراضية في ظلها، وكان ذلك في دأب المسلمين حتى في العصور المتخلفة لا يرضون بديلاً في أعيادهم عن أدب الإسلام، ولا يصرفون أنفسهم عن هداية الإسلام ولقد تحدث المؤرخ المعروف >هيردوت< عن بعض أعياد المصريين فقال: إن المصريين كانوا يزعمون أن النيل بمصر لا يزيد في كل سنة حتى يلقى فيه النصارى تابوتاً من خشب فيه إصبع من أصابع أسلافهم، ويكون ذلك اليوم عيداً يرحل إليه الناس من جميع القرى، ويركبون فيه الخيل، ويلعبون عليها، ويخرج جميع أهل مصر على اختلاف طبقاتهم، وينصبون الخيام على شطوط النيل وفي الجزائر، ولا يبقى مغن ولا مغنية ولا صاحب لهو، ولا رب لعب، ولا ماجن ولا خليع، ولا فاتك ولا فاسق، إلا يخرج لهذا العيد، فيجتمع عالم كثير لا يحصيهم إلا خالقهم، وتصرف أموال لا تحصر، ويُتجاهر هناك بما لا يحتمل من المعاصي والفسوق، وتثور فتن، ويقتل أناس ويباع من الخمر خاصة في ذلك اليوم ما تزيد قيمته على مائة ألف درهم!! وهذه كانت صفة عيدهم!!

وقد انبرى لمصادرة هذه الصفة الممقوتة رجل مسلم هو الأمير بيبرس، عرف معنى الأعياد والمقصود منها، مما رأى من هيئآتها الجميلة النافعة التي شرعها الإسلام وسار عليها المسلمون، وقد ثارت حميَّة الفضيلة الإسلامية في نفسه، فمنع هذا العيد وأمثاله، وشدد في المنع، وحارب تلك العادات الزائفة والمنكرات الشائعة، وغيرها تغييراً، ويقول المؤرخون إن هذا الأمير كان عنده رجل كاتب من القبط، يعرف بالتاج بن سعيد الدولة، قد احتوى على عقله، واستولى على جميع أموره، فمشى إليه القبط في ذلك، فتكلم مع مخدومه بيبرس، وقال له: متى لم يعمل العيد لا يطلع النيل أبداً، ويخرب إقليم مصر! وأكثر عليه من هذا التمويه وتنميق المكر، فثبت بيبرس وأصر على رأيه، واستمر في منع العيد على هذه الصورة المنكرة، وقال للكاتب الذي أراد أن يغريه بهذه المحظورات: إن كان النيل لا يطلع إلا بانتهاك الحرمات فلا يطلع، وإن كان الله سبحانه هو المتصرف فيه يطلع، وبطل ذلك العيد العابث المستهتر من تلك السنة بقوة الإرادة، التي دفعت الأمير المسلم أن يحمي حمى الفضيلة، وأن يحارب ما تفشى الناس من الرذيلة، وما انغمسوا فيه من حمأة الضلال المبين! وكيف يكون لهذا الأمير أو مثله أن يسكت على هذه الموبقات، وعهده بالأعياد في الإسلام طهارة وعفة ومودة ورحمة؟

وقد رأى من أعياد الإسلام عيد الفطر، وهو من أجلها أثراً وأكبرها ذكراً، يحتفل فيه المسلمون على اختلاف أجناسهم وتباين أوطانهم، تفيض وجوههم بشراً، وتلهج ألسنتهم لله ذكراً وشكراً، وتنطلق أيديهم خيراً وإحساناً، وتمتلئ قلوبهم براً وحناناً، يوقظ في المسلمين شعورهم بوحدتهم، ويذكرهم بقبلتهم، وينبه فيهم ما حمل الإسلام للناس من رحمة، وما هداهم إليه من تضامن ووئام.

وما أجمله منظر حين يلقى المسلمون بعضهم بعضاً في أحسن هيئاتهم وأجمل مظاهرهم متصافحين مسلمين، متعانقين مهنئين، مجتمعين في بيوت الله خاشعة قلوبهم لمن تعنو له الجباه.

وهنا تتجلى حكمة الإسلام وإصلاحه للمقصود من الأعياد، في هذا العيد الميمون، إذ تتجدد القلوب على الحب والخير، وتتآلف على التقوى والعمل الصالح، ويهدي الله النفوس أن تنزع غلها، والصدور أن تطرح غيظها، ويعلمها أن تبتهج وتنسى العداوة في أيام معلومة وأوقات معروفة مرسومة، وأن يكون مظهر ابتهاجها صفاء وسلاماً، وألفة ووئاماً، وأن يشترك الناس في مائدة الله التي أنزلها لعباده، ليكون لكل فيها نصيب معلوم وحظ مقسوم.

بهذا ارتفعت أعياد الله من أن تكون فرصاً ترضي الأهواء الجامحة، وتشبع النزوات الجائحة، وخلصت لأنبل الأغراض التي لا تعرفها أعياد البشر، وأسمى الغايات التي ضل عنها بنو الإنسان ! فالفرح فيها وسيلة التطهير، والابتهاج طريق التفكير.

وإن في العيد معنى من معاني الحرية التي نزل عنها العبد طائعاً مختاراً لله الواحد القهار، واهب النعم ودافع النقم سبحانه، وما أحب الحرية إلى النفوس وكم يجاهد الإنسان في سبيلها إذا سلبها منه مخلوق جبار، أو حاف عليها متسلط عنيد، فهو يجاهد ويستبسل لاسترداد ما سلبه البشر، وامتلاك ما نزعه الجبارون. ولكنه حين يحكم عليه رب الأرض والسموات، الذي تعنوا له الجباه، يقبل حكمه ويرضى بقضائه، فما أجلها عبادة، وما أكمله نسكاً، حين يخرج المسلم من ضيق إلى سعة، ومن حرج إلى بحبوحة، فيشعر أن هذا الضيق كتبه الله العادل الحكيم، وهذه الحرية منحها العزيز الغفار، فيخضع له عبداً ذليلاً، ويشكره حراً طليقاً، ويسأله المزيد من نعمة الحرية، ويبتهل إليه سبحانه أن يخلصه من ذل العبودية.

فلهذه المقاصد الكريمة، والمناحي النبيلة العظيمة’ يحتفل المسلمون بعيد الفطر المبارك، أفراداً وجماعات، فيشكرون الله على ما منحهم من صبر كريم، وجلد عظيم، فسيطروا على أعنف النزعات! وأشدها سلطاناً وأقواها مراساً، وغلبوا الدوافع الغلابة التي ركزت في الطبيعة البشرية، فكان جهادهم عظيماً، وبلاؤهم شريفاً كريماً وإنه لحظ عظيم، وفضل كبير، أن تمنح القدرة على أهوائنا والسلطان على نزعاتنا، فنوجهها إلى حيث يهديها الله إلى السبيل القويم، والطريق المستقيم، فإنما الضعف كل الضعف حين تغلب الشهوات، وتسيطر النزعات، ويتشابك الرأي والهوى، وتتنازع الحكمة والأغراض الزائفة، وتجذب الصغائر أصحابها من حالق لتهوي بهم إلى قرار سحيق!! هنا يمتاز الأقوياء، وينكشف الضعفاء، ويظهر للملأ أولئك المغرورون في أنفسهم، المخدوعون بعقولهم، الذين استبدت بهم الكبرياء وطغت على قلوبهم الغلواء، فأذاقوا إخوانهم في الإنسانية نكالاً وجحيماً، وجعلوا حياتهم عذاباً أليماً.

إن أولئك لم ينتفعوا بما جاء به الإسلام من علم، وما شرع من سيرة وأخلاق، ولم يبالوا رضا جبار السموات والأرض، ولم يحذروا بطشه حين يبطش بالجبارين القاهرين !

والناس جميعاً يعلمون أن مظاهر الأعياد عند المسلمين تخالف تلك المظاهر التي ألفها الناس في أعيادهم فقد انقلبت مظاهر اللهو والعبث إلى مظاهر الرحمة والإيثار، فليس فرح المسلمين في أعيادهم فرح لعب واستهانة بالقيم الأخلاقية، تقتحم فيه الحرمات، وتنتهك الأعراض، وتشرد فيه العقول بل تسلب، وتقفل فيه القلوب بل تذهل، وإنما هو فرح وزينة وعبادة، يجمع بين حظي الجسم والروح، ويبقى مع المعاني الفاضلة التي كسبها الإنسان في شهر رمضان، والتي ترفعه إلى أسمى ما ينبغي أن تتجه إليه الإنسانية الفاضلة.

فما أجل منظر المسلمين، وهم يذهبون إلى مساجدهم صبيحة يوم العيد، يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل والصلاة على البشير النذير صلى الله عليه وسلم
ويكون هذا أكبر احتفال لهم في طريقهم وفي مسجدهم وفي أنديتهم، وما أجمل تلك الجماعات تقام في الفلوات تؤدي صلاة العيد، فيرتفع دعاؤها من الأرض، ويدوي في أجواز الفضاء ! هنالك يعلم الناس أن الإسلام وجَّه الإنسانية وجهة روحانية وطهرها من رجس الوثنية، و هداها إلى الدين الخالص للواحد الديَّان، وارتقى بالناس إلى أسمى مكان يليق بالإنسان.

يوم الفطر هو أول يوم يشعر فيه المؤمن بالفرح يملأ جوانبه، والبشر ينعش نفسه! وليس ذلك الفرح وهذا البشر لشيء من حطام الدنيا وأغراضها، أو لنيل النفس أملاً من آمالها، ولكنه الفرح الذي يعمم نفوس الفضلاء من عباد الله، الذين تسرهم المعاني والأخلاق، أكثر مما تسرهم المآرب والملذات، فهو غبطة بأداء الواجب، والقيام بالواجب والإيمان بحسن الجزاء، عاملان قويان في سعادة الفرد والمجتمع، ففي القيام بالواجب طمأنينة النفس، وراحة الضمير، وانشراح الصدر، وقوة العزيمة، وإدراك للسمو الروحي، الذي يجعل الخير كله في الإخلاص في العمل، فيبذل العامل جهده في أداء واجبه، لأنه واجب وكفى، لا يأبه لشيء  آخر سوى هذا المعنى. ولا ينظر نظرة أخرى تنخفض به عن هذه الدرجة، درجة المخلصين الذين لا يدفعهم إلى عملهم إلا التفاني في إخلاصهم.

وجدير بالمسلمين أن يتنبهوا إلى ما في أداء الواجب من سعادة وطمأنينة، وأن يعرفوا أثره في المجتمع، ليعرفوا المعنى الذي شرع الله من أجله عيد الفطر بعد أداء فريضة الصيام، فمن صام رمضان إيماناً واحتساباً، وأدى ما فيه من الأمانة التي جعلها الله في أعناق عباده المؤمنين، ثم مد يد المعونة للمحتاجين بأداء زكاته، كان جديراً أن يجني ثمار العيد، وأن يحتفل به مغتبطاً مستبشراً، وأن يقابل الناس وهو راض عن عمله، فخور بقوة نفسه، عزيز بعزة الإسلام، قوي بقوة المسلمين.

وليعلم أن الله بدأ الفرح بالعيد بدءاً طاهراً سعيداً، فقد بدأه بالعبادة، وإحياء ليلة العيد بالابتهال والذكر، والاستغفار والفكر، فمن أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مجلة لواء الإسلام العدد الثاني من السنة السادسة عشرة (1381هـ=1961م

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا