الاثنين 23 محرم 1441 - 23 سبتمبر 2019

المواطنة إسلاميا وريادة مؤتمر العلماء فيها.. - لهم مالنا وعليهم ما علينا

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1411
المواطنة إسلاميا وريادة مؤتمر العلماء فيها.. - لهم مالنا وعليهم ما علينا
الذي حدا بنا إلى التعرض إلى هذا الموضوع هو عدم استقراره في أذهان العاملين للإسلام في عالم يقوم كله على أساس المواطنة في دوله المنتمية إلى الأمم المتحدة والتي تقوم على أساس المساواة بين أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو المذهبية , إذ يتعارض هذا ظاهراً مع الدولة الإسلامية التي تقوم على أساس الإسلام لنوعين من المواطنين , مسلمين وأهل ذمة , ونعرض لتطور هذه الفكرةبالتدرج التالي :
1- لقد قامت دولة المسلمين الأولى في المدينة على أساس المواطنة من خلال عقد , ولم تقم الدولة من خلال حرب
2- بعد نزول آية الجزية في السنة التاسعة للهجرة وابتداء الفتوحات الإسلامية في عهد الصديق رضي الله عنه صار كل من دخل في الإسلام من خلال الجهاد والقتال ذمي بحماية المسلمين . ولم يكن الأمر كذلك في الدول التي دخلت في الإسلام عن طريق التجار والدعوة إلى الله .
3- بقي هذا الأمر سائداً في الدولة العثمانية التي تمثل المسلمين في العالم حتى عام 1839 حيث صدر مرسومان سلطانيان نصا على اعتبار المساواة بين المواطنين خلال عهد السلطان عبد المجيد.
أولهما : في عام 1939, هو خط شريف همايوني المشهور , ومنشور كو لخانة الذي وضعه الصدر الأعظم مصطفى رشيد باشا , والذي عرف بخطه المعتدل الإصلاحي في الدولة العثمانية , وقد كفلت هذه التنظيمات مساواة المسلمين والذميين من الرعايا العثمانيين أمام القانون مقابل الحفاظ على الدولة العثمانية بعد أن هددها محمد علي باشا في الفترة 1839-1842 بموجب معاهدة لندن , وقد راح العلماء يشرحون للأمة أن هذا المنشور لا يتعارض مع الإسلام .
ثم كان المنشور الثاني في عام 1856 أو المعروف بخط شريف همايوني الذي عرف بمنشور التنظيمات الخيرية , وقد صدر عقب حرب القرم 1854-1856 فكان ثمن هزيمة الدولة العثمانية في هذه الحرب , والذي أكد كسابقه المساواة في ذلك بالضرائب ( إلغاء الجزية ) وتمثيل الطوائف غير الإسلامية بمجالس محلية ومجلس القضاء , لكنه أخذ شرعيته لكونه صادرا عن الخليفة العثماني الإسلامي أكثر من شرعيته بتبني العلماء له .
4- وعندما ظهر أول دستور إسلامي مكتوب للدولة العثمانية , أكد على هذه المساواة وكان هو دستور عام 1876 والذي نص على مايلي :
المادة 8- يطلق لقب عثماني على كل فرد من أفراد التبعية العثمانية بلا استثناء من أي دين ومذهب كان , ويسوغ الحصول على الصفة العثمانية وفقدانها بحسب الأصول المعنية في القانون
المادة 11- إن دين الدولة العثمانية هو الدين الإسلامي , ومع مراعاة هذا الأساس وعدم الإخلال براحة الخلق والآداب العمومية , وتجري جميع الأديان المعروفة في الممالك العثمانية بحرية حماية الدولة مع دوام الامتيازات المعطاة للجماعات المختلفة كما كانت عليه .
المادة 17- إن العثمانيين جميعهم متساوون أمام القانون , كما أنهم متساوون كذلك في حقوق ووظائف المملكة ماعدا الأحوال الدينية والمذهبية .
5- بعد سقوط الدولة العثمانية قامت الدول القطرية في أنحاء العالم , ونص أول دستور مكتوب في سورية عام 1919 على هذه الفقرة بقوله :
المادة9- يطلق لقب سوري على كل فرد من أهل المملكة السورية العربية ويسوغ الحصول على الجنسية السورية وفقدانها بحسب الأحوال التي يعينها قانون التابعية .
المادة10- السوريون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات .
6- ولم يكن لهذه المواد أن تحمل أثرا شرعيا لأن القانون والدستور نص على علمانية الدولة واكتفى فقط بالقول أن دين ( ملكها الإسلام , وكان تعبير ( مدينة ) هو الذي بمثل العلمانية آنذاك مقابل الدولة الدينية إذ تنص المادة الأولى من الدستور :
إن حكومة المملكة السورية العربية حكومة ملكية مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين ملكها الإسلام .
7- غير أن مؤتمر العلماء الذي عقد عام 1938- والذي سبق وقدمنا وثيقته في أول عدد للموقع وكماذكرت الوثيقة ( قامت جمعية العلماء بدمشق ) بتوجيه الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر الميمون فلباها من القدس ونابلس والنجف وبيروت وصيدا وطرطوس واللاذقية وحمص وحماه وحلب وإنطاكية وإدلب , والباب ومنبج ووادي العجم , والقنيطرة , ودير عطية والنبك جمهور عظيم من أكابر العلماء فيهم الشيخ المسن الذي لم تثن عزيمته مشقات السفر والشباب الذي لم يؤثر هواه على واجبه فانضموا إلى إخوانهم العلماء في دمشق فبلغوا مائة وخمسة أعضاء عقدوا مؤتمرهم أياما بلياليها وصالا  ووضعوا مقررات لهم من الشأن والخطورة في ذلك مالها
8- وفي القرارت التي بلغت ستة وعشرين قراراً كان منها القرار (24) وهو مناط البحث وهو الذي أضفى الشرعية على المواطنة والمساواة بين المواطنين بعد توقيع ماينوف من مائة عالم عليه
المادة 24 – إذاعة بيان من أعمال المؤتمر وفي مقدمته إعلان المباديء الإسلامية في المسلمين وبقية المواطنين , وشجب الدعايات الاستعمارية , المشوهة لسمعة الإسلام عن طريق إثارة فكرة الأقليات , ووصم المسلمين بالتعصب الذميم .
9- ولم تكتف جمعية العلماء بالنص في هذه المادة على ذلك , بل تعرضت للموضوع ثانية في الفقرة ( كلمة إلى رجال السياسة المحترمين ) وقدمت التخريج الشرعي لهذه المادة وذلك بقولها : ( فليكن أقوى سلاح لمحاربة الاستعمار في المراكز الإسلامية هي مجابهة الاستعمار بفضح دسائسه على الدين الإسلامي , وبكشف حقائق الإسلام الاجتماعية التي هي خير ضامن للوحدة الوطنية من أبناء البلاد , فإن الإسلام كما رأينا لا يأتلف مع هذا الاستعمار الهدام في زمان ولا مكان , ويأتلف في الحياة المستقلة مع جميع العناصر , ويحترم حرية الأديان , وحقوق أصحابها أكثر ممايدعيه المستعمرون لأنفسهم من حماية حقوق الأقليات المستعمرة فإن الإسلام يقول لمن يعيشون إلى جانب أبنائه من المواطنين : لهم مالنا وعليهم ماعلينا كماقررته القواعد الإسلامية , بينما لم نر إلى اليوم دولة من دول الاستعمار جعلت لمن تدعي حمايتهم لهم مالها وعليهم ماعليها .
10-                  ومع ذلك فلم يقصد من الناحية الفقهية لدراسة هذا الموضوع أحد كما تصدى له الدكتور مصطفى السباعي عضو هيئة مؤتمر العلماء الأول المذكور آنفاً والمراقب العام للإخوان المسلمين فيما بعد , وذلك من خلال عمله السياسي في البرلمان السوري والهيئة التأسيسية للدستور , كان له الفضل رحمه الله في إدخال المواد الإسلامية على دستور 1950 . يقول :
(وكانت الجزية قبل تعرض على من لم يكن من الفاتحين عرقا أو بلدا أو دينا سواء حارب أو لم يحارب , أما في الإسلام فلا تفرض إلى على المحاربين من أعداء الأمة أما المواطنون من غير المسلمين ممن لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم الجزية كمافعل عمر بن الخطاب مع نصارى تغلب
قال : ولو رجعنا إلى آية الجزية في القرآن لوجدناها تقول : ( وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر , ولا يحرمون ماحرم الله ورسوله , ولايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) التوبة /الآية : 29.
هي كما ترون تجعل الجزية غاية لقتال أهل الكتاب حين نتغلب عليهم .وليس كل أهل الكتاب يجب علينا أن نقاتلهم . بل إنما نقاتل من يقاتلنا ويشهر علينا السلاح ، ويعرض كيان الدولة للخطر .. وهذا هو صريح الآية الكريمة (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )البقرة /الآية : 190
فالأمر بالقتال في آية الجزية هولمن قاتلنا . فقتال من لم يقاتلنا عدوان لا يحب الله تبارك وتعالى . ويؤيد هذا قوله تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ، وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) الممتحنة /الآية :8_9
فلا شك في أن الذين يعيشون في الدولة مع المسلمين من أهل الكتاب ، ويشاركونهم الإخلاص والولاء لها ليسوا ممن يجوز قتالهم . فلا تفرض عليهم الجزية التي هي ثمرة القتال بعد النصر . وهذا ما يفهم من آية الجزية من غير تأول ولا تعسف _ _ _ ) الدكتور مصطفى السباعي . للدكتور عدنان زرزور ص : 320 _   321 . ط 2
وهكذا نرى أن مؤتمر العلماء المائة الذين حضروا هم الذين وقعوا على إقرار حق المواطنة لغير المسلمين في تساويهم معهم ( لهم مالنا وعليهم ما علينا ) . وجاء الدكتور السباعي عضو مؤتمر العلماء وخرج الأمر فقهيا من النصوص الشرعية .

                                  

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا