الجمعة 10 شعبان 1441 - 3 أبريل 2020

عوامل النصر في بدر - من دروس غزوة بدر الكبرى

الأحد 19 رمضان 1439 - 3 يونيو 2018 5241 الشيخ مجد مكي
هذه خطبة ألقيتها في جامع السلام في حي المحافظة بحلب، في يوم الجمعة 14/رمضان/1398 الموافق 18/آب/1978 ، وهي الخطبة التاسعة عشر ، منذ ابتدأت الخطبة في ذلك المسجد ، وأنا في العشرين من عمري .
 وكنت أعد الخطبة وأكتبها وألقيها ارتجالاً ، كما هي عادتي ، في جميع خطبي ، وقد قادم الأخ الفاضل طارق قباوة بكتابتها ورأيت أن أقدمها للقراء الكرم بمناسبة غزوة بدر نموذجاً من تلك الخطب التي كنت ألقيها على منبر جامع السلام بحلب ، تجديداً للذكرى ونشراً للعلم.
 
بسم الله الرحمن الرحيم
عوامل النصر في غزوة بدر
 
 
يقول الحق سبحانه في كتابه الكريم: [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ(124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ(125) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ(126) ]. {آل عمران}..
 
أيها المسلمون: تمر بنا في هذه الأيام ذكرى غزوة بدرٍ الكبرى، أولُ عمليةٍ حربيةٍ كبيرة خاضَ غمارها المسلمون بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه المعركة الفاصلة قال القدر كلمته، على أيدي العصابة المؤمنة الصادقة الصابرة، تلك الفئة التي كانت على قلةٍ من العددِ والعُدَّة، تواجه سلاح العدوٍ بالإيمان وكثرة عدده بالصبر، وتنوع استعداده بالثبات، ولم تكن مهمة هذه الفئة محدودة بتحقيق أغراض قريبة تحدها أرض أو يحكمها مكان، بل كانت أوسع من الحدود والقيود، لقد كان على رجال بدر أن يُزيحوا من طريق الإنسانية رُكام الوثنية، وحطام الظلم الاجتماعي، وأن يرفعوا كلمة الله لتكون هي العليا، وأن يحرروا الناس من كل عبودية، إلا العبودية لله، وأن يُقلدوا أمتهم وسام القيادة لركب الإنسانية تحت راية الدين الجديد.
لقد انتصر المسلمون في بدرٍ على قلةِ عددهم وضَعْفِ أُهْبتهم، وكثرةِ عدوهم، وقوةِ استعداده، وكم تكون المقارنة فريدةً في نوعها حين نوازن جيش المسلمين في عددِ رجالهِ، بجيش المشركين، فنرى الثاني يبلغُ أكثر من ثلاثةِ أمثال الأول. ولو انتقلنا إلى مقارنة السلاح الحاسم في المعارك حينئذٍ وهو سلاح الفرسان لأذهلتنا نتيجة المقارنة، بين فارسين اثنين مسلمين، وبين مائةٍ من فرسان المشركين على خيلٍ عددها مائة... وإذا مضينا في مقارنتنا هذه، وانتقلنا إلى تسليح الجيش، وجدنا أن تسليح رجال قريش أتم وأثقل بكثيرٍ فقد سُلِّح الجيش كله بالدروع والسيوف والنِّبال...
فلو أخذت الأمور بالمقاييس العادية، وبالمنطق المألوف لكانت الهزيمة على المسلمين أمراً محققاً فما أسباب هذا النصر مع ذلك التفاوت البيِّن بين الفئتين؟ وما السرُّ أن هذه القلة العزْلاء تغلب تلك الكثرة المستعدة غلباً يقلب ميزان التقدير، وتنعكس فيه النتيجة.
ثمة أسباب عديدة تمخَّضت عن انتصار المسلمين في معركة بدرٍ الحاسمة، وسنستعرض أهم هذه الأسباب التي تفسِّر لنا هذا الانتصار المذهل الذي حققه المسلمون ضد أعدائهم الذين يفوقونهم عدة وعدداً وأول هذه الأسباب:
 
القيادة الموحدة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وكان المسلمون يعملون في المعركة كيدٍ واحدة تحت قيادته يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسم... وقد كان المسلمون ينفذون أوامر قائدهم بحرصٍ شديدٍ وأمانةٍ رائعة.
أما المشركون فقد خرجوا مفككين لا تربطهم قيادةٌ واحدةٌ، ولا يجمعهم رأي واحد... فلم يدخلوا المعركة إلا والنفوس مشحونة بالضغينة، والقلوب مشتتة موزعة هنا وهناك، والأهواء متباينة في حين دخلها المؤمنون وكلمتهم واحدة، وقيادتهم واحدة، وهدفهم واحد... وكان المشركون تحت قيادةٍ هوجاء متكبرة، وكان المسلمون تحت قيادةٍ حكيمةٍ رحيمةٍ مُحبَّبة إلى النفوس. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسوّي نفسه مع أصحابه في كل شيء، لم يستأثر بالدعة والأمن، ولم يؤثر نفسه بالراحة والاطمئنان. فكان صلى الله عليه وسلم يأبى إلا أن يشارك أصحابه في تعبهم وراحتهم، وإلا أن يأخذ دوره في المشي وفي الركوب كواحد منهم فيقول له رفيقاه: اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك. فيقول لهما:« ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما». ومع ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قدرٍ، وما كان له من مكانةٍ فإنه لم يشمخ في قلاعٍ مشيّدة، وعلى فرش وثيرة، وآرائك ناعمة، يطل على الناس من عل يباركهم ببسمة أو كلمة أو بيد ملوحة، وإنما افترش مع الناس الحصى، وأظله عريش من سَعْف النخل.
 
وعلى الرُّغم مما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عصمةٍ تقوم على النبوة والرسالة والوحي، فإنَّ ذلك لم يمنع المسلمين أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم رأيهم، وأن يعلنوا ما يعتقدونه صواباً ليُلاقوا من نبيهم كل تجاوب وتعاطف ورضى. فإن الشورى من صفات القيادة الناجحة، والمجتمع المؤمن والله سبحانه يقول: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] {آل عمران:159}. ويقول سبحانه: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] {الشُّورى:38}. وها هو ذا محمدٌ صلوات الله عليه وسلامه لا يخوض المعركة إلا بعد أن يستشير كل الناس مهاجرين وأنصاراً، لأنهم هم الذين سيقاتلون ولابد أن يكونوا مقتنعين بخوض المعركة، فقام المقداد بن عمرو فقال:« يا رسول الله امْضِ لما أمرك الله به فنحن معك! والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:[ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] {المائدة:24}. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ـ مكان ممعن في البعد ـ لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه »، وبهذا عبر المهاجرون عن رغبتهم العميقة في القتال، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أخذ رأي الأنصار لتحقيق مبدأ الشورى من كل الوجوه، وتنحية للآراء الفردية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أشيروا عليَّ أيها الناس» فقام سعد بن معاذ فقال: « قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، وعلى السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، فلعل الله يريك منا ما تقربه عينك، فسر على بركة الله».
 
ولمح رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام سعد واستقباله الأنصار أنهم راضون فأشرق وجهه بالسرور وقال:« سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ».
وتقدم بأصحابه حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به، فسأله الحُباب بن المنذر:« يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ؟ منزلاً أنزلك الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأيُ والحربُ والمكيدة ؟ فقال:« بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، فقال الحُباب: يا رسول الله، فإنَّ هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه ثم نبني عليها حوضاً فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت بالرأي» ثم أمر بتنفيذ خطته .
 
 لقد كانت حصيلة هذه المواقف واستشاراته كلها نصراً مؤزراً لجند الحق، وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم... وفي ظلال أي حكمٍ يمكن لجندي بسيط أن يناقش قائد الجيش والدولة، في خطة حربية نفذها القائد وهو منها على خطوات؟ إنَّ مثل هذه الروح ومثل هذا الجو الحواري الهادئ ليسمو على كل ما تسمو به مفاهيم الديمقراطية الحديثة.
إنها الشورى التي تفسح صدر القائد مهما علت مكانته لجندي من الجنود... إنها الشورى التي تبدو في رحابها الأنظمة الديمقراطية المتبجحة  الزائفة قزماً قميئاً ودمية من الدُّمى لا روح فيها ولا حياة...
إن من أهم عوامل النصر في معركة بدر تلك القيادة المثالية التي تجلت في المساواة  والاستشارة في كل عمل حاسم... وكذلك العدالة المطلقة الشاملة التي تمثلت بإمام العادلين وسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام...فأعطى القود من نفسه لسواد بن غزية، فلما مكنه من نفسه ليقتص منه سواد لم يزد على تقبيل بطنه الشريف صلى الله عليه وسلم فقال له: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: حضر ما ترى فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدَك.. إن مما يستوجب الوقوف والتأمل تلك العدالة والآنية والتلقائية في النقاش في نظام الإسلام، دونما تفريق بين الرئيس والمرؤوس، والقائد والمجنَّد، حتى في أحلك الظروف، فأين هذا مما تنص عليه بعض الدساتير في موادها الأولى وتقول: الملك ذات مقدسة لا تمس بسوء... لقد صورت  هذه المحاورة مبلغ تعلُّق الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في أعظم مشهد فحينما تقع الحرب، وتلتقي الأسنَّة، وتلتمع السيوف، وتظهر أشباح الموت، تُودَّع الدنيا في شخص الغوالي المحبين، تذكُّراً أو قرباً أو دفاعاً، وكان صنيع سواد تصويراً وتعبيراً قمةً في التعلق الشريف، والحب الخالد... ما كان أجدره صلى الله عليه وسلم بهذا التعلق الفريد وما كان أجدر صحابته بهذا المستوى الرفيع من الحب المثالي.
ومن عوامل النصر الحاسم في هذه المعركة الخالدة ما اتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسس العسكرية البالغة غاية البراعة فلقد تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة المعركة بحذق ليس له مثيل، فقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم في مسير الاقتراب من المدينة إلى بدر تعبئة جديدة فكان لهم مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة واستفاد من دوريات الاستطلاع للحصول على المعلومات الكافية عن قوة العدو ومواقعه.
لقد برهن الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع تصرفاته على عبقرية حربية فذة فلم يرض أن يكون جيشه خليطاً من المسلمين والمشركين فقد حدثت عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلما كان بحرة الوبر أدركه رجل فيه جرأة ونجدة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم جئت لأتبعك وأصيب معك: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: كلا قال: فارجع فلن نستعين بمشركٍ. ثم أدركه الرجل بموضع آخر فقال مثل قولته . ثم أدركه بالبيداء فقال: أتؤمن بالله ورسوله ؟ قال: نعم، قال: انطلق. وبذلك لم يخرج في هذه المعركة إلا كل مؤمن مبايع خالص الإيمان وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يسلكه كل قائد مؤمن يذهب إلى الميدان.
ومن الأسس العسكرية التي اتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم:أمره المقاتلة بقوله: « إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبال، واستبقوا نبلكم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم » ويعني هذا الأمر أن يؤخِّروا قذف السهام من الأقواس على جيوش الأعداء حتى يقتربوا منهم، لتكون الإصابات مُسدَّدة مركزة، وهو نفس المبدأ الذي تستخدمه الجيوش الحديثة عند إطلاق النيران، ويعرف باسم كبت النيران لتصيب كل رمية مَقْتلاً، ثم إنَّ مقابلة العدو بوابل منهمر من السهام من مسافة قريبة يروع العدو ترويعاً شديداً بينما يطيش الرمي على المسافات البعيدة ويكشف مواقع الرماة، وهذا المبدأ الحربي الذي ما زال إلى اليوم هو الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:« إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبال، ولا تسلُّوا السيوف حتى يغشوكم ».
إن من عوامل النصر الأساسية: القوى المعنوية... التي معدنها الفياض العقيدة الصحيحة، فليست كثرة العدد، ولا ضخامة الاستعداد، ولا قوة الدعاية، هي السبب الحقيقي في النصر... إنما أسباب النصر في صلاح العقيدة وقوة الإيمان بها، وطول الصبر عليها، وصدق الجهاد في سبيلها.
وإن بلغت القلة المؤمنة ما بلغت من الضعف، وبلغت الكثرة الكافرة ما بلغت من القوة:[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ] {القصص:5}.وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو ـ وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة ـ لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة، ولتنتصر العقيدة بقوتها على الكثرة بعتادها، فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد، وأن على أصحاب العقيدة الحقة أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة، غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية، لأنهم يملكون قوةً أخرى لها ثقلها في الميزان، وأن هذا ليس كلاماً يقال وإنما هو واقع للعِيان... وكان صلى الله عليه وسلم أعرف الناس بهذه الحقيقة، وأوثقهم إيماناً بنصر الله سبحانه فدعا أصحابه إلى الجهاد، ها هم يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « والذي نفسي بيده لا يقاتلهم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة » وهبت عليهم رياح الجنة، فهانت عليهم الحياة، ولذَّت لهم الشهادة، واستعجلوا الموت في سبيلها، فليركضوا إلى إله حاسرين، وليقيموا الصفوف فرحين بوعد الله في النصر أو الشهادة، هذا عُمير بن الحمام، يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد بالجنة للمقاتل في سبيل الله، الصابر المحتسب، المقبل الذي لا يدبر، فيلقي بتمرات كانت في يده ويقول: بخٍ بخٍ، أما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ؟ يأخذ سيفه ويقاتل ويقاتل حتى يلقى الله شهيداً وهو يهتف:
ركضاً إلى الله بغير زادِ            إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد     وكل زاد عرضة النفاد
                        غير التقى والبر والرشاد
وهذا عوف بن الحارث رضي الله عنه: يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عما يرضي الربَ من عبده؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « غمسُهُ يَده في العدوِ حاسراً » فنزع عوف درعاً كانت عليه وقذفها، وأخذ سيفه وقاتل حتى أكرمه الله بالشهادة.
وتسابق الشباب في الشهادة ونيل السعادة فهذا عمير بن أبي وقاص: وهو في السادسة عشرة من سنه يطلب الشهادة في سبيل الله، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده، لأنه لم يبلغ مبلغ الرجال، فبكى عُمير، ورقَّ له قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه، وقتل شهيداً في الغزوة.
كما أن حارثة بن سراقة وهو غلام آخر أصابه سهم خاطئ فاستشهد فجاءت أمه ـ كما في البخاري ومسلم ـ فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرين الله ما أصنع. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك أهبلت.. إنها جنان ثمان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى.
ومن أمثلة البطولة التي هي قيد الأبصار ومتلفت الأعناق، هذا الحوار الذي جرى بين سعد بن خيثمة وأبيه: إذ قال خيثمة لابنه حين ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين للخروج،:قال خيثمة لابنه: آثرني بالخروج وأقم مع نسائك، فأبى سعد على أبيه وقال: لو كان غير الجنة آثرتك بها... فلم يرض خيثمة إلا أن يقترع بينه وبين ابنه سعدٍ على الخروج فلما اقتراعا خرج سهم سعد فخرج دون أبيه، فحزن هذا الأب حزناً شديداً وجعل يتمنى أن يصيبه ما أصابه ابنه فأرضى الله الرجلين الأب وابنه فاستشهد سعد ببدر ثم استشهد أبوه في أحد من بعد...
إن هؤلاء المؤمنين الميامين صنعوا بدراً معلماً في تاريخ الدعوة، كما صنعوا لنا تلك الذرى من البطولات في شتى الميادين، وخطوا لنا معالم الطريق في خط الدعوة الطويل، ولهذا بقيت بدر رمزاً للانتصار الحاسم العظيم، وسِفْراً في سجل البطلة الرائعة والتضحيات المثلى، وكانت انعطافاً في تاريخ العالم، ونقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية... وستبقى بدر كنزاً من العبر للمسلمين وللبشرية جمعاء، ونبعاً فياضاً من المعالي الواقعية والدروس العملية لدعاة الإسلام.
لقد رأينا في بدر روحاً وثابة تشتاق لنعيم الله ورضوانه، وتريد أن تنعتق من إسار الدنيا لتحظى بنعيم الآخرة.
ورأينا صوراً من الإيمان المتحرك العجيب، الذي فجر الطاقات الكامنة، وحول العزائم النائمة فكانت عملاً وبطولة وتضحية واستشهاداً ونصراً حاسماً.
إن بدراً وضحت لنا حقيقة خالدة هي: أن الإيمان أقوى من السلاح والكثرة، وأكثر أهمية من العتاد والرجال، وأن الحق أقوى من الطاغوت والطغيان.
إن كل الذين ساروا في طريق الدعوة، وتفهموا حقيقة العقيدة، وقاسوا آلام الطريق، وضحوا في سبيل الله بكل شيء، وتطلعوا إلى الشهادة بأمل ولهفة، هؤلاء هم الذين عرفوا بدراً، وصنعوا بدراً، وهؤلاء هم الذين انتصروا على الأحزاب، وثبتوا في حنين، وصمدوا في القادسية، ودخلوا المدائن، وفتحوا فارس، والهند والأندلس، وأداروا معركة اليرموك وتسوروا دمشق، وطهروا القدس، وكبروا باسم الله فوق صخرتها، بعد طرد الصليبيين منها.
نعم هنا وهناك، أعادوا ذكرى بدر في جهادهم وعملهم، وإنَّ بدر الإيمان، بدر القوة، بدر الإسلام، بدر النصر، تعود كلما سار الناس على طريق الإيمان، طريق الإسلام.
والإسلام هو الإسلام، يخرج الرجال ويصنع الأبطال في كل زمان ومكان، وما على المسلمين إلا أن يلجأوا إلى الله، ويملأوا قلوبهم بالإيمان به، ويحكموا شريعته في كل الأمور، ويعتصموا بحبل الله جميعاً... ولهم عندئذ أن ينتظروا نصره وتأييده، ولن يخلف الله وعده، ومن أوفى بعهده من الله.
[وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] {الرُّوم:47}.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا