الاثنين 25 رجب 1442 - 8 مارس 2021

تحت راية الإسلام

الأحد 17 رجب 1437 - 24 أبريل 2016 910 للدكتور إحسان شن أوجاق

 

تعلَّمنا من سيرة الرَّسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الإيمان إنْ كان موجودًا في القلب فلا عذر لأحدٍ لعدم العمل والجهاد والدَّعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لأنَّه بدأ الدَّعوة في مكَّة حيث كان مستضعفًا ثمَّ هاجر إلى يثرب التي أصبحت مدينةً منوَّرةً بقدومه، واعتزل من النّظام الإلحاديِّ فكرًا وعقيدةً، وبدَّل الحياة من الحياة المريضة السَّقيمة إلى الحياة السَّليمة المعافاة، وعاش في مكَّة بين الأصنام صورةً وكان مع الله حقيقةً، ثمَّ أسَّس النِّظام الجديد الذي امتاز "بالرَّبانيَّة والإنسانيَّة" عن النُّظم كلِّها، فالتَّاريخ البشريُّ شاهد أنَّ الإسلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ربَّانيٌّ من جهة قوانينه، وإنسانيٌّ وإصلاحيٌّ من جهة مُوافَقَةِ قوانينه مصالح البشريَّة.

واجه هذا النَّظام الجديد موانعَ كثيرةً أغلقت طريقه الانقلابي، وأحاطت به من كلِّ الجهات الدَّاخليَّة والخارجيَّة، وأشدُّ هذه الموانع وقوفًا في وجهه داخليَّةً أمثال شهوة النَّفس، والعصبيَّة، وحبِّ الجاه، وخارجيَّةً أمثال النُّظم الإلحاديَّة والشركية وعملائها. 

دعا الله رسولَه وأصحابَه مِن السَّابقين الأوَّلين مِن المهاجرين والأنصار أن يتخطوا هذه الموانع الدَّاخليَّة والخارجيَّة بالصَّلاة وبالجهاد وبالصَّدقات: ?اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ? [العنكبوت:45]، ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ? [البقرة:193]، ?فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ? [البلد:11-16].

إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

الرَّسول صلى الله عليه وسلم عالج هذه الأمراض الخارجيَّة، وحمى الإسلام من أعداء الخارج، وفتح الطُّرق والعقول، وأنشأ أمثال أبي بكرٍ وعمرَ، ولم يكتفِ بهدم الأصنام فحسبُ بل أحكم التَّوحيد في القلوب والعقول، ولم يقتصر على كلمة "لا إله" نفيًا لآلهة المشركين، بل أثبت بــ "إلا الله" تأكيدًا على وحدانيَّته سبحانه وتعالى، وجاهد لتكون كلمةُ الله هي العليا طول بعثته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

لـمَّا هاجر الصَّحابة إلى المدينة أخذت الموانع الدَّاخليَّة والأمراض النَّفسانيَّة تحاول العودة إلى قلوب المهاجرين، فأخذ الشَّوق يتحرَّك في قلوبهم إلى مكَّة ومن بها، فبعضهم ترك أسرته كاملةً، وبعضهم ترك زوجته لوحدها، وبعضهم ترك أمواله كلَّها وراء ظهره، فهم في كلِّ يومٍ يزداد شوقهم لمكَّة ويقولون في أنفسهم: بعد زوال الموانع بإذنه تعالى سنعود إلى مكَّة مباشرةً، لكنَّ الله عزَّ وجلَّ أراد أن يُطهِّر قلوبهم من حبِّ العصبيَّة، والأرض، والأسرة بإطالة  مدَّة الهجرة إلى الفتح لإطفاء حبِّ كلِّ شيءٍ في قلوبهم سوى محبَّة الله تعالى، ويبقيَ في قلوبهم الإيمان والعقيدة والأخوَّة الإسلاميَّة بإشعال سراج الأخوة الإسلاميَّة فيها.

رايتان

بعد ظهور شمس الهداية الرَّبانيِّة تشكَّل صفَّان: صفُّ الإسلام وصفُّ الجاهليَّة، صفُّ الحقِّ وصفُّ الباطل، وتفرَّق النَّاس إلى فرقتين: فرقةٍ تحت راية سيِّد الخلق محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وفرقةٍ تحت راية الشِّرك والمشركين.

الحقُّ بيِّنٌ والباطل بيِّنٌ، ولكن بعض المسلمين ينزلق ويميل من الحقِّ إلى الباطل بتأثير الأمراض الدَّاخليَّة والخارجيَّة مع كونهم مخلصين. 

ها هو الصَّحابيُّ حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وهو مؤمنٌ مهاجرٌ بدريٌّ، وقريبٌ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أظهر له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم نيَّته في التَّوجه إلى مكَّة التي أخفاها عن أكثر أصحابه؛ لئلَّا يصلَ الخبرُ إلى مكَّة، حاطبٌ لفرط حبِّه لأسرته كتب رسالةً يخبر بها قريشًا عن قُدُومِ جيش محمدٍ صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل بالخبر وبعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مباشرةً عليًا وبعض أصحابه، فقال عَلِيٌّ رضي الله عنه: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ المُشْرِكِينَ، مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ» فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْنَا: الكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعَنَا كِتَابٌ، فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِدَّ أَهْوَت الى حُجْزَتِهَا، وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتْهُ، فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ» قَالَ حَاطِبٌ: وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لاَ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ وَلاَ تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا» فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟» فَقَالَ: " لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ، أَوْ: فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ [أخرجه البخاري في صحيحه برقم 3983 من حديث علي بن أبي طالب]. 

وهذه اليد لا تدفع بنفسها

الله عزَّ وجلَّ أجاب دعاء نبيِّه صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ خُذْ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، فَلَا يَرَوْنَا إِلَّا بَغْتَةً، وَلَا يَسْمَعُوا بِنَا إِلَّا فَجْأَةً» [البداية والنهاية:6/518] فأخبر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بما صنع حاطبٌ؛ إجابةً لدعائه وإمضاءً لقَدَرِه في فتح مكَّة. 

أراد حاطبٌ أن تكون له عند قريشٍ يدٌ يدفع بها السوء عن أهله وماله، فهو اطلع أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الله دافعٌ، وهذه اليد لا تدفع بنفسها، إنَّما يدفع الله بها.

من هذا الضيق المحلي إلى الأفق العالمي

لم يشهد التَّاريخ معالجةً كالتي شهدها من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كيفيَّة معالجته لأواصر القرابة التي في حاطب بن أبي بلتعة، حيث عامله بكلِّ هدوءٍ حتى إنَّه صلى الله عليه وسلم أخذ يهدِّئ غضب أصحابه ويمنعهم عن حاطبٍ، وحاطبٌ بفعله هذا كاد أن يميل إلى طرف أسرته وقبيلته، إلَّا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أعانه على النُّهوض من عَثرته هذه، وأخذ بيده ولم يطرده ولم يدع أحدًا من الصَّحابة أن يتعرَّض له، ولـمَّا شاهد عمر بن الخطَّاب هذا التَّصرف النَّبويَّ الذي أخرج حاطبًا من هذا الضِّيق المحلي إلى الأفق العالمي فاضت عيناه من الدَّمع. 

ثم عالج القرآن الكريم مرض العصبيَّة والميل إلى أواصر القرابة بقوله: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ? [الممتحنة:1].

دعا القرآن الكريم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإذعان والاستماع بهذه التَّعليمات الخالدة التي تُعلن أنَّ عدوَّ الله عزَّ وجلَّ وعدوَّ المؤمنين واحدٌ، وبعث فيهم الحياة الحقيقيَّة، وأراهم موقف أعدائهم الصَّحيح ببصائرهم وأبصارهم وأظهر ما أضمروه لهم من الحقد والمكر بقوله: ?إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ? [الممتحنة:2].

فالعصبيَّة وأواصر القرابة ورغائب النُّفوس وأهواء القلوب من حبِّ المال التي ألجأت بعض الأئمَّة والقضاة والمشايخ إلى خيانة المسلمين من خلال الالتواءات النَّفسيَّة وعصبيَّة الجماعات كما ساقت حاطبًا إلى خيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تنفعهم يوم الفصل بشيءٍ، وهذا ما أكَّد عليه القرآن الكريم: ?لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ? [الممتحنة:3].

الكفر بهم والإيمان بالله

فجاء التَّنبيه مِن الله عزَّ وجلَّ لهذه الأمَّة بفعلة حاطبٍ؛ من أجل الابتعاد عن سبب خيانته، وجعل له ولنا قدوةً حسنةً نقتدي بها، وتكون لنا حصنًا حصينًا من العصبيَّات وبراءةً من الكافرين؛ ألا وهي موقف سيّدنا إبراهيم عليه السَّلام حيث تخلَّى عن العصبيَّة وأواصر القرابة قال الله تعالى: ?قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ ? [الممتحنة:4] وهو الكفر بهم والإيمان بالله تبارك وتعالى. 

المسلمون في مصر، وفي سوريا، وفي العراق، وفي تركيا وفي بلاد المسلمين قاطبةً الذين هم في صورة حاطبٍ، إن اضطروا إلى التَّرجيح بين إخوانهم والكافرين، وأرادوا أن يختاروا صفَّ الإسلام بلا ترددٍ فعليهم الاقتداء بخليل الرَّحمن وأبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السَّلام الذي قال لقومه مع وجود أبيه بينهم: ?كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ? [الممتحنة:4].

إن يتَّخذ المسلمون أعداءَ الله وأعداءَهم أولياءً، ويساعدوهم كما فعل حاطبٌ: ينجح حاطبٌ المعاصر وبمن يساعدهم من أعداء الله وينهزم المسلمون، حاطبٌ ما فعل فعلته هذه إلَّا ليحمي أسرته، ولكن هل وظيفة المسلم أن يحفظ أسرته على حساب المسلمين وحساب الدَّولة الإسلاميَّة؟ أم يجب عليه أن يحفظ الأمَّة الإسلاميَّة التي فيها أسرته ولو على حساب أسرته، هذا ما يدَّعيه بعض المسلمين في أنحاء العالم حيث يسوِّغون لأنفسهم الخيانة والوقوف مع القُوى الدُّوليَّة في سبيل الإبقاء على مدارسهم وجامعاتهم على حساب الأمَّة بمواقفهم الكاذبة الخائنة.

أيقظ الله عزَّ وجلَّ بحاطبٍ كلَّ المهاجرين الذين خرجوا من أوطانهم ابتغاء مرضاة الله بقوله: ?إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي? [الممتحنة:1] فلا تتَّخذوا عدوي وعدوكم أولياء.  

لـمَّا أيقظ الله عزَّ وجلَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبات العصبيَّة ابتعد الأصحاب رضوان الله عليهم عن كلِّ شكلٍ من أشكال العصبيِّة، حتى إنَّهم كانوا يتحرَّزون من ثيابهم أن تلزق بثياب المشركين ومن أبدانهم أن تمس أبدان المشركين.

إيمان أسماء

ها هي أسماء بنت أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنها عندما أتت أمُّها المشركة المدينةَ لتزورها بعد غيابٍ دام مدَّةً طويلةً، وأرادت أيضًا أن تهدي لابنتها شيئًا بعد هذا الغياب، ولكنَّ أسماء بنت أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنها رفضت الزِّيارة والهديَّة مع حسرةٍ لامست قلبها، في هذا الموقف الحرج الصَّعب على كلا القلبين - قلبِ الأمِّ التي تشتاق لفِلْذَة كبدها، وقلبِ البنت التي تشتاق لحنان أمِّها - وسألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم هل يجوز لي أن أصل أمي المشركة؟ وهل يضر استقبالي لها بحبي لله ولرسوله؟ فجاء الجواب من الله عزَّ وجلَّ: ?لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ? [الممتحنة:8].

صورتان متضادَّتان

لقد سجلَّ التَّاريخ لنا مواقف عجيبةً في سبيل الدَّعوة الإسلاميَّة والتَّضحية من أجلها، ومن هذه المواقف أن تترك النَّساء المسلمات أوطانهنَّ فارَّاتٍ بدينهنَّ وتاركاتٍ أزواجهنَّ وأولادهنَّ مهاجراتٍ إلى الله ورسوله، ومن هؤلاء المسلمات المهاجرات السَّيدة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي خرجت من مكّة وحدها، حتى قدمت في الهدنة، فخرج في أثرها أخواها فقدما ثاني يوم قدومها، فقالا: يا محمد، شرطنا أوف به، فقالت أم كلثوم: يا رسول اللَّه أنا امرأة وحال النِّساء إلى الضَّعف، فأخشى أن يفتنوني في ديني ولا صبر لي [انظر الإصابة في تمييز الصحابة:8/463]، فنقض الله العهد في النِّساء: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ? [الممتحنة:10].

وفي المقابل ترى النِّساء الكافرات يتركنَ دار الإيمان ورعاية الإسلام، ويرضينَ بالكفر ودار الزَّوال والفناء: ?وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ? [الممتحنة:11]. 

فهاتان صورتان متضادَّتان بين النِّساء المسلمات اللواتي يتركنَ أوطانهنَّ من أجل الإسلام، وبين النِّساء الكافرات اللواتي يرضينَ بالكفر والكفار، كأنَّهما تصوِّران لنا صورة الانقلاب الإسلاميِّ القائم على الإيمان وحده لا على اللون والدَّم والعصبيَّة، ولـمَّا تمايز الطَّرفان، طرفُ الكفر وطرفُ الإيمان قال الله تعالى منبِّهًا لنا: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ? [الممتحنة:13].

لا يوجد في صدر المسلم ولا لغيره من بني آدم قلبان مؤمنٌ بأحدهما ومنافقٌ بالآخر قال الله تعالى: ?مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ? [الأحزاب:4] كلُّ الأنبياء دعوا المسلمين أن تبتعد قلوبهم عن أواصر القرابة والعصبيَّات، وخير قدوةٍ لنا أبو الأنبياء وإمام الأنبياء في إبطال دعوة العصبيَّة سيدنا إبراهيم عليه السَّلام الذي ترك كلَّ أقربائه حتى والده في سبيل دعوة الحقِّ، وكأنَّ الصَّحابة رضوان الله عليهم يسمعون صوت أبي الأنبياء وإمام الأتقياء المجلجل ضدَّ النَّمرود عند اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ?إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ? [الممتحنة:4].

لـمَّا اقتدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيِّدنا إبراهيم عليه السَّلام، وقالوا لأقربائهم من المشركين: "كفرنا بكم"، أكرمهم الله تعالى بإيمان أهليهم ودخولهم تحت ظلِّ راية الإسلام كما وعدهم الله تعالى في القرآن: ?عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ? [الممتحنة:7].

وصدق الله وعده ودخل صناديد قريشٍ تحت راية الإسلام أمثال أبي سفيان وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، فعلمنا علم اليقين أنَّنا إن نسلك طريق أبي الأنبياء إبراهيم عليه السَّلام في الابتعاد عن العصبيَّات يفتح الله لنا الطَّريق ويزيل من أمامنا الموانع الدَّاخليَّة والخارجيَّة ويستخدمنا في تأدية أمره وإعلاء كلمته: ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ? [البقرة:193].

تعالوا نكن أمةً واحدةً تجاهد في سبيله صفًا كأنَّها بنيانٌ مرصوصٌ، يُجِب ربُّنا تبارك وتعالى دعاءنا كما أجاب دعاء خليله إبراهيم عليه السَّلام: ?رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ? [الممتحنة: 5-4].

المصدر : المجلة الحميدية ، العدد الأول

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا