الخميس 14 صفر 1442 - 1 أكتوبر 2020

مؤتمر ابن رشد في كلية الإلهيات بسيواس - ـ

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 2296
رحلة إلى استانبول وسيواس
مؤتمر ابن رشد في كلية الإلهيات بسيواس

بقلم الأستاذ حمزة البكري
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد:
فهذه مذكراتي حول رحلتي إلى إستانبول وسيواس من بلاد تركيا:
ليلة الأربعاء (10 شوال 1429 ــ 9/10/2008) انطلقت الطائرة من عمَّـان، وهبطت في إستانبول قبيل الشـروق من صباح يوم الأربعاء، وبعد ثلاث ساعات تقريباً ركبتُ طائرةً ثانيةً من إستانبول إلى سيواس، ووصلتها قبل الظهر من ذلك اليوم نفسه.
وسيواس مدينة صغيرة من مدن تركيا، تبعد عن إستانبول 900 كم، وتقع في الجهة الجنوبية الشرقية منها، لها تاريخ عريق، وفيها عدَّة آثار من عصر السلاجقة، كجامعها الكبير، ومدرستها، وأضرحة بعض الصالحين والعلماء والأمراء.
وهي مدينة باردة، إذ يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 1200م، وتحيط بها الجبال الشاهقة الجميلة من كل جانب، وتتميز مدينة سيواس بالنظافة والتنظيم، فهي مدينةٌ الأبنيةُ فيها مُرتَّبةٌ ومتناسقة، والشوارعُ والطرقاتُ فيها نظيفة.
وكان في استقبالي في مطار سيواس صديقي الأستاذ الدكتور أنبياء يلدرم، أستاذ الحديث في كلية الإلهيات في الجامعة الجمهورية في سيواس، واجتمعت معه بالدكتور حسن حنفي، الأستاذ في جامعة القاهرة، وتناولنا نحن الثلاثة طعام الغداء في أحد مطاعم سيواس بحضور بعض الأساتذة الأتراك.
وبعد الظهر من هذا اليوم (الأربعاء) ألقى الدكتور حسن حنفي محاضرة في كلية الإلهيات حول مشـروعه في تجديد العلوم من فقه وأصول وتفسير وحديث، ولم تعجبني كلمتُه أبداً، لأن الرجل متأثر بالغرب جداً، وهو مُتخرِّج في الدكتوراة من جامعة الصوربون في فرنسا، ومشـروعُه التجديديُّ لا أراه إلا إفساداً للعلوم الإسلامية، وعبثاً في الثرات، وتمييعاً للفكر الإسلامي، وقد بدا عليه أنه ممن يحاول التقريب بين الإسلام والغرب، وحالُه في ذلك ما قاله شيخُ الإسلام العلامة مصطفى صبري رحمه الله تعالى في الشيخ محمد عبده إنه حاول التقريب بين المسلمين وغير المسلمين، ولكنه قَـرَّبَ المسلمين من غير المسلمين مراحل، ولم يُقرِّب غير المسلمين من المسلمين شيئاً، والله المستعان.
وفي مساء هذا اليوم صَلَّيتُ المغرب في المسجد الكبير في سيواس، وهو مسجد قديم كثير الأروقة، بُني في عهد السلاجقة، وإمامه شابّ تركي نديُّ الصوت، والناس يصلون على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، فلا يجهرون بـ(آمين)، ولا يرفعون أيديهم في غير تكبيرة الإحرام، ومن جميل ما رأيت في هذا المسجد أن المؤذن يقول بعد سلام الإمام مباشرة بصوت جميل مرتفع: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، ثم يقوم الناس جميعاً لصلاة السنة، ثم يجلسون من أجل التسبيح، فيقوم المؤذن بتلاوة بعض التسبيحات والأذكار جهراً، وقد يقرأ شيئاً من الآيات أيضاً، والناس جالسون يستمعون إليه.
وتناولتُ العشاء بدعوة من الأخ الدكتور أنبياء يلدرم، وبرفقة الدكتور حسن حنفي، في أحد مطاعم سيواس أيضاً.
وفي صباح يوم الخميس (11 شوال 1429 ــ 10/10/2008) بدأت فعاليات مؤتمر ابن رشد في كلية الإلهيات، وقد ضاق صدري بالجلسة الافتتاحية، حيث بُدِئَتْ هذه الجلسةُ بالعزف على العود، ثم على البيانو، وكانت عريفةُ الحفل امرأةً مُـتـبـرِّجةً، هذا من جانب، ومن جانب آخر كان كبار أساتذة كلية الإلهيات حاضرين، كمـا كان رئيس الشؤون الدينية في تركيا حاضراً لابساً العمـامة، فتعجبَّتُ جداً كيف جمعت تلك القاعة المتناقضات، وظننتُ حينها أن الأكاديميين في كلية الإلهيات غير مُتديِّنين، لأنه لم يَبدُ عليهم شيء من الاستياء أو عدم القبول لذلك، ثم تبيَّـنَ لي ضدُّ ذلك تماماً، فبعد اجتمـاعي ولقائي بالإخوة أساتذة كلية الإلهيات، والحديث معهم، والتجوُّل برفقتهم، تبيَّـن لي أن أكثرهم مُتديِّنون، مُخلِصُون لأمتهم الإسلامية، بل ربمـا كان همُّ بعضهم للأمة الإسلامية أشدَّ من همِّ بعض الأساتذة والشيوخ في العالم العربي، وعلمتُ أنهم مجبورون على مثل تلك الشكليات والأعمال الروتينية التي أشرتُ إليها آنفاً، لأن ذلك من نظام الجامعة، وهي جامعة تتبع نظام دولة تركيا العلمـانية، فحمدتُ الله عزَّ وجلَّ على أن كان الأمر على خِلافِ ما ظننت.
وبعد الجلسة الافتتاحية بدأت جلسات المؤتمر في قاعات ثلاث، كان في الجلسة الأولى كلٌّ من الدكتور حسن حنفي، والدكتور محمد عابد الجابري.
أما الدكتور حسن حنفي، فتحدَّث عن «كيفية توظيف ابن رشد في الثقافة العربية والثقافة الغربية»، فتكلم بكلام كثير المبنى قليل المعنى، بلغة لا بالفصيحة ولا بالبليغة، بل لو عَدَدت اللحن في كلامه لكان أكثر من صوابه، وعاد ليتكلم مرَّة أخرى عن التقارب بين الثقافتين العربية والغربية كمـا هو ديدنُه، وليته هو وأمثاله يُقرِّبون الثقافة الغربية إلينا بتوضيح ثقافتنا العربية الإسلامية للغرب كمـا ينبغي، ولكنهم يأتون إلى الأفكار الغربية فيحاولون إيجاد غطاء شرعي لها، ليجعلوها موافقة للدين، ثم يدعون الناس إليها بحُجَّة التجديد من غير خروج عن الدين، والله السمتعان على ما يصفون.
وأما الدكتور محمد عابد الجابري، فقد اعتذر عن الحضور بسبب المرض، وقد بعث ببحثه «مشاريع التغيير والإصلاح في فكر ابن رشد»، وقرأ مُلخَّصَه أحد الأساتذة في كلية الإلهيات.
وفي الجلسة الثانية، وكانت بعد الظهر من هذا اليوم الخميس، شارك الأستاذ الدكتور حسن الشافعي، وألقى كلمةً لـخَّصَ فيها بَحْثَه حول قَتْل ابن رشد، هل كان بسبب سياسي أم بسبب ديني عقدي؟ وانتهى إلى أنه قُتل بسبب سياسي غُطِّي بغطاء الدين والعقيدة، حيثُ كانت دولة الموحِّدين في الأندلس تتبنَّى ــ ظاهراً ــ مذهب الأشاعرة في الاعتقاد، وكان ابنُ رشد كثيـرَ النقد لهذا المذهب، موافقاً للفلاسفة في كثير من أقوالهم، فاتخذ المُوحِّدون ذلك ذريعةً، وجعلوه غطاءً للتستُّـر به في قَتْل ابن رشد الذي كان ــ وهو يومئذ قاضي القضاة ــ كثيـرَ المخالفة لهذه الدولة.
وهذه البحوث الثلاثة، بالإضافة إلى بحثي الذي سأتكلم عليه لاحقاً، كانت هي البحوثَ المقدَّمةَ باللغة العربية في هذا المؤتمر، أما سائر البحوث فكانت باللغة التركىة، سوى بحثين كانا باللغة الإنجليزية، وقد تَـعَـرَّضَت بحوثُ المؤتمر لدراسة ابن رشد من جوانب حياته وفكره جميعاً، من طبّ وفلسفة وعقيدة وفقه وحديث وفكر ... إلخ.
وتكلمتُ في هذا اليوم مع الدكتور حسن الشافعي، فوجدتُه عالماً فاضلاً متواضعاً كريمَ الخصال، وحَدَّثَني عن نشأته بمصـر ودراسته فيها وتخصُّصه في علم الكلام، وسألتُه ــ وكنا نسيـرُ بين قاعات المؤتمر ــ : هل رأى العلامةَ الكوثريَّ رحمه الله أو اجتمع به بمصـر، لأنني علمتُ منه أنه ولد سنة 1930م، ودرس في الأزهر، فقدَّرتُ أنه ربمـا رآه أو اجتمع به، ولو يسيراً، فلمـا سألتُه هذا السؤال توقَّف قليلاً، وبدا على وجهه أنه تأثَّر بهذا السؤال، ثم قال لي: مما ندمتُ عليه، وما زلتُ ألوم نفسي عليه إلى اليوم أنني لم ألتق بالشيخ الكوثري، وقد عاصـرتُه، قال: وهو من أكبر الـمُنافِحين عن علم الكلام في هذا العصر، ثم أخبرني أنه مُجازٌ من بعض تلاميذه عنه. فأخبرتُه أن الشيخ محمد أمين سـراج في إستانبول مُجازٌ من الكوثري، ففُوجِئَ بذلك، وقال لي إنه اجتمع بالشيخ محمد أمين عدَّة مرات، ولكنه لم يكن يعلم أنه مُجازٌ من الكوثري، وقال إنه سيحرص على استجازته إذا لقيه في إستانبول، وطلب مني إذا لم يلقه هو، أن أستجيزَ له الشيخ محمد أمين، فقلتُ: أفعلُ إن شاء الله.
وفي هذا اليوم تعرَّفتُ بجمـاعة من الأساتذة المُتخصِّصين في العلوم الشرعية والعربية، من المُدرِّسين في كلية الإلهيات في الجامعات التركية، أذكر منهم الدكتور متين أوزدمير، والدكتور يوسف دوغان، والدكتور محمد خيري قيرباش أوغلو، وغيرهم من الإخوة الأفاضل.
وفي يوم الجمعة (12 شوال 1429 ــ 10/10/2008) استمرت جلساتُ المؤتمر، فعُقِدَت جلستان في كل قاعة من القاعات الثلاث قبل صلاة  الجمعة، ثم صلينا الجمعة في مسجد الجامعة الجمهورية، وهو مسجدٌ كبيـرٌ وواسعٌ وجميل، وقد امتلأ بالناس في الصلاة، ومع ذلك كان قد بقي كثيـرٌ من طلبة الجامعة في شوارعها وطرقها، نسأل الله سبحانه وتعالى الهداية لنا ولهم.
وقام الخطيبُ، وهو أستاذٌ مُتخصِّص في علوم القرآن الكريم وتجويده في كلية الإلهيات، فخطب بالناس خطبتين خفيفتين، كانت البداية والنهاية باللغة العربية، ومضمونُ الخطبة بالتركية، ومما لفت انتباهي أثناء الخطبة أنك لا ترى مَنْ يُصلِّي ركعتين ممن يدخلُ المسجد والإمامُ يخطبُ كمـا نراه في بلادنا، بل كلُّ مَنْ يدخلُ المسجد يجلسُ ويستمعُ إلى الخطبة كمـا هو مذهبُ الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، ثم عندما ينتهي الخطيبُ من الخطبة الأولى لا يأمر الجالسين بالاستغفار، وإنما يجلس والناسُ صامتون، ثم يقومُ للخطبة الثانية، وعندما يتلو آية الأمر بالصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يصمتُ، فيُصلِّي ويُسلِّم عليه صلَّى الله عليه وسلَّم سـراً لا جَهْراً، ثم يدعو سـراً أيضاً، ثم يجهرُ بقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) الآية.
ثم تناولنا الغداء في أحد مطاعم الجامعة، وجلستُ فيه مع الأستاذ الدكتور محمد خيري قيرباش أوغلو، أستاذ الحديث في كلية الإلهيات في جامعة أنقرة، وتحدَّثنا طويلاً، وهو باحثٌ مُفكِّـرٌ مُجِدّ، لكنَّه كثيـرُ النقد لغيره، وله آراءٌ وأفكارٌ خاصَّة به، قد ينحو فيها منحى الشذوذ أحياناً، وله اشتغالٌ بالجانب السياسي أيضاً.
وله عدَّة أعمـال علمية بالتركية، منها ترجمة كتاب «تأويل مختلف الحديث» إلى التركية، وقد أخبرني أنه وقف على أخطاء كثيرة في النسخة المطبوعة عندما شـرع في ترجمة الكتاب، فاضطر إلى مقابلتها بنسخ خطية من إستانبول، ثم تَـرجَـمَه، فكانت النسخةُ التركيةُ أصحَّ من النسخة العربية على ما قال، فاقترحتُ عليه أن يطبعه بالعربية أيضاً مُصحَّحاً مُحقَّقاً ليَعُمَّ النفع به، فذكر لي أن ذلك في نيته، ومنها ترجمة كتاب «أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء» للأستاذ الشيخ محمد عوامة حفظه الله تعالى، ذلك أن الكتاب يُدرِّسُه بعض الأساتذة في تركيا، فكان طلبةُ العلم هناك بحاجة إلى ترجمته، فقام هو بذلك.
ثم عُقِدَت الجلسةُ الثالثة من جلسات هذا اليوم الجمعة، وهي الجلسةُ الأولى بعد صلاة الجمعة واستراحة الغداء، وفي هذه الجلسة كانت مشاركتي في هذا المؤتمر، فألقيتُ كلمتي في تلخيص بحثي «موقف ابن رشد من التنزيه والتشبيه والتجسيم، دراسة نقدية»، بحضور جماعة من أساتذة اللغة العربية والعلوم الشرعية في كليات الإلهيات في الجامعات التركية، وجماعة من طلبة كلية الإلهيات في سيواس، وكان الأستاذ الدكتور حسن الشافعي حاضراً أيضاً، وقد نالت كلمتي ــ بحمد الله ــ إعجاب الحاضرين، ولقيت قبولاً منهم بفضل الله وتوفيقه وتسديده، وله الحمدُ على ذلك، وبعد انتهاء الجلسة سَلَّمتُ على الدكتور حسن الشافعي، فصافَحَني بحرارة وقال لي: أنت مُعلِّم جيِّد، فقد فهمنا هذه القضايا الثلاث ــ يعني: التنزيه والتشبيه والتجسيم ــ عند ابن رشد جيداً، ثم صار إذا لقيني بعدها قال: «أهلاً بالشيخ الشاب»، وكذا أخبرني جماعة من الحضور بحُسْن إلقائي، ذلك أنني تكلَّمتُ بالعربية الفصيحة، من غير أن أخلطها بالعامية، ففهم الحاضرون من الأتراك ما أريد، وكانوا قد اعتادوا من ضيوفهم من العرب أن يتكلموا عندهم بالعربية الفصيحة والعامية معاً، فكانوا يفهمون منهم شيئاً ولا يفهمون شيئاً آخر، بخلاف كلمتي التي فهموها جيداً، أقول هذا تَـحَـدُّثـاً بنعمة الله، وله الحمدُ سبحانه وحدَه.
بعد ذلك خرجتُ مع الصديق الدكتور يوسف دوغان أستاذ اللغة العربية في كلية الإلهيات في سيواس في نزهة إلى حديقة عامة في جبال سيواس الجميلة، وذلك قُبيل العصر، وبقينا فيها إلى ما بعد الغروب، ثم تَـوَجَّهنا إلى بيته في المدينة، فجلسنا قليلاً، ثم إلى غرفتي في الفندق.
وفي هذا اليوم الجمعة خُتِمَت جَلَساتُ المؤتمر الذي ضَمَّ 66 بحثاً.
وفي صباح يوم السبت، خرج المشاركون في المؤتمر جميعاً إلى بلدة في قضاء سيواس تبعد عنها حوالي 200 كم في الجنوب الشرقي منها، تدعى بلدة «ديفريجي»، وفيها مسجدٌ قديمٌ بُني في القرن السابع الهجري، وبجانبه مستشفى مُلاصِقٌ له، واللافتُ للنَّظَر أنه قد نُقِشَت فوق باب المستشفى على اليمين والشمال النجمةُ السُّداسية، التي هي اليومَ رمزُ دولة إسرائيل، لا رفع الله لها راية، ولا حَقَّقَ لها غاية، وقد أخبرني بعضُ الإخوة الأتراك هناك أن هذه النجمة موجودة  في أبنية أثرية كثيرة في بلادهم، وقد كانت نقشاً إسلامياً، شأنها شأن النقوش والزخارف الأخرى، ولم يكن لليهود في الزمان الماضي أيُّ صلة بها، ثم اتخذتها دولةُ إسرائيل رمزاً لها.
قلت: وبعد عودتي بحثتُ في شبكة الإنترنت عن هذا الموضوع فوجدت عدَّة بحوث ومقالات تُثبِتُ أنَّ هذه النجمةَ كانت مُستعملةً عند المسلمين قديماً، ثم صارت شعاراً للماسونية، ثم للصهيونية.
وفي مساء يوم السبت دعاني صديقي الأستاذ الدكتور أنبياء يلدرم جزاه الله خيراً إلى منزله، فذهبنا برفقة الدكتور محمد خيري قيرباش أوغلو والدكتور متين أوزدمير، وجلسنا جلسة مفيدة، حيثُ تباحثنا في عدَّة مسائل علمية، اتفقنا في بعضها، واختلفنا في بعض آخر، وطال بنا المجلس، فلم نَقُم إلا قبل مُنتَصَف الليل بدقائق.
ويوم الأحد (13 شوال 1429 ــ 12/10/2008) سافرنا بالطائرة من سيواس إلى إستانبول، ووصلناها بعد الظهر، واستقبلني في مطارها الأخوان عبد الله زيدان وزياد الرواشدة، وهما طالبان أردنيان يدرسان الدكتوراة في جامعة إستانبول، الأول في الحديث، والثاني في التفسير، ونزلتُ في سَكَن خاصّ بطلبة الدراسات العليا في جامعة إستانبول قريب من جامع الفاتح، وبعد المغرب تَـجَـوَّلنا في المدينة، وصَلَّينا العشاء في مسجد السلطان با يزيد، ومَرَرْنا بمسجد السُّلطان أحمد الثالث، ومتحف أيا صوفيا، وقد كان كنيسةً في العهد الروماني، ثم صار مسجداً في عهد العثمانيين، ثم جعلته دولةُ تركيا الحديثة متحفاً، ومررنا أيضاً بمسجد فيروز آغا، ولم أدخل شيئاً منها، إلا مسجد با يزيد، لأنها جميعاً كانت مغلقة في ذلك الوقت (بعد صلاة العشاء).
وتَـجَـوَّلتُ ثانيةً ــ بمفردي ــ في مدينة إستانبول صباح يوم الاثنين (14 شوال 1429 ــ 13/10/2008)، فمررتُ بجامع الفاتح، ولففتُ حوله، ودخلت ساحتَه فقط لأنه كان مُغلَقاً، وفي الطريق إلى جامع الفاتح تذكَّرتُ مولانا العلامة الجليل الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، حيثُ درس في هذا الجامع، ودرَّس فيه، فأكثرتُ من الدعاء له والترحُّم عليه، رضي الله عنه وأرضاه.
ثم ذهبتُ إلى مسجد شيخ زاده، فصَلَّيتُ في محرابه ركعتين، ثم توجهتُ إلى المقبرة التي دفن فيها السُّلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، فزرتُ قبره، وبجواره قبر السلطان محمود الثاني وغيره من سلاطين آل عثمان وبعض أقاربهم، ثم ذهبتُ إلى مسجد السلطان با يزيد مرة أخرى، فصَلَّيتُ في محرابه ركعتين، ثم إلى مسجد السُّلطان أحمد الثالث، فصَلَّيتُ فيه ركعتين أيضاً، وزرتُ قبره وقبور بعض أقاربه بجوار مسجده، ومررتُ بأيا صوفيا فوجدتُـها مُغلَقَة.
وكنتُ أريدُ العودة إلى غرفتي، لكنَّي لمحتُ البحر في طريق عودتي، فتَوَجَّهتُ إليه، ووقفتُ عنده قليلاً، ثم عُدتُ مرَّةً أخرى إلى غرفتي، حيثُ صَلَّيتُ الظهر، وكتبتُ هذه الكلمات.
ثم انطلقتُ قُبيلَ العصر إلى جامع الفاتح، فصَلَّيتُ فيه العصـر، وزرتُ قبره بجوار مسجده بعد الصلاة، رحمه الله تعالى ورضي عنه، ثم تَوَجَّهتُ إلى البحر، فمشيتُ طويلاً حتى وَصَلتُه، فأكلتُ السمك على شاطئه، ووقفتُ عنده متأملاً، ثم شـرعتُ في العدودة إلى غرفتي، فأذَّنَ المؤذنُ لصلاة المغرب وأنا بالقرب من مسجد السُّلطان با يزيد، فصَلَّيتُ فيه المغرب، ثم عدتُ إلى غرفتي.
وفي يوم الثلاثاء ( 15 شوال 1429 ــ 14/10/2008) زرتُ قبل الظهر أيا صوفيا، فوجدتُها مليئة بالسُّيَّاح الأوروبيين، يحفلون بها لأنها كانت كنيسة، وما زالت معالمها الكنسيَّةُ ظاهرةً فعلاً، سوى أنَّ في جوانب سقفها لوحاتٍ إسلاميةً عظيمة، وُضِعَت بعد أن حُوِّلت إلى مسجد، ففي المقدمة ترى لفظ الجلالة واسم النبي مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم عن اليمين والشمال، ثم أبو بكر عن يمين الداخل، وعمر عن شماله، ثم عثمـان وعلي كذلك، ثم حسن وحسين كذلك، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، والمحرابُ ما زال قائماً في القبلة.
وقد صَلَّيتُ فيها ركعتين، فقد كانت مسجداً، وستعود مسجداً بإذن الله تعالى، وقد رآني أحدُ مُوَظَّفي الأمن فيها وأنا أُصلِّي، فجاء ووقف بجانبي، ثم لـمَّا أنهيتُ صلاتي قال لي بالتركية ما فهمتُ منه أنه يريد أنْ لا صلاةَ في هذا المكان، فقلت له بالإنجليزية: لماذا؟ فأجابني بالتركية، فلم أفهم عليه، ولم يفهم علي، فتركتُه ومضيت.
ثم توجَّهتُ إلى جامع محمد الفاتح للقاء الأستاذ الفاضل الشيخ محمد أمين سراج، فلقيتُه بعد صلاة الظهر وعنده الأستاذ عمر الفاروقي أحدُ الفضلاء الأتراك، والدكتور حسن الشافعي، والأخ الأستاذ محمد فاتح قايا، فجَلَسْنا قليلاً، وقد كان الشيخ محمد أمين فَرِحاً مسروراً، وهذا شأنُه حيثُ رأى طالبَ علم، وخصوصاً من العرب، متواضعاً في مجلسه وحديثه، حفظه الله تعالى.
وسمعتُ من الأستاذ الشيخ محمد أمين سراج الحديثَ المسلسلَ بالأولية، وطلبتُ منه تجديد الإجازة وسمـاعها منه مشافهةً، حيثُ كنتُ قد ظفرتُ بإجازته مكاتبةً منذ ما يزيدُ على سنتين، فتكرَّم بها وتفضَّل في هذا اليوم في جامع الفاتح.
وأخبرنا الشيخ أمين سراج بأن شيخه العلامة المحقق مولانا الشيخ محمد زاهد الكوثري أسمَعَه ــ لـمَّا أجازه ــ دعاءَ الفَرَجِ المرويَّ عن سَيِّدنا جعفر الصادق رضي الله عنه، وأجازه به أيضاً، والكوثريُّ يرويه عن والده، بإسناده المذكور في ثبته «التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز»، وقد أسمَعَنا الشيخ أمين مُعظمَه، وأجازنا به أيضاً.
وسألني الشيخ محمد أمين عن المؤتمر الذي شاركتُ فيه في سيواس ــ وكان الدكتور حسن الشافعي ذكر للشيخ أمين مشاركتي في هذا المؤتمر أولَ ما دخلت عليهم في جامع الفاتح، عندما عرَّفَ بي الأخ محمد فاتح قايا ــ ، فأخبرتُه بأبرز ما فيه مُجمَلاً، فلما ذكر الدكتور حسن حنفي، تكلَّم فيه الشيخ محمد أمين سراج، ونَقَدَ مسلكَه ومنهجَه العلمي، وذكر أنه صاحبُ شذوذ، كما سألني فضيلة الشيخ محمد أمين عن عمَّـان والأخبار العلمية والدينية فيها، فأخبرتُه عن ذلك، وكان الشيخ متفائلاً للمسلمين، يرى أنَّ بوادرَ الصَّحْوة الإسلامية وطلائعَها ظاهرة.
ورأيتُ بيد الدكتور حسن الشافعي إجازةَ الشيخ محمد أمين سـراج له، وقد سَلَفَ بيانُ حرص الدكتور حسن الشافعي على استجازة الشيخ محمد أمين سـراج بإشارة العبد الضعيف.
ثم ذهبتُ مع الأستاذ محمد فاتح قايا إلى دار الحكمة، وهي مركز أبحاث ودراسات، وفيها إخوة أفاضل باحثون مُجِدُّون، يُصدرون مجلة بالتركية باسم (رحلة)، وأهداني الأخ الأستاذ محمد فاتح رسالة الشيخ العلامة علي القاري رحمه الله في «إفراد الصلاة عن السلام، هل يكره أم لا؟» ــ يعني في الصلاة والسلام على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ــ بتحقيقه، وهو أول أعماله العلمية، زاده الله تعالى توفيقاً وتسديداً.
ثم ذهبتُ بصُحْبة الأخ الفاضل الأستاذ محمد فاتح قايا إلى المكتبة السُّليمانية، وبحثتُ بمساعدته عن بعض المخطوطات، وظفرتُ بشيء مما أُريدُ، ثم إلى مسجد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فصَلَّينا فيه المغرب، وكانت الجماعةُ قد فاتتنا، وزرتُ قبره رضي الله عنه.
وأخبرني الأخ محمد فاتح أنه سمع من بعض الأتراك الذين كانوا بصُحبة الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى عند زيارته هذا المسجد: أن الشيخَ عبدَ الفتاح بكى لـمَّا دخله، وقال: قلبُ الذي بنى هذا المسجد أكبر من بنائه.
ويوم الأربعاء (16 شوال 1429 ــ 15/10/2008) زرتُ متحف طوبقبي، وهو قصـرٌ عثماني آية في الجمال، وفيه آثار الدولة العثمانية وسلاطينها، وفيها شيء من الآثار النبوية الشـريفة، كسيفه صلَّى الله عليه وسلَّم، وشعرات من لحيته، وفيه قطعةٌ من أحد أبواب المسجد الحرام في عهد العباسيين، وفيه الحلقةُ النحاسيةُ التي كانت تحيط بالحجر الأسود في الكعبة الـمشـرَّفة زمان العثمانيين، وميزابُ الكعبة وثلاثةُ مفاتيح لبابها في زمانهم أيضاً، وغير ذلك.
وكان يوم الأربعاء هذا هو آخر أيامي في إستانبول في هذه الرحلة، حيثُ تَـوَجَّهتُ مساءً إلى المطار، وغادرتُـها إلى عمَّـان عند منتصف الليل.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا