لن تطفأ أنوارك يا غزة - فك الحصار عن غزة ونصرة أهلها

لن تطفأ أنوارُك يا غزة...

زياد بن عابد المشوخي

 تبدو أنوارُها مطفأة وغارقة في الظلام، لكنها تضيء للأمة كلها الطريقَ، وترسُم لها ملامحَ النصر القادم، وتُؤْذن بميلاد صبح جديد. قد يسأل البعض عن سر هذه الهجمة الشرسة العمياء تجاه قطاع غزة، ولم يكن هنالك فعل يستحق هذه الهجمة ولا ما قبلها، فنحن هنا لا نتحدث عن ردود أفعال، فما غرض الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الأطراف التي لم تكتفِ بالسكوت بل قدمت المسوغات لهذا العدوان، ومهدت له، ووفرت له الغطاء، (بوش) الذي وقف في القدس -قبل أن يرقص في المنطقة- وقال: "إنني أتفهم أي عملية عسكرية تجاه غزة". لا (رام الله) ولا غيرها بدت ذات علاقة بتصريحات بوش أو أفعال أولمرت على الأرض، وكلما زاد الصمت المريب... زاد العدوان الرهيب...

غزة.. حاصروها فحاصرتهم، أرادوا كسرها فكسرتهم، أرادوها نموذجًا للانهزام فأصبحت نموذجاً للثبات، خططوا لاغتيال قادتها فكشفت المؤامرة وفضحتهم، وهي في كل يوم ومع كل دفقة دم من شهيد تفضح المتآمرين، الصهاينة ومن معهم يريدون كسر هذا النموذج وتحطيمه لتنهار معه الإرادةُ الإسلامية في كل مكان، تمنوا أن يجعلوها عبرة للمسلمين ولكنها غدت رمزاً للتحدي والممانعة والصبر والثبات والشموخ والعزة والكرامة، لا تسل عن حجمها، فهي الصغيرة الكبيرة، ولا تسل عن إمكاناتها فهي المحدودة العظيمة، ولا تسل عن قدراتها فهي الضعيفة القوية، ولا تسل عن صواريخها فهي البدائية المتطورة، وهي لم تبالِ بمن خذلها، ولا بمن خالفها، أقريب هو أم بعيد، أعربي هو أم أعجمي، ماضية في طريقها طريق العزة التي زادت عليها بنقطة.

هل لنا أن نتخيل انقطاع الكهرباء..؟ هل حاولت الوضوء فجراً في هذا الشتاء وبالماء البارد؟! هل حاولت الجلوس دون مدفأة؟! هل لك أن تتخيل الأطفال في الحاضنات بالمستشفيات وقد انقطعت الكهرباء؟! هل تخيلت أحوال مرضى الكلى والقلب؟! هل شاهدت الأم وهي تقوم بالتنفس الصناعي لابنها بيدها ويتناوب أهل البيت على إجراء التنفس الصناعي له؟! هل تخيلت شعور الأب أو الأم وهو يقف عاجزاً عن إنقاذ فلذة كبده؟! هل تخيلت البيت وقد انقطعت الكهرباء عن الثلاجات؟! كيف سيحفظ الطعام إن وجد لديهم، هل تخيلت أباً يبعث بابنه لشراء الخبز فلا يجده؟! هل تخيلت صبرهم وثباتهم مع كل هذه المأساة، هل تخيلت شعورهم وهم يسمعون من يحمل حركة (حماس) مسؤولية الحصار، هل تخيلت تعطل 3900 مصنع، هل تخيلت توقف الخدمات، بل هل شاهدت الطائرات الصهيونية وهي تقصف المدنيين، فيجتمع الناس لإنقاذ الجرحى ويمسكون بالأشلاء هاتفين: لا تبكوا على الشهيد... عند الله مولود جديد...

إيه  يا  غزة  الأماجد  صبرا        أنت  علمتنا  البطولة   دهرا
إن يكن أظلم المساء عليكم          فاشتداد الظلام ينجب فجرا

أترى كانت الجاهلية الأولى أكثر نخوة ومروءة وشهامة من الكثيرين اليوم..! ألم يلبس زهير بن أبي أمية حلة، وطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس -بعد أن عزم على نقض صحيفة حصار النبي الكريم وصحبه في شعب أبي طالب- فقال‏:‏ يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم‏؟‏ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

‏يخطئ من يراهن على بقاء قوة الولايات المتحدة الأمريكية، يخطئ من يراهن على تمرد الشعب الفلسطيني على حكومته الشرعية، إن على أولئك أن يدركوا أن الشعب الفلسطيني المسلم الذي ضحى وبذل في سبيل الله لن يتنازل عن الثوابت من أجل راتب أو لقمة العيش، إن الشعب الذي عاش في الخيام ليتمسك بالأرض لن يضيره قطعُ كهرباء أو ماء.. إن قطع الكهرباء يعكس حالة الصدمة التي أصابت الكيان الصهيوني بعد الحسم والتطهير الذي حصل في غزة وخسارة حلفائه، ولا يزال الكيان متوجسًا خيفة من تكرار الأمر في الضفة الغربية وهو ما سيكون ولو بعد حين، {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51].

إنني على يقين من انفراج الأزمة، بل إن الاحتلال الصهيوني سيدفع ثمن هذه الجرائم، وإن الواجب على كل فرد من الأمة كل بحسب إمكاناته وقدراته أن يساعد على فك الحصار عن غزة ونصرة أهلها، وإني لا أخشى على إخواننا في غزة ولا على مسرى رسولنا الكريم، إنما أخشى على أنفسنا أن نخذلهم فيصيبنا ما رُوِي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قوله: "ما من امرئ يخذل امرأ مسلمًا في موضع تُنتهك فيه حرمتُه وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته" (أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود).

ولا يزال بيد الشعوب المسلمة الكثيرُ من الوسائل لنصرة إخواننا المرابطين في بيت المقدس وأكنافه، ولم تعد هذه الشعوب تعول على الكثير مما كانت تعول عليه في الماضي

من موقع الألوكة

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين