الجمعة 10 شعبان 1441 - 3 أبريل 2020

قبيل حدود الحرم - الطريق إلى البيت العتيق

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1225
قبيل حدود الحرم
 
على خطى أبي الأنبياء
 
إن الحاج وهو في طريقه إلى البلد الحرام يستشعر في نفسه ويجدد ذكرى إمام الملة الحنيفية ورمزها الأول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، مستحضراً في فؤاده أنه يسير على خطاه ونهجه، ومبدئه وسنته.
 
يقول شيخ الإسلام أحمدُ بنُ عبد الرحيم الدهلوي في كتابه (حجة الله البالغة):
ـ ومن مقاصد الحج موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فإنهما إماما الملة الحنيفية ومشرّعاها للعرب، والنبي r بعث لتظهر به الملة الحنيفية وتعلو به كلمتها، وهو قوله تعالى: (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) (1)r : "قفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم" (2).، فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إمامها، كخصال الفطرة، ومناسك الحج، وهو قوله
وإذن فإن الذهن ستطوف به ـ والحاج في طريقه إلى البيت الحرام ـ ذكريات نشأة خليل الرحمن وتطوافه بالبلدان، حتى ألقى رحل أهله حيث أمره الله، بواد غير ذي زرع في أرض قفرٍ خاوية، لا زرع فيها ولا ماء، ومع ذلك فقد قام بما قام به متمثلاً الأمر الإلهي، منفذا الطلب الرباني.
 
ثم بعد أن تركهم ومشى، دعا ربه أن يهيىء لهم مؤنساً يُذهب وحشتهم، ويخفف آلام غربتهم، كما دعا أن يرزقهم من الثمرات المختلفة تساق إليهم من كل جانب.
 
(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (1).
 
وللندوي في الحج كلمة...
 
وللأستاذ الفاضل أبي الحسن الندوي كلمة طيبة في نشأة إبراهيم عليه السلام وسيرته يقول فيها:
ـ ولد إبراهيم في بيت سادنٍ من أعظم سدنة البلد، يَنْحت الأصنام ويبيعُها، ويقوم على الهيكل الكبير، ويتصل به عن طريق الحرفة وعن طريق العقيدة... ولا شي في هذا الجو القاتم يثير الإيمان والحنان ويبعث على الثورة على هذه الخرافة الوثنية، ولكنه قلب سليم هُيىء للنبوة وأعد لتكوين العالم الجديد: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ) (2) إنه يبدأ ثورته بمرحلة البيت الذي ولد فيه وعاش، ووقع كل ما يحكيه القرآن في أسلوبه المعجز من تحطيم إبراهيم للأصنام، وغضب عبادها وحيرتهم وعيّهم، وانتقامهم من الفتى الثائر، واشتعال النار وتحولها برداً وسلاماً على إبراهيم، ومناظرته البليغة أمام الملك الجبار...
 
وتنتهي هذه الثورة إلى أن يضيق عليه البلد، ويغضب عليه المجتمع، فلا يحفل بكل ذلك، ولا يحسب له حساباً، فيخرج من بلده قرير العين رضيّ النفس إذ نجا برأس ماله وهو الإيمان، فيهيم في أرض الله وهو فريد لا يعرف له ثانياً، حتى يهبط مصر، فيكون هدفَ الامتحان والابتلاء، وينجو بصاحبته التي يطمع فيها الملك، فيفلتان من يده، ويأويان إلى أرض الشام، ويلقي عصا التسيار فيها، ويقوم بدعوته فيها إلى رفض الأوثان وإلى عبادة الله وحده.
 
وتطيب له الإقامة في الشام، حيث يتوفر الخصب، ويتسع الرزق، ويتجلى جمال الطبيعة، فلا يلبث أن يؤمر بالتوجه إلى أرض لا تقابل أرض الشام في الخصب والماء... وإبراهيم لا يعرف لنفسه حقاً، ولا يرتبط بأرض أو وطن، إنما هو طوعُ إشارةٍ ورهنُ أمرٍ، يؤمر بأن ينتقل مع زوجته هاجر ومولودها الصغير الرضيع.
 
وهنا في واد ضيق، أحاطت به الجبال الجرداء من كل جانب، وقسا فيه الجو وفقد الماء، وغاب الأنيس وأوحش المكان، يؤمر بترك زوجته المرأة الضعيفة العاجزة والمولود الصغير، توكلاً على الله وامتثالاً لأمره، واستسلاماً لقضائه، فلا جزع ولا فزع، ولا إشفاق ولا ضرر، ولا سآمة ولا ضجر، ولا خَوَرَ في العزيمة، ولا ريبة في الوعد... انقطاع عن الأسباب وإيمان بالغيب وثقة بالله حين تسوء الظنون وتزل الأقدام.
 
هكذا يتصور الحاج إمامَ الملة أبانا إبراهيم عليه السلام، ساعة ما تكون وسيلته الناقلة تقطع به الفيافي والقفاز، وترقى به النجود وتهبط به التهام... وإذن فإبراهيم عليه السلام قصة حية متجددة متكررة، كلما توجهت جموع الحجاج من شرق الأرض وغربها، تهاجر من أوطانها، وتترك أشغالها ووظائفها وحرفها، لتلبي نداء الحج، في حركة إيمائية عميقة الجذور في النفس، لا تهدف إلا إلى رضوان الله (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) (1).
 
حدود الحرم وأعلامه
وكلما اقترب الحاج من الحرم المكي ـ بمعناه الواسع الكبير الذي يمتد خارج مكة ـ كلما ازداد قلبه حنيناً وفؤاده اضطراباً، إلى أرض حد حدودها الخليل عليه السلام بيده، وأعلم أعلامها وأظهر أطرافها بنفسه، لتكون مهوى لأفئدة الناس.
روى ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم موضع أنصاب الحرم، فنصبها، ثم جددها إسماعيل، ثم جددها قصي ابن كلاب، ثم جددها رسول الله r.(2)
 
وقد روى البزار في مسنده والطبراني في الكبير عن محمد بن الأسود بن خلف عن أبيه أن النبي r أمره أن يجدد أعلام الحرم عام الفتح، وقال الزهري: قال    عبد الله: فلما ولى عمر بن الخطاب بعث بأربعة من قريش فنصبوا أنصاب الحرم: مخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى.
 
مزايا الحرم
 
هذا الحرم المحدد الأطراف هو بطبيعة الحال غير مواقيت الإحرام التي سنتكلم عليها فيما بعد، بل هو حدود الأرض التي تمتاز على غيرها ببعض الأحكام الشرعية الخاصة مما يضفي عليها حرمة وقدسية، ويمنحها مهابة ومكانة.
 
ففي الحرم يأمن الخائف ويهدأ روعه، ويسلم الحيوان ولا تهدد حياته، وينعم النبت بشيء من ذلك الأمان فلا يقطع ولا يتلف، وتعم نعمة الأمن تلك جميع البشر وسلوكهم وأخلاقهم وتصرفاتهم: فمن أحدث هناك فيه حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.
 
يقول ربنا سبحانه وتعالى في الحرم:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)(1).
 
ويحسّ الحاج في طريقه بصدق بمعنى قوله سبحانه:
(إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ)(2).
هكذا تتهيأ النفوس على مدارج الطريق للوصول إلى أشرف بقعة في الأرض مختارة من السماء تُقصد لإقامة شعيرة قديمة قدم البيت، لم يقتصر أداؤها على البشر فقط، بل مضت ملائكة السماء قبلهم عليها، فكان بذلك لها المكان المقصود أعظم المنازل في سويداء القلوب.
 
إنها رحلة من أجل تطهير النفس في مشفى النفوس البشرية، ومعالجتها من أدرانها في رياض التطهير المعد من الله للبشر، يقول الإمام الدهلوي:
ومن باب الطهارة النفسانية الحلول بموضع لم يزل الصالحون يعظمونه ويحلِّون فيه ويعمرونه بذكر الله، فإن ذلك يَجْلبُ تعلق هِمم الملائكة السفلية ويعطف عليه دعوة الملأ الأعلى الكلية لأهل الخير... فإن الهمم إذا اجتمعت على التفرغ والرغبة والرجاء في مكان فيه آيات بينات لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة، وهو قوله r : "وما رؤي الشيطان يوماً فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة"(1).
 
هذه هي الأحاسيس التي تملأ النفس، وتعج في الفؤاد، ويفيض بها كل قلب مسلم.
 
اللهم بلغنا الحرم... واجعلنا من أهل القبول فيه، يا أرحم الراحمين.


(1) [الحج: 78].
(2) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي بلفظ: "كونوا على مشاعركم".
(1) [إبراهيم: 37].
(2) [الأنبياء: 51].
(1) [طه: 84].
(2) أخبار مكة للأزرقي 2/273
(1) [العنكبوت: 67].
(2) [النخل: 91].
(1) أخرجه مالك عن طلحة بن عبدالله بن كريز مرسلاً.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا