الثلاثاء 13 ربيع الثاني 1441 - 10 ديسمبر 2019

بين يدي الصيام مواقف وعبر في الصيام

الثلاثاء 2 رمضان 1437 - 7 يونيو 2016 1177 الشيخ عبد الرحيم طويل

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، والرحمة المهداة إلى العالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

أما بعد:

فكل أمر مهم ذي بال من أمور الدين أو الدنيا، نقدم له وبين يديه مقدمة تناسبه... من هذه المقدمات ماهو فرض ويكون شرطاً في صحة العمل، ومنه مايكون سنة، أو عادة حميدة...

وبحسب أهمية العمل تكون أهمية المقدمة، فالصلاة هي أهم العبادات في الإسلام قدم لها الشارع الحكيم الوضوء بين يديها ليكون مقدمة مناسبة لها، لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، وهي تعمل على تطهير الروح من الأمراض   الناشئة عن البعد عن الله. وتطهير القلب من شوائبه وأمراضه الناجمة عن انشغاله في أمور الدنيا... ولذا كانت المقدمة تناسب تطهير القلب والروح بتطهير ظاهر الجسد.

والحج – وهو الركن الخامس من أركان الإسلام – أشبه شيء بيوم الحشر؛ حيث يجتمع الناس في صعيد واحد يجأرون إلى الله تعالى، وقد خلَّفوا الدنيا وراء ظهورهم، وشغلوا أنفسهم عنها بمناجاة ربهم والتضرع إليه.. فكان أحسن مايناسبه الانخلاع من زينة الدنيا بالتسربل بلباس الإحرام الذي يشبه - إلى حد بعيد-  كفن الميت الذي يدرج فيه، ليلقى ربه على هذه الحال بعد أن تخلى عن زخرف الدنيا وزينتها، فلم يأخذ منها شيئاً، وتخلت عنه ؛ فلم تعد تقبله بين أهله وعمّارها.

هذا من ناحية الشكل والمادة، وأما من حيث المضمون والمعنى فإنه يجأر إلى الله ملبّياً بصوت عالٍ قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك له لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك  لك، لبيك. مظهرًا في ذلك عظيم افتقاره إلى ربه وخالقه عزّ وجل.

فهذه التلبية استجابة لأمر الله تعالى لنبيه الكريم: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) الحج 27. وهي أشبه ماتكون بتلبية الإنسان أمر الله تعالى برجوع الروح إليه عندالموت: (ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية..) الفجر 27-28..

 وحتى في أمور العادات فهناك مقدمات لما جلّ منها وعظمت أهميته.. فالطعام غذاء الجسد ولا تستقيم الحياة إلا به، فشرع له غسل اليدين لأنهما هما اللتان تباشران الطعام، ولا يخفى ما يترتب على تناول الطعام بيدين قذرتين دنِستين.. وقد سمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل اليدين وضوء الطعام للتدليل على أهميته.

وهذا من حيث الشكل والمادة أيضاً، وأما من حيث المضمون والمعنى فأمرنا أن نبدأ طعامنا وشرابنا بالبسملة (قول: بسم الله )، وأن نختمه بالحمدلة ( قول: الحمد لله ) للإشارة إلى أهمية الطعام، وأنه أمر ذو بالٍ فينبغي بدؤه وختمه بذكر الله تعالى، وأن ذلك الذكر يجعل تناول الطعام نوعاً من العبادة، بشكل أو بآخر، لنحقق قول الله تعالى: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت..) الأنعام 162-163، وقوله تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات 56.

وقل مثل هذا الكلام في لبس الثوب ودخول البيت ومعاشرة الأهل ، وغير ذلك من أمورنا الحياتية ؛ سواء أكانت عبادات أم عادات.

 وبناء على ما قدمنا نقول: إذا كنا نقدّم للصلاة الوضوء والتوجّه إلى القبلة بيت الله الحرام، والخشوع والسكينة.. ونقدم للطعام والشراب وضوءاً وتسمية.. وغير ذلك كثير في حياتنا، فما الذي ينبغي أن نقدم بين يدي صيامنا حتى يكون صياماً مقبولاً ؟

الصيام عبادة جليلة كالصلاة، وهو ركن من أركان الإسلام ، وله خصوصية عند الله تبارك وتعالى: ( كل عمل ابن آدم له ؛ الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به ). حديث قدسي أخرجه الدارمي وابن حبان وابن خزيمة في صحاحهم، وأحمد في مسنده، وغيرهم. ولهذا فإنه يستحق منا أن نقدم له مقدمة بين يديه تتناسب مع عظمته. فإذا كان الصيام طهرة للنفس وارتقاء بها نحو عالم الملائكة الذين لا يأكلون ولا يشربون ، بل يشغلون وقتهم كله بطاعة الله سبحانه وتعالى، فإن هذا يحتاج إلى تقديم التوبة إلى الله عز وجل وإسباقه بها لندخل الصيام وقد غسلنا قلوبنا من أدران المعصية والغفلة والهم لأمور الدنيا ونسيان الآخرة …

ولا ريب أن التوبة عندما تكون صادقة نصوحًا، فجزاء صاحبها – عند الله – قبولها ومغفرة ذنبه ، وحينئذ يخرج العبد من ذنبه كيوم ولدته أمه، لتصبح صفحة حياته بيضاء نقية، فإذا أنشأ عبادة جديدة سُجلت على صفحة نقية لا شائبة فيها.

و يقدم على ربه سبحانه، في هذه العبادة نقيًا تقيًا ، ويصير عندها صالحًا ليكون محلاً لرحمة الله وإكرامه.

والتوبة الصحيحة الصادقة هي التي ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة الفرقان في قوله عز من قائل: (.. إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورًا رحيمًا. ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متاباً ) الفرقا ن 70 - 71.

فالتوبة الصادقة – بناء على ذلك – هي التي يصدقها صاحبها بإيمان صحيح بالله الذي سيوقفنا للحساب، ويشفعها بالعمل الصالح الذي يبرهن به على صدق توبته. وحينها تسمى هذه التوبة بالتوبة النصوح ، وقد أمرنا الله بها في قوله: ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى توبة نصوحًا، عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار..) التحريم 8، وجزى عليها تكفير السيئات ودخول الجنات.

ومعلوم أن للتوبة النصوح ثلاثة شروط هي:

- الإقلاع عن الذنب فوراً.

- والندم على الوقوع فيه سابقاً.

- والعزم على عدم العود إليه لاحقاً.

فإذا كان الذنب متعلقاً بالعباد، أضيف إليه شرط رابع وهو التحلل من الذنببإعادة الحقوق إلى أصحابها، أو أخذ الصفح منهم.

وهكذا، فإن على المسلم أن يتقدم صيامه بما يرجو أن يكون وسيلة لقبوله، وبما يستحق أن يكون وعاء لهذه العبادة الجليلة ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وابتغوا إليه الوسيلة..) المائدة 35. وذلك في كل يوم يريد صيامه، فقد كان الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام يستغفر الله و يتوب إليه في كل يوم مائة مرة، ويأمرنا بذلك: (يا أيها الناس، توبوا إلى الله و استغفروه ؛ فإني أتوب إلى الله و أستغفره في كل يوم مائة مرة أو أكثر من مائة مرة ) رواه أحمد وغيره.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا