الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

فتور الهمم بعد رمضان - كلمة في فتور الهمم

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1417
كلمة في فتور الهمم بعد رمضان
بقلم: حمزة البكري
 الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الطاهرين، وعن تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنه من الـمُلاحَظ في مجتمعاتنا أن الناس في شهر رمضان يُقبلون على عبادة الله سبحانه وتعالى إقبالاً مميزاً، فتزدحمُ بهم الـمساجد، وتكثر منهم الصدقات وفعلُ الخيرات، إلى غير ذلك من مختلف العبادات، ثم بعد انتهاء هذا الشهر الفضيل تفتر الهمم ويعودون إلى ما كانوا عليه قبل هذا الشهر الكريم، بل كثير منهم يظن أن يوم العيد هو يوم ينال فيه حريته التي كانت مقيَّدة في رمضان، وكأنه كان في سجن فأُطلق، وهؤلاء لم يُدركوا حقيقةَ رمضان وحقيقةَ العيد، أو أدركوا وتغافلوا، فرمضان شهر علت فيه روح العبد في مدارج التزكية، وترقَّت فيه نفسُه في معارج التصفية، واستعلى بنفسه عن الشهوات الحيوانية إلى الـمراقي الروحانية، فكيف يُـحب بعد ذلك أن يعود بنفسه إلى المراتب الدنيوية؟!
فيا من أطعت الله في رمضان، لا تعصِه في غير رمضان، فإن ربَّ رمضان هو ربُّ الأزمان والأكوان، فإن كنت تعبد رمضان، فها هو رمضان قد أفل وزال، وإن كنت تعبد اللهَ ربَّ رمضان، فإن الله حيٌّ لا يزول.
ويا من أحببت الله في رمضان، وأحبك الله في رمضان، لا تستبدل بهذا الحب جفاءً، وبهذا القُرب بُعداً، وبهذا الإقبال إدباراً، فليس من شأن الـمُحبُّ أن يُدبر عن محبوبه، بل شأن الـمُحبُّ أن يزداد إقبالاً وتقرُّباً إلى محبوبه ما جرت فيه الأنفاس.
ولأولئك عبرة في جواب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، وكان من أسخى الناس وأكرمهم وأكثرهم عطاءً، وعوتب في ذلك، فقال: «إني عوَّدتُ الله عادةً، وعوَّدني عادةً، فأخاف إن قطعتُ عادتي أن يقطع عادته»([1])، يعني: أنه عوَّد ربَّه سبحانه وتعالى أن يُنفقَ ماله في وجوه الخير التي أمر الله بها، ولا يُمسِك منه شيئاً، وعوَّده ربُّه سبحانه أن يُخلِفَ عليه هذا المال الذي يُنفق، فضلاً عن الأجر العظيم الذي أعدَّه له في الآخرة، فخاف عبد الله بن جعفر إذا قطع عادته مع ربِّه عزَّ وجلَّ، أن يقطع ربُّه سبحانه وتعالى عنه عادته التي عوَّده.
أفلا تخاف يا من عوَّدتَ الله أن يراك عابداً طائعاً في رمضان، وعوَّدك ربُّك أن يكرمك في كل ليلة من لياليه بغفران الذنوب ورفعة الدرجات، أن يقطع عنك عادته إن قطعت عادتك؟!
وهذا المعنى ــ أعني وجوب المدوامة على العمل ــ بيَّنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حينَ أُخبِـرَ أن الحولاءَ بنتَ تُـوَيت تُكثر من الصلاة حتى إنها لا تنام الليل، فقال عليه الصلاة والسلام: «اكلَفُوا من العمل ما تُطيقون، وإنَّ أحبَّ العمل إلى الله أدوَمُه وإن قلَّ»([2])، وتُعَقِّبُ السيِّدةُ عائشة رضي الله تعالى عنها على هذه القصَّة فتذكر أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم «كان إذا عمل عملاً أثبته»([3])، وفي رواية: «كان إذا صلَّى صلاةً ــ أي: نافلةً ــ داوم عليها»([4]).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً.
والحمد لله رب العالمين.


([1]) ذكر هذه القصة الحافظ ابن عبد البر في ترجمة عبد الله بن جعفر من «الاستيعاب»، ورواها البيهقي في «شعب الإيمان» (10884).
([2]) أخرجه البخاري في «الصحيح» (43) و(1151) و(1970) وغيرها، ومسلم في «الصحيح» (785)، وأبو داود في «السنن» (1368)، والنسائي في «المجتبى» (762) و(1642) و(5035)، وابن ماجه في «السنن» (4238).
([3]) أخرجه أبو داود في «السنن» (1368)، والنسائي في «المجتبى» (762).
([4]) وهي رواية البخاري في «الصحيح» (1970).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا