الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

كتب لابد من قراءتها - خمسة كتب في الحديث الشريف

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 2163
كتب لابُدَّ من قراءتها
بقلم : أحمد البراء الأميري
في عالم المتغيرات السريعة التي لم يشهد لها الإنسان مثيلاً في تاريخه، والله أعلم بالمستقبل، في هذا العالم اللاهث تبقى بعض الثوابت المادية والمعنويَّة التي يستحيل تجاهلها: فلابد من الهواء للإنسان كي يتنفس ليعيش، ولابد له من الطعام والشراب والكساء والدواء.
الجوع حقيقة، والمرض حقيقة، والحياة بعد الموت عندنا وعند كثيرين غيرنا حقيقة، ولكن المُستجدَّات والاكتشافات، والعلوم الحديثة والتكنولوجيا، والحاسب الآلي، والصعود (من) القمر... إلخ لا تلغي الحقائق!!
عشرات الألوف من الكتب الجديدة بالقراءة التي يلزم أن يقرأها المسلمون: كلٌّ في تخصّصه، لا تُترجم، ولا يقرؤها النائمون!! وتبقى بعضُ الكتب حقائق ثابتة لا بدَّ منها، ولا يُغني عنها سواها: أولها: القرآن الكريم، وتتلوه كتبُ الحديث الشريف.
هناك أربعة من هذه «الكتب الحقائق» من الضروري لكلِّ مسلم، جاد غير متخصِّص في العلوم الشرعية، أن يقرأها، بل أن يصحبها ليعيد النظر فيها المرة تلو المرة، بين حين وحين، بل من الضروري حتى لغير المسلم الذي يحترم الثقافة البشرية، ويود الاطلاع على البلاغة العربية في أكمل صورها، ويحرص على الاستفادة من الحكمة الإنسانية الكاملة المهتدية بالتَّسديد الإلهي، حيث يحني أرسطو وأفلاطون وأمثالهما رؤوسهم ذُلاً وخضوعاً، من الضروري أن يقرأ هذه الكتب الأربعة في الحديث الشريف، التي وقع عليها اختياري بعد صُحبة لها، وتفكير طويل، والله أعلم بصوابي!
وقد قلت قبل سطور: «غير متخصص في العلوم الشرعية» لسبب واحد أن المتخصص في «الحديث الشريف» قد يقول: إنه يرجع للأصول، هذه الكتب هي على الترتيب التالي:
1 ـ رياض الصالحين. 2ـ مختصر صحيح البخاري. 3ـ مختصر صحيح مسلم. 4 ـ الأذكار.
وإن شئتُ أن أضيفَ لها خامساً قلتُ: هو كتاب الشَّفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم.
أولاً: رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي المتوفى عام 676هـ، ـ رحمه الله تعالى ـ وهو كتاب أشهر من أن يُعرَّف، ومع ذلك فلو سألتَ مئةَ مسلم ـ لا على التعيين ـ كم واحداً منهم قرأه من أوله إلى آخره فلعلك لا تجد أحداً!!!.
في الكتاب(1896) حديثاً شريفاً في (372) موضوعاً مختلفاً، قال المؤلف عنه: إنه مختصرٌ من الأحاديث الصحيحة، مشتمل على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، والتزم ألا يذكر في الكتاب إلا حديثاً صحيحاً.
قال الشيخ شعيب الأرنؤوط الذي حقّق الكتاب في إحدى طبعاته الجيدة: « إنه وجد في الكتاب(46) حديثاً ضعيفاً لم يجد لها ما يقوّيها، لأنَّ المؤلف تابع الإمام الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ في تحسينها، وسكوتَ الإمام ابي داود ـ رحمه الله تعالى ـ عنها، وعلى هذا الرأي يكون حوالي(98) في المئة من الأحاديث الواردة في هذا الكتاب المبارك صحيحاً بالإجماع وأظن أن هذا يكفي!.
ثانياً: مختصر صحيح البخاري المسمى: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، للإمام زين الدين أحمد بن عبد اللطيف الزَّبيدي، مُحدِّث البلاد اليمنية في عصره، المتوفى عام (893)ـ رحمه الله تعالى ـ وقد بلغت أحاديث هذا المختصر(2230) حديثاً، كلها صحيح إن شاء الله تعالى.
إنَّ أصحّ وأشهر وأعظم كتاب في الحديث هو كتاب الإمام البخاري المتوفى عام (256هـ) ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه ـ ؛ لكنه ـ كما يقول الإمام النووي في مقدمته لشرح صحيح مسلم رحمهما الله ـ: « يذكر الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، وكثير منها يذكره فيغير بابه الذي يسبق إليه الفهم أنه أولى به، فيصعب على الطالب جمع طرقه، وحصول الثقة بجميع ما ذكره من طرق الحديث، وقد رأيتُ جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا.
فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مظانّها السابقة إلى الفهم».
يقول الإمام الزبيدي، صاحب المختصر: «لذلك أحببت أن أجرِّد أحاديثه من غير تكرار، وجعلتها محذوفة الأسانيد ليقرُب تناول الحديث من غير تعب، وإذا أتى الحديث المتكرر أثبتُه في أول مرة، وإن كان في الموضع الثاني زيادٌ فيها فائدة ذكرتها وإلا فلا، وقد يأتي حديث مختصر، ويأتي بعدُ في رواية أخرى أبسطَ، وفيه زيادة على الأول فأكتب الثاني، وأترك الأول لزيادة الفائدة».
وقد طُبع هذا الكتاب الثمين طبعة جيدة في دار النفائس، بتحقيق: إبراهيم بركة، وهو في مجلد واحد، وعدد صفحاته(630) صفحة وفيه حواشٍ كثيرة لشرح الأحاديث الشريفة، والتعليق عليها، وعدد من الفهارس العلمية، وملحق للتعريف برواة الأحاديث.
ثالثاً: مختصر صحيح الإمام العَلَم، تلميذ الإمام البخاري، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة (261) ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه ـ وقد قام باختصاره الإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، المتوفى سنة (656هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ وهو صاحب الكتاب الشهير: الترغيب والترهيب، قال عنه الإمام الذهبي: »لم يكن في زمانه أحفظُ منه».
وبلغ عدد أحاديث المختصر(2179) حديثاً.
يقول المنذري ـ رحمه الله تعالى ـ في مقدمته:« هذا كتاب اختصرته من صحيح الإمام مسلم اختصاراً يُسهِّله على حافظيه، ويُقَرِّ للناظر فيه، ورتَّبته ترتيباً يُسرع بالطالب إلى وجود مطلبه في مظنَّته، وقد تضمَّن ـ مع صغر حجه ـ جُلَّ مقصود الأصل».
رابعاً: كتاب (الأذكار) للإمام النووي أيضاً، وهو أشهر من أن يُعرَّف كذلك، وهو كتاب لا يستغني عنه طالبو الآخرة الأخيار، حتى قال بعض العلماء الذين عليهم المدارة: «بِعِ الدار واشتر الأذكار»، ولذلك عُني به العلماء عناية عظيمة، فمنهم من شرحه ووضّحه، ومنهم من اختصره وهذّبه... إلخ... ولعله أثمن كتاب في موضوعه، يُغْني عن غيره، ولا يُغْني عن سواه.
قال المؤلف عن كتابه:«... وأحذف الأسانيد إيثاراً للاختصار، ولكونه موضوعاً للمتعبدين، وليسوا إلى معرفة الأسانيد متطلّعين، ولأن المقصود به معرفة الأذكار النفائس من علم الحديث، ودقائق الفقه، ومهمات القواعد، ورياضات النفوس، والآداب التي تتأكد معرفتها على السالكين، وأذكر جميع ما أذكره مُوَضِّحاً بحيث يسهُلُ فهمه على العوامّ والمتفقهين».
خامساً: كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم: هو أجمع كتاب في فضائل نبينا عليه الصلاة والسلام، وشمائله، ومعجزاته، وحقوقه، وجميع ما يتعلق به، وهو كتاب حافلٌ عظيم الفائدة، عمّ المشارق والمغارب، ولا تخلو مكتبة عالم منه، له أكثر من (30) شرحاً وخرَّج أحاديثه عدد من العلماء، مؤلف الكتاب هو: القاضي عياض بن موسى اليحصُبي الأندلسي الذي ولد بسبتة، وتوفي في مراكش عام (544هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ وكان إماماً مجتهداً، ومحدثاً، فقيهاً، شاعراً أديباً خطيباً.
غير أن في الكتاب أحاديث ضعيفة، وأخرى لا أصل لها، وأقوالاً لا مستند لها، ومن فضل الله أن وفَّق الشيخ الفاضل المحدِّث المربي عبد الله بن عبد القادر التليدي، من علماء طنجة إلى تهذيب الكتاب فحذف أسانيد المؤلف، ونقّى الكتاب من الأحاديث الضعيفة والأقوال الواهيه، وخرَّج أحاديثه، فجاء الكتاب في مجلد واحد يقع في(584) صفحة، مطبوع طباعة أنيقةُ مُشرقة، وسماه: «إتحاف أهل الوفا بتهذيب كتاب الشِّفا».
هذه ـ أيها القارئ الكريم ـ خمسة كتب، إن لم تكن بالنسبة للمسلم المثقفِ الجادِّ الحريصِ على دينه ودنياه أهمَّ ما ينبغي له أن يَقتنيِهُ ويقرأه، ويحرصَ عليه، فهي في مقدمة أهمِّ هذه الكتب.
وأكرر: إن الانتفاع بها يزداد كلَّما ازداد المرء قراءةً لها،وتأملاً في معانيها، وتطبيقاً لما جاء فيها.
والقيام بهذا العمل ـ على مستوى الفرد ـ نقلةٌ في حياته عظيمةٌ وعلى مستوى الأمة خطوةٌ من أهم الخطوات للخروج من العطالة إلى الفاعلية، ومن التخلف إلى التقدم، ومن الجهل إلى العلم، ومن الذِلة إلى العِزة، والله الموفق.
***

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا