الأربعاء 9 ربيع الثاني 1442 - 25 نوفمبر 2020

النصيحة وآدابها - أهمية النصيحة وخطواتها

الاثنين 24 محرم 1436 - 17 نوفمبر 2014 1949 الشيخ إبراهيم السلقيني

خطبة فضيلة الدكتور إبراهيم السلقيني في جامع الإمام أبي حنيفة في حلب بتاريخ 11/جمادى الأولى/1429 الموافق 16/5/2008

 

الحمد لله، الحمد لله آناء الليل وأطراف النهار ملئ السموات وملئ الأراضين حيثما توجه الإنسان وأينما استقر.

الحمد لله العلي القادر العزيز القاهر الخبير الذي لا ينسى، الحكيم الذي لا يضل.

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وخلفائه الراشدين المرشدين الهادين المهديين من بعده: سيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وعلى باقي الصحابة والقرابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

ليس فينا من لا يخطئ ذلك: لأن كلاً منا ركب فيه من الطباع ما يميل به من الرشد إلى الغي ومن الهدى إلى الضلال ومن  التقى إلى الفجور (ونفس وما سواها فألهمها وفجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان منا من لا يعرف خطأه ،ولا يهتدي إلى عيبه، فإن من حق الأخ على أخيه، والصديق على صديقه، والجار على جاره، والزوج على زوجته، والزوجة على زوجها، من حق الجميع أن ينصح أخاه ،وأن يبصره بعيوبه بعد أن يعرف عيوب نفسه فيجتنبها ،والذين يتساهلون أو يوم يتساهل الناس في هذا الحق فيتملَّق الصديق صديقه، ويستر عيوبه، ويحاول أن يجعل من عيوبه: استقامة؛ فقد وصلت الأمة إلى الهاوية فتنقلب الصداقات إلى عداوات، وتنقلب الثقة إلى عدم الثقة، ويموج المجتمع بالفوضى والشر والفساد.

ولقد أخبرنا الله تبارك وتعالى في محكم آياته: أنَّ بني إسرائيل حينما تهاونوا في النصح والتناصح، وحينما كانوا لا يتناهون عن فعلوه استحقوا اللعنة والطرد والتشريد والتمزيق (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون).

أيها الأخوة: إن من الأدلة على رُقيِّ المجتمع، وعلى سلامة واستقامة ضمائر أفراده أن يتمسَّكوا جميعاً في كل مجالاتهم بخلق النصح والتناصح؛ حينئذٍ يكون الحق محترماً، والفضيلة منتشرة، والثقة تربط بين الأفراد والجماعات.

أيها الأخوة الأحبة: لقد حصل سوء الفهم، والاضطراب لمعنى النصيحة ولشروطها؛ فكثير من الناس انقلبت عنده النصيحة إلى  التشهير بالآخرين، وكثيراً أيضا غيرهم انقلبت المداراة إلى التملق للآخرين.

أيها الأخوة: إذا رأيت أن النصيحة لا تجدي؛ بل تنقلب إلى ضرر وشر فعليك: مداراة من تريد نصيحته، وتنحيَّن الفرص السانحة ،والظروف المواتية إلى نصحه فتنصحه ،وهذه هي المداراة، وهذه هي حدودها؛ أما أن تشجع المخطأ على خطأه، أما أن نؤيد المنحرف على انحرافه، والظالم على ظلمه فهذا هو التملق الذي حرمه الإسلام أشد تحريم.

أيها الإخوة الأحبة: إنَّ للنصيحة مراتب وخطوات لابد من سلوكها قبل أن تؤدى النصيحة:

أولى الخطوات: أن لا نسارع إلى تصديق كل ما نسمع بل علينا أن نتثبت من صحة ما ينقل، ذلك لأن أغلب الناس اعتادوا على إشاعة السوء، وعلى سوء الظن، ولذلك حرم الإسلام سوء الظن، واعتبره إثماً فحرمه الإسلام بالآيات الكريمة منها: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) ومنها في الحديث الشريف: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث».

 

والخطوة الثانية أيها الأخوة: أن تقدر طبائع الناس وأن تر أنهم ليسوا أنبياءً ولا ملائكة معصومين عن الخطأ، بل معرضون للخطأ وتحمل خطأهم على ضعف النفوس، أو غالب النفوس البشرية أمام ما يعرض لها ،ولذلك فعليك أن لا تطمع بأن لا ترى ذلة أو هفوة أو خطأ فهذا أمر طبيعي في كثير من النفوس البشرية، ولهذا نقل عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ليس أحد من المسلمين من يطيع الله أبداً، ولا يعصيه أبداً، وليس في المسلمين من يعصي الله أبداً ولا يطيعه أبداً؛ فمن غلبت طاعاته على معصيته كان عدلا».

 

أيضا من الخطوات التي يجب أن تسلكها قبل أن تُوجِّه النصيحة أن عليك أن تحاكم الأمر الذي تراه أنه منكر، تحاكمه ليس من وجهة نظرك وحدك بفردك، وإنما أنت تعرف وجهة نظر مَنْ تنكر عليه لأنه قد يكون له شبهٌ فتحاوره في تصحيحها، وقد يكون له أيضاً بعض الحق فيما ذهب إليه، وأيضاً أيها الأخوة في الأمور التي اختلف فيها العلماء المعتبرون لا مجال لإنكار لأحد على أحد فيها طالما يعتمد على مجتهد من المجتهدين المعتبرين.

ورابع الخطوات أيضاً: أن تكون نصيحتك لمن تريد أن تنصحه في السر لا في العلن، وليس على ملأ من الأشهاد ،وإنما بينك وبينه لأنك حينئذٍ حينما تفعل ذلك تكون نصيحتك أكثر استجابة، وأدل على إخلاصك ،وأبعد عن شبهة تظاهرك بالفضل أو بالعلم عليه؛ لأن النفوس عادة وغالباً تكره أن يطلع أحد على عيوبها. ورسولنا صلى الله عليه وسلم وهو المعلم الأول والمربي الأكبر إذا رأى من جماعة انحرافا أو خطأ أو منكراً ما كان يُسمِّيهم بأسمائهم ،وإنما كان يقول صلى الله عليه وسلم وهذا أعلى مستويات التربية: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا).

فإلى أولئك الذين يشهرون بالناس ويفتضحون حرماتهم أمام الناس بحجة أنهم دعاة إلى الحق ، وبحجة أنهم ناصحون: إنهم يقلبون الخير شراً، ويتخذون الحق سبيلاً إلى الباطل، إنهم يرتكبون إثماً عظيماً وهو إثم فعل الغيبة التي حرمها الإسلام وجعلها من المحرَّمات القاطعة (ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه)؟!. فإذا ذكرت أخاك في غيبتك بما يكره وكان ذلك فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه.

أيها الأخوة الأحبة: أما إذا تكرر نصحك لإنسان، وبقي مستمراً على خطئه ،وعلى تصرفاته، وكان موضع القدوة للآخرين، وكان ممن يستمع قوله فليس من الغيبة أن تذكر خطأه أمام الناس حتى لا يقتدوا به ولا يتأسوا بفعله، فأنت تكره هذا الفعل ولا تريد التشهير بفاعله.

انظروا إلى قول الله عز وجل:(فإن عصوك فقل إني بريْ مما تعملون) فإني بريء من الفعل لا من صاحبه.

أيضاً من الخطوات كذلك: أن لا يترتَّب على النصح أو على إنكار المنكر ضرر أعظم أو شر أكبر، أن لا يترتب عليه مثلاً فتنة أو تمزيق للجماعة، أو صراعات فيما بينهم فإن ترتَّب على ذلك مثل هذه النتائج فعليك أن لا تقوم بهذه النصيحة. إذا اجتمعت كل الخطوات، وتأكدت من صحة ما نقل إليك، ولم يكن هنالك شبهة فحينئذٍ تبادر إلى النصيحة، ولكن بأسلوب لين هين محبب ومرغب وبكلمات طيبة وبحجج مقنعة وهذا ما وجهنا الله تبارك وتعالى إليه بقوله عزَّ مِنْ قائل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) فالرفق واللين، والكلمة الطيبة، كالشجرة الطيبة تفتح القلوب للاستجابة وتعيد الناصح عن شبه الغرور والتعالي والتعالم على من ينصحه (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

إن علينا أن لا نزدري العاصي ولا نترفع عليه ولا نشعره بأننا أعلى منه وأفضل منه إننا يجب علينا أن يكون موقعنا في النصيحة وفي التوجيه في بيوتنا وفي مجتمعاتنا ولدى جيراننا ولزملائنا وأصحابنا وأصدقائنا أن ننظر إلى المخطأ منهم نظرة الطبيب، طبيب الأجسام هل رأيتم طبيباً يزدري مريضه أو يحتقره أو يتعالى أو يترفع عليه؟! إن وجد مثل هذا فهو طبيب فاشل.

ومن هنا أيها الأخوة: إذا تحول أو إذا خالفنا الرقة واللطف والحجة في النصيحة فقد تصبح حينئذٍ قسوة وغلظة تغلق القلوب عن سماعها وتنفر الناس عن الاستجابة للخير.

ما أحوجنا أيها الأخوة إلى النصيحة وإلى أن نُشيعها في بيوتنا، ولدى جيراننا، وفي مجتمعاتنا ،وفي معاملنا ومؤسساتنا ؛القائد مع جنده والأستاذ مع تلميذه، وكل مسؤول مع من كانوا تحت ولا يته، والزوج مع زوجه، والوالد مع ولده، والجار مع جاره.

ما أحوجنا إلى معرفة مراحل وخطوات النصيحة وشروطها في وقت اشتدت فيه النزاعات والخصومات والصراعات والانقسامات والاتهامات.

نعم أيها الأخوة: ما أحوجنا في كل مشكلاتنا الاجتماعية إلى أن نتعرف حكم الإسلام فيها, وأحكام الشريعة فيها بملازمة العلماء المخلصين، والاستفادة من علمهم ومن يدلنا على الله حالهم قبل أن يدلنا على الله كلامهم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا