الخميس 19 محرم 1441 - 19 سبتمبر 2019

ذوقيات الداعية - في الغائب الحاضر من أسرار النفس الإنسانية

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1772
ذوقيات الداعية - في الغائب الحاضر من أسرار النفس الإنسانية
ذوقيات الداعية
 
د.عبد الرحمن الجرعي
 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده . وبعد :
فهذه كلمات فيها محاولة لفهم أسرار النفس الإنسانية ، وتلمح مواطن الجمال والكمال فيها ، ونبرأ إلى الله من أن نعيّر أحداً بعيبه أو أن نشهَّر بأحد ففي المتحدث من العيوب مايكفيه ، والباعث هو طلب الكمال البشري وعليا المناقب ، مع إحساسنا وإدراكنا بأن الدعاة هم من أكمل الناس خلقاً وذوقاً ، يعرف ذلك من خالط دهماء الناس وعامتهم ، ولكنه تطلب الأرقى من الذوق والمراتب السامية ،ولاشك أن التحلي بهذه الذوقيات ، والبعد عما يشين من السلوكيات ،مما يزيد في جمال سلوك المسلم ، ويعزز محاسنه ، ويحبب شخصيته ، ويدنيه من القلوب والنفوس. فيكون كريما على حد قول الشاعر:
إن الكــــــريم لكالربيــ     ـع تحبــــه للحسـن فيه
وإذا تحــــرق حاسدوه    بكى ورق لحـــــاسديه
كالورد ينفـــح بالشذى     حتى أنوف الســـارقيه
 
معنى الذوق في اللغة :هو إدراك طعم الشيء بواسطة الرطوبة المنبثقة بالعصب المفروش على عضل اللسان ، يقال: ذقت الطعام ، أذوقه ذوقا، وذوقانا ومذاقا، إذا عرفته بتلك الواسطة ، وتعدى إلى ثان بالهمزة ، فيقال:أذقت الطعام وذقت الشيء:جربته، ومن يقال: "ذاق فلان الباس:إذا عرفه بنزوله بعده
وانتقلت كلمة الذوق من موضعها الأصلي الذي قيلت فيه إلى مواضع عدة استعيرت لها، وصار الذوق يستعمل في الإحساس العام الذي تشترك فيه قوى الحس من سمع وبصر ولمس وشم ، وصار الذوق تعبيرا عن الإحساس بالألم والحزن ، أو الفرح والهناء ، أو الجوع والخوف ، وما إلى ذلك
  
أهمية الأدب والذوق: قال القرافي في كتابه الفروق
" واعلم أن قليل الأدب ، خير من كثير من العمل ، ولذلك قال رُويم – العالم الصالح –لابنه : يابني اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقاً. أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى الملح ، في "العجين
 
أسباب ضعف الذوق (3) :
(أ) غياب التربية الصحيحة عن كثير من أبناء الإسلام ، بسبب غياب دور الأب والأم ، ووجود المجتمع المفكك ، ربما كان الفرد في السابق يستحيي من كثير من النقائص ،وقد ضمر هذا المعنى الآن، وإنكار عامة الناس سابقا أقوى منه في هذه الأيام.
(ب) غياب القدوة الحسنة ، فسمت العالم وهديه له أثر عظيم على الأتباع " قال الذهبي " كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أويزيدون ، نحو خمس مئة يكتبون ، "والباقون يتعلّمون منه حسن الأدب والسمت
ج)ضعف المؤسسات التعليمية والثقافية وسلبيتها:أهلية كانت هذه المؤسسات أو رسمية،كالمدارس، ووسائل الإعلام،بل تقدم وسائل الإعلام أحيانا،رسائل ضارة بالدين والخلق.
د)ضعف التناصح بهذا الأمر ،وضعف الاهتمامة به رغم أهميته،بل ربما عد الكلام في مثل هذا الأمر ضرب من الترف أو الليونة التي لايسمح بها وقت الدعاة
 تهذيب الطبائع : يزعم البعض أن أخلاق الإنسان فطرية فقط . وهذا ادعاء يرده الواقع من وجوه منها:
أ) أن الأخلاق لو كانت الأخلاق لاتقبل التغيير لم يكن للمواعظ والوصايا معنى ولم يكن للتهذيب والتربية والأمر بهما فائدة
ب) ولو لم يكن للتهذيب والتربية أثر لما كان للحدود والزواجر الشرعية عن اقتراف الآثام معنى.
ج) كما أن الواقع المشاهد يدل على فائدة هذا التهذيب وإمكانه في الحيوان فضلا عن الإنسان فالصيد الوحشي يستأنس ويعلم الكلب عادات ، وتدرب الفرس
  - الأمر بالخلق – النهي عن سوء الخلق – وتميز الشخصية المسلمة بذلك :
انظر لكمال الأدب والذوق في قول أنس رضي الله عنه " خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ؟ ولالشيء تركته لم تركته ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه من أحسن الناس خلقاً ، ولامسست خزاً ولا حريراً ، ولاشيئاً كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولاشممت مسكاً قط ، ولاعطراً كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم تأمل يارعاك الله هذه المدة الطويلة- عشر سنين- استمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم على ذات الخلق الرفيع ، رغم أنه لايخشى من خادمه شيئا ، ولايتوقع عتبه عليه، لكنها أخلاق النبوة ، ولعلك تقارن هذا بما ترى عليه حال المسلمين اليوم في معاملة خدمهم ، بل في معاملة من يحتك بهم-من إخوانهم- ممن ليسوا خدما، بل هم زملاء وجيران ، والله المستعان.
 الذوق في المظهر العام للإنسان:( ويتمثل ذوقه في لباسه وزينته (فيلبس لباسا حسنا جميلا نظيفا،وإن لبس الأبيض فهو حسن ، وأن يكون اللباس رجوليا ويبتعد عن لباس الميوعة ، وأهل الفسق ) وقد حث الشرع على أخذ الزينة ، اتخاذ الرائحة الزكية، فلا يشم منه إلا رائحة حسنة ، وقد شرعت بعض الأحكام لإزالة الرائحة الكريهة (مثل النهي عن تناول الثوم والبصل لمن شاء صلاة الجماعة ، والاغتسال للجمعة من أجل رائحة العرق والملابس فيرى بعض الفقهاء وجوب الغسل في هذه الحالة) - ، وكذلك البعد عن المظاهر غير الرجولية كالقصات المنكرة التي نراها شائعة بين الشباب ، وفيها من التكسر ، والتشبه بالكفار ، وأهل الفسق مافيها
 ذوق اللقاء والتحية : ويتمثل في البدء بالسلام وحرص الإسلام على إفشائة بين المسلمين ، صغارا وكبارا، ولايقتصر على من يعرف بل يسلم على الجميع ولايحتقر أحدا ، والسلام سنة ، ورده واجب ، ومن الذوق في هذا المجال البشاشة والبشر والإيناس ، قال الشاعر الكريم:
 
أضاحــك ضـــيفي قبل إنزال رحله    ويخصـــب عندي والمكـــــان جديب
وماالخصب للأضياف أن يكثرالقرى     ولكنمــــا وجـــــه الكــــريم خصيب 
 
والبشر قد يدفع به شرور كثيرة ، ويدل لذلك حديث "بئس أخو العشيرة"، وينبغي أن يحرص المسلم على إشعار أخوانه بمحبته ، ويخبرهم بذلك ، ومن الإشعار بالمحبة: المصافحة، فإنها تزيد الود كما قاله الحسن البصري ، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم لاينزع يده من يد مصافحه حتى يكون الآخر هو الذي ينزع
 الذوق في الحديث : ومنه : اختيار الألفاظ الحسنة ، والبعد عن البذاءة قال الشافعي لتلميذه الربيع لما أغلظ في الكلام على بعض الجالسين (ياربيع أكس ألفظك) حتى وإن كان الكلام مزاحا، ويجب البعد عن الطعن في الآخرين،والتشهير بهم واغتيابهم، ولو كانوا خصوما،فليس المؤمن بالطعان ولااللعان ولاالفاحش البذيء
 ويبتعد المسلم عن تزكية نفسه (فلاتزكوا أنفسكم)ويحرص على خفض صوته أثناء الحديث إلا بقدر الحاجة قال تعالى(واغضض من صوتك) ويحرص أيضا على إتقان أدب السماع والإصغاء لغيره، وهو أدب لابد من تعلمه ، فليس من الذوق احتكار الحديث ، وعدم إعطاء الفرصة للآخرين ليفصحوا عما في أنفسهم .
ولابد من قبول تصحيح الخطأ عند حدوثه، فكلنا ذو خطأ ، ومن المناسب ترك الإشارة أثناء الحديث إلا لحاجة خشية أن يشير إلى بعض السامعين بما يؤذيهم ، ويحرص المسلم في حديثه على استعمال اللغة العربية السهلة مع البعد عن اللهجة غير المفهومة(مثل استخدام العامية التي لايعرفها الآخرون)
ويتكلم بالمناسب على الطعام ويتجنب مايستقبح من الكلام حتى ولو كان تعريضا ، فإن ذلك من قلة الذوق ، وكثير من الناس تعزف نفسه عن الأكل بسبب هذا الكلام النابي عن الذوق .
وينبغي أن يبتعد عن المداخلة ومقاطعة المتكلم ، كما أن ذكر نهاية القصة أو الحادثة قبل أن ينهيها المتحدث عيب لانرضاه لمسلم فضلاً عن داعية ، قال أبوتمام :
 من لي بإنســــان إذا اغضبتـــــه      وجهلت كان الحـلم رد جـــــــوابه
وإذا صبوت إلى المـدام شربت من      أخلاقــــه وســكرت مــن آدابـــه
وتراه يصغي للحـــديث بطرفــــه      وبســـمعـــه ولعـــله أدرى بــــه
 يقال : حدث رجل بحديث ، فاعترضه رجل فغضب عطاء ، فقال ماهذه الأخلاق ، ماهذه الطباع ؟ والله إن الرجل ليحدث بالحديث لأنا أعلم به منه ، ولعسى أن يكون سمعه مني ، فأنصت إليه وأريه كأني لم أسمعه قبل ذلك
 وإذا سئل جليسك عن شيء فلا تبادر أنت بالإجابة فإن ذلك أحفظ لأدبك ، وأنبل لمقامك ، قال مجاهد بن جبر : قال لقمان لابنه : إياك إذا سئل غيرك أن تكون أنت المجيب ، كأنك أصبت غنيمة أو ظفرت بعطية ، فإنك إن فعلت ذلك ، أزريت بالمسؤول ، وعنفت السائل ، ودللت السفهاء على سفاهة حلمك ، وسوء أدبك . وقال ابن بطة الحنبلي : كنا في مجلس أبي عمرو الزاهد الملقب بغلام ثعلب ، فسئل عن مسألة ، فبادرت أنا فأجبت السائل ، فالتفت إلي أبو عمرو الزاهد فقال لي : تعرف الفضوليات المنتـقبات ؟ ! أي : أنت فضولي ، فأخجلني
 ويجب أن ينزل الناس منازلهم في كل شيء ومن ذلك (الحديث) فإذا كان في المجلس من هو عالم أو صاحب تخصص يظن أن لديه علم أكثر من المتحدث فليعط المجال وذلك من توقير العلم وأهله "قال أبو سعيد سمرة بن جندب رضي الله عنه " لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً ، فكنت أحفظ عنه ، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني " رواه البخاري ومسلم .وبعض شباب الصحوة يتصدر أحدهم في المجالس مع وجود من هو في مقام شيوخهم.
 ذوق الزيــارة :
• إذا طرقت على باب أخيك أو صديقك ، أو من تقصده ، فليكن دقك برفق يعرّفه فقط بوجود طارق ، وإياك أن تطرق بابه بعنف كدق الظلمة والزبانية فتروعه وتخل بالأدب (دقت امرأة على الإمام أحمد الباب دقاً فيه عنف _ وكانت تريد أن تسأله عن مسألة من أمور الدين _فخرج وهو يقول " هذا دق الشرَطْ"-جمع شرطي- والصحابة كانوا يقرعون باب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأظافر
 • ولا يسيء الظن بأخيه إن طرق عليه ثلاثاً فلم يخرج ، فلعله في وضع لايتمكن معه من الخروج ، وللإنسان في بيته أحوال خاصة لايحسن كثرة التمحل بالسؤال عنها (قال رجل فضولي- لصبي أرسلته أمه بطبق مغطى - " ما الذي في الطبق يا صبي ، فقال الصبي " يا أحمق : فلم غطته أمي ").
 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا