السبت 20 رمضان 1440 - 25 مايو 2019

من دروس غزة - العمالقة في زمن الأقزام

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1097
العمالقة في زمن الأقزام
بقلم الدكتور عماد الدين رشيد‎
 لقد أحرجت غزة العالم كله في صمود ملحمي لم نسمع مثله إلا في التاريخ، الذي كثيراً ما تختلط فيه الأساطير بالحقائق، ولكن ما يجري اليوم في غزة تاريخ حقيقي، لا شك في أنه ينبئ عن تحول وشيك في المنطقة، ليس تحولاً في معادلة الصراع وبوصلته فحسب، وليس تحولاً في الخارطة الجغرافية والسياسية للمنطقة فحسب، وليس تحولاً في السياسة الإقليمية والدولية، بل تحول واضح في الوعي الشعبي المغيب للأمتين العربية والإسلامية، الذي كان محل استهداف من السياسات الدولية والإقليمية بما فيها الأنظمة الرسمية، فقد انصبت تلك الجهود منذ لحظات الصراع الأولى مع الصهاينة إلى تغييب الوعي العربي والإسلامي وصرفه عن حقيقة الصراع وطبيعته، بل سبقت ذلك جهود تحضيرية أيام الانتداب البريطاني عندما برز أن المقاومة الفلسطينية للاحتلال ذات صبغة دينية، شأنها شأن حركات التحرر من الاستعمار في المنطقة، في المغرب والجزائر وليبية ومصر وسورية، ويؤسف أن حكومات ما بعد الاستقلال كانت تحاول أن تمحو تلك الصبغة لحركات التحرر من أذهان شعوبها. ووافق ذلك تحولات دوليةً خصوصاً في مرحلة الحرب الباردة، فظهرت مفاهيم الرجعية والتقدمية، مع تنامي الفكر الاشتراكي في المنطقة.
 ولاشك في أن ثمة ظروفاً موضوعية أسهمت في ذلك، فذيول الحقبة العثمانية وجمودها الديني أثرت في هذه القضية سلباً، مع ردود الفعل العنيفة التي قامت بها الحركة الإسلامية في مصر ضد القمع الذي لقيته في منتصف القرن العشرين.. فأدت هذه العوامل مجتمعة إلى تغييب الوجود الإسلامي من الفاعلية السياسية والفكرية في المنطقة، هذا محلياً.
أما دولياً فإن الغرب ينسجم مع هذه النتيجة لأسباب أهمها أنه يرى تحييد الدين وفصله عن الحياة العامة، وما الثورة الفرنسية وما سبقتها أو تبعتها من ثورات إلا إسقاطاً لحكم الكنيسة وإيذاناً لعهد جديد تكون السيادة فيه للعلمانية.
ومن هذه الأسباب أيضاً أن التجربة التاريخية للغرب مع المسلمين سواءً في الحروب الصليبية أو حروب التحرر من الاستعمار كافية في إقناعه بمدى تأثير البعد الديني في مجتمعات المنطقة.
لقد أعادت غزة هذا الوعي من جديد، وبعثت فيه الحياة، وأظهرت للأمة بأن الإسلام ليس مجرد حالة دينية خاصة يختارها الفرد هروباً من هموم الحياة، بل هو نظام حياة متكامل يمكن أن يخرج الأمة من أزمة حادة مستعصية، عجزت عشرون دولة عربية من حسمها أو تحقيق إنجاز فيها، مع جيوشها العتيدة والأسلحة المتطورة من الشرق والغرب، والإيديولوجيات المستوردة.
لقد نجحت غزة في الجمع بين القومي والإسلامي في الشارع العربي بعدما وقع بينهما صراع طويل مفتعل دام عدة عقود، أزهقت فيه الأمة من طاقاتها ومواردها وهدرت وقتها وضيعت شبابها من غير ما طائل.
لقد أحرجت غزة النظام العربي الرسمي فصمدت سبعة أيام عجاف، سلاحها تقليدي، أقوى ما فيه صواريخ مصنوعة من أنابيب الصرف الصحي المعدنية، وحشوها السكر وبعض المواد الصناعية، بينما نجد أن الأنظمة العربية في بعض حروبها مع الصهاينة لم تصمد أكثر من ستة أيام، كلفتها مساحات غير قليلة من أراضيها وشردت أكثر من مليوني نسمة من رعاياها.
من المخجل جداً أن يصرح بعض القادة العرب بالعجز.. من المخجل أيضاً أن يكتفي بعضهم بمجرد الخطب الرنانة.. من المهين جداً لبعضهم أن يدفع الناس دفعاً للتظاهر، كي تبدو حكومته متفاعلة مع الحدث.
لقد بينت غزة للشعوب العربية والإسلامية ضآلة حكامهم، ومدى ارتباطهم بالإرادات والإدارات الخارجية، وإن تفاوت ذلك، لكن يبدو جلياً أنه قانون عام.
لقد فضحت غزة الكثير من المثقفين العرب الذين تصدروا وسائل الإعلام بالدفاع عن العدو وتفهم وجهة نظره، والذين تولوا الدفاع عن تخاذل حكامهم بصورة استبسالية، وإن كلفتهم سمعتهم ووطنيتهم.
هؤلاء هم المنافقون الصرحاء.. هؤلاء هم المرجفون الذين يستغلون آلام الناس، ويسوون ما بين الضحية والجاني، والشهيد والقاتل ، ويحرضون الناس بلغة لا محل لها في قيم الشعوب ومبادئها، فإن الكرامة لها ثمن، قد لا يؤمن بها الكثير من تجار المواقف وحتى رجال الأعمال، ولكنها مفاهيم عاشت الشعوب من أجلها وتموت من أجلها.
لقد اختصرت غزة الطريق على الأمة وأوصلتهم إلى نتيجة قد تحتاج الشعوب لاكتشافها إلى عقود عدة، فقامت بفرز الناس فريقين: فريق ينتمي إلى هذه الأمة وقضاياها، وهم سوادها الأعظم، وفريق ينتمي إليها دماً ولحماً فحسب، وهواه وقلبه ومصالحه مع أعدائها، ولم يعد ثمة من التبس عليه الأمر.
وثمة سؤال يفرض نفسه بإلحاح ألا وهو:
هل سيمر مشروع غزة مروراً عابراً لا يتجاوز الا أن يخفف الضغط النفسي عن العرب والمسلمين من الهزائم المتكررة؟
ألا يجب أن نفيد من دروس غزة؟
بلى إن درس غزة فيه عبر كثيرة.
• أول ذلك أن تختار الأنظمة توجهات شعوبها؛ لأن استمرارها يكمن في هذا الخيار الاستراتيجي، فالخارج لا يحترم عملاءه، وصدام حسين نموذج معاصر.
• أن تلتحم الشعوب مع قياداتها التي توجهت إلى أمتها، وأن تحافظ على وحدتها الوطنية؛ لأن تمزيق الأمة ودخولها في الفتن مقصد لأعدائها، وأن تتوقف عن النظر إلى الوراء، وتتجنب كثرة المعاتبة، ولا ترهق نفسها بالسباب والشتائم فإن العملاء يبصقهم التاريخ.. هكذا اقتضت سنة الله في خلقه ( فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
• أن تتوجه القيادات العربية والإسلامة إلى شعوبها وتعقد معها مصالحة وطنية، تدخل فيها الأنظمة في طموحات شعوبها وتطلعاتها. فالشعوب التي تهتف اليوم بالتنديد بهم ستهدف غداً بأرواحهم وستفديهم بأرواحها ودمائها.
فيا حكام العرب ويا حكام المسلمين إن شعوبكم لا تتطلع إلى كرسي الحكم، بل تتطلع إلى موقف يسير وطموحها.
يا حكام العرب والمسلمين لقد آن الأوان لأن ترى فيكم الأمة عمر بن عبد العزيز، ونور الدين، وصلاح الدين.
يا حكام العرب والمسلمين إن شعوبكم عطشى إلى رؤيتكم أعزة فوق قادة العالم، وليس أسارى إرادات دولية؛ لأن عزكم عز لشعوبكم، وقوتكم قوة لهم.
يا حكام العرب والمسلمين إن مفتاح الأمر في أيديكم، فوراءكم شعوب تحمل وزناً حضارياً لا تملكه أمة أخرى.
يا حكام العرب والمسلمين ستنتهي حرب غزة، وكيف انتهت فإن وراءها معارك وحروباً في سبيل تحرير الأمة من تسلط أعدائها، ومن جهلها وضعفها في كل ميادين الحياة.
أمامكم الخيار مفتوح، ولن تنتهي الحياة بنصرة غزة إن شاء الله، أو سقوطها لا قدر الله.
• أن تضع الأمة بمثقفيها وسياسييها وحكامها إستراتيجية سياسية جديدة بعيدة عن أدلجة الحياة وصبغها باللون الفكري أو السياسي لفئة منهم فحسب، بل تستمد ذلك من تاريخها ومصادر هويتها، وواقعها المعاصر، والتجارب الناضجة لأمم الأرض المتحضرة.
• أن تُعزَّز ثقافة المقاومة في الأمة، في الوقت الذي تزداد فيه الهجمة على الأمة في مكوناتها ومقدراتها، فإن الخيارات الأخرى ما هي إلا وسائل ثانوية مشروعة لتعزيز المشروع المقاوم وليس العكس؛ لأننا نتحدث عن استرجاع للحقوق بالمقاومة، وليس عدواناً على حقوق الآخرين. ولا ريب في أن الأمة حين تنتزع حقوقها بالمقاومة تكون أكثر حرصاً على الثوابت، ورغبة في الدفاع عنها، كما أن المشروع المقاوم بسبب غلاء ثمنه يحمى الأمة من الأدعياء والمزاودين، ويحفظها من المنافقين.
• أن يصطلح مثقفوا الأمة، وألا يجعلوا خلافاتهم الفكرية سبباً لاختلاف برامجهم وقلوبهم، وأن يوظفوا تنوعهم هذا في مشروع الأمة. فقد كشفت الفضائيات في حرب غزة عن صراع إيديولوجي مقلق، لا يبشر بخير. ففي الأزمات تلتقي أجنحة الأمة، ولكننا رأينا حرباً مستعرة بين الأشقاء، وأنا لا أعني الإخوة الفلسطينيين فحسب، بل مثقفي الأمة من السياسيين والمفكرين والمحللين.
• أن يضطلع الإسلاميون بدورهم الرائد في صنع التوازن في مجتمعاتهم، فقد أكدت الأزمة الحالية سعة انتشارهم في الأمة، في كل مفاصلها، بينما كانوا من قبل في حقبة الستينيات والسبعينيات يعانون من أزمة الاعتراف بوجودهم، والواقع الجديد الذي وصلوا إليه يتطلب منهم أموراً عدة أهمها:
1. ألا يتعاملوا مع الفكر الآخر بالطريقة التي كان أصحابه يعاملونهم بها، لأن الإسلام الذي يحملونه لا يسمح لهم بالاستعلاء على إخوانهم، لذا يجب على أصحاب هذا التيار أن يدركوا أنهم أصحاب مسؤولية، وأن عامة من يخالفهم التوجه لا يزالون يدخلون في مسمى الإسلام. وقد حاور الله عز وجل إبليس في كتابه، هذه سنة إلهية ما ينبغي أن تغيب عنهم.
2. ألا يسكر الإسلاميون اليوم بالشارع الذين معهم، لأنه قوة عاقلة اختارتهم إرادياً اليوم، بعدما كان أكثر هذه القوة غير مقتنع بهم من قبل، ويمكن أن تلفظهم كما تلفظ غيرهم اليوم.
إن تصور أن الشارع تحكمه لغة القطيع وغرائزه هو تصور انتهازي قائم على نظرة سطحية كنظرة المدمن إلى نشوة السكر، من غير أن ينظر إلى ما يمكن أن يحدثه في ثيابه بعد ذلك.
هذه دروس حرب غزة، آمل أن تكون الأمة قد حفظت الدرس ووعت حجم المسؤوليات.
اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بأنك أنت الله، وأنك على كل شيء قدير أن تنصر إخواننا في غزة نصراً مؤزراً، وأن توحد قلوبهم.
اللهم صوِّب رأيهم وسدِّد رميهم وأَهلِك عدوك وعدوهم.
اللهم انصرهم كما نصرت نبيك يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.
اللهم ارحم براءة صغارهم، اللهم ارحم عفة نسائهم، اللهم ارحم قهر رجالهم.
اللهم لايهلكون وأنت رجاؤنا ورجاؤهم، اللهم لقد خذلتهم أمم الأرض فكن لهم واجبر كسر قلوبهم، أنت مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
رحم الله شهداء غزة أطفالاً ونساءً ورجالاً.
حي الله رجال المقاومة بكل فصائلها، سادة الأمة، رافعي هامتها، العمالقة في زمان الأقزام.
عماد الدين الرشيد
3/1/2009

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات