الثلاثاء 24 صفر 1441 - 22 أكتوبر 2019

خصائص التشريع الاسلامي في الصوم1 - التشريع الاسلامي في الصوم

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1287
خصائص التشريع الإسلامي في الصوم
ـ 1ـ
للأستاذ: أبي الحسن الندوي

لماذا خص رمضان بالصوم؟
وجعل الله الصوم في رمضان ، فجعل أحدهما مقروناً بالآخر ، مرتبطاً به ،فذلك قران السعدين ، والتقاء السعادتين في حكمة التشريع ، وذلك لأن رمضان قد أنزلفيه القرآن ، فكان مطلع الصبح الصادق في ليل الإنسانية الغاسق ، فحسُن أن يُقرن هذاالشهر بالصوم ، كما يقترن طلوع الصبح الصادق بالصوم كل يوم ، وكان أحق شهور الله - بما خصه الله من يمن وسعادة وبركة ورحمة ، وبما بينه وبين القلوب الإنسانية السليمةمن صلة خفية روحية - بأن يصام نهاره ، ويقام ليله.
وبين الصوم والقرآن صلة متينةعميقة ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من القرآن في رمضان ، يقولابن عباس رضي الله عنه
:
(كان رسول الله صلى الله عليهوسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه جبريلفي كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاهجبريل ، أجود بالخير من الريح المرسلة).
يقول العارف بالله ، العالم الرباني الشيخأحمد بن عبد الأحد السرهندي ((1034هـ)) في بعض رسائله :
"
إن لهذا الشهر مناسبةتامة بالقرآن ، وبهذه المناسبة كان نزوله فيه ، وكان هذا الشهر جامعاً لجميعالخيرات والبركات ، وكل خير وبركة تصل إلى الناس في طول العام قطرة من هذا البحر ،وإن جمعية هذا الشهر سبب لجمعية العام كله ، وتشتت الباب فيه سبب للتشتت في بقيةالأيام وفي طول العام ، فطوبى لمن مضى عليه هذا الشهر المبارك ،ورُضي عنه ، وويللمن سخط عليه ، فمنع من البركات ، وحرم من الخيرات " .
ويقول في رسالة أخرى :
"
إذا وفق الإنسانللخيرات والأعمال الصالحة في هذا الشهر ، حالفه التوفيق في طول السنة ، وإذا مضىهذا الشهر في توزع بال وتشتت حال ، مضى العام كل في تشتت وتشويش
" .
وقد روى أبوهريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال
:
(إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة ، وأغلقت أبواب جهنم ، وسلسلتالشياطين)والأحاديث في الباب كثيرة.
موسم عالمي ، ومهرجانعام ، للعبادات ، والخيرات :
وهكذا أصبح رمضان موسماً عالمياً للعبادةوالذكر والتلاوة والورع والزهادة ، يلتقي على صعيده المسلم الشرقي مع الغربي ،والجاهل مع العالم ، والفقير مع الغني ، والمقصر مع المجاهد ، ففي كل بلد رمضان ،وفي كل قرية وبادية رمضان ، وفي كل قصر وكوخ رمضان ، فلا افتيات في الرأي ، ولافوضى في اختيار أيام الصوم ، فكل ذي عينين يستشعر جلاله وجماله أينما حل ورحل فيالعالم الإسلامي المترامي الأطراف ، تغشى سحابته النورانية المجتمع الإسلامي كله ،فيحجم المفطر المتهاون بالصوم عن الانشقاق عن جماعة المسلمين ، فلا يأكل إلامتوارياً أو خجلاً ، إلا إذا كان وقحاً مستهتراً من الملاحدة ، أو الماجنين ، أوكان من المرضى والمسافرين ، الذين أذن الله لهم في الإفطار ، فهو صوم اجتماعي عالمي، له جو خاص ، يسهل فيه الصوم ، وترق فيه القلوب ، وتخشع فيه النفوس ، وتميل فيهإلى أنواع العبادات والطاعات ، والبر والمواساة.
الجو العالمي ، وما لهمن تأثير في النفوس والمجتمع :
وقد لا حظ ذلك شيخ الإسلام أحمد بنعبدالرحيم الدهلوي بنظره الدقيق العميق ، فقال وهو يشرح حديث : (إذادخل رمضان فتحت أبواب الجنة) إلخ : " إذا التزمته أمة منالأمم ، سلسلت شياطينها ، وفتحت أبواب جنانها ، وغلقت أبواب النيران عنها
".
ويقول في موضع آخر
:
"
وأيضاً فإن اجتماع طوائف عظيمة من المسلمين علىشيء واحد ، في زمان واحد ، يرى بعضهم بعضاً معونة لهم على الفعل ، ميسر عليهم ومشجعإياهم
".
"
وأيضاً فإن اجتماعهم هذا لنزول البركات الملكية على خاصتهم وعامتهم ،وأدنى أن ينعكس أنوار كملهم على من دونهم ، وتحيط دعوتهم منوراءهم".
الفضائل : وما لها منتأثير وقوة :
إن الحياة في صراع دائم بين الشهوات الحبيبة إلى النفس ،والمنافع المقررة عند العقل ، وليست الشهوات هي التي تنتصر دائماً في هذه المعركة - كما يعتقد بعض الناس - فذلك سوء ظن بالطبيعة البشرية ، وإنكار للواقع
.
إن القوةالتي تدير عجلة الحياة بسرعة ، وتفيض على هذا العالم الحياة والنشاط هي الإيمانبالنفع ، ذلك الإيمان هو الذي يوقظ الفلاح في يوم شاتٍ شديد البرد فيحرم عليه الدفء، ويبكر به إلىالحقل ، وفي يوم صائفٍ شديد الحر يهون عليه وهج الشمس ولفح السموم ،ويفصل بين التاجر وأهله ، ويتوجه به إلى متجره ، ذلك الإيمان هو الذي يزين للجنديالموت في ساحة القتال ، وفراق الأحبة والعيال ، فلا يعدل به راحة ولا ثروة ولانعيماً ، إن كل ذلك إيمان بالمنافع وحرص على الخير ، وهو القطب الذي تدور حولهالحياة
.
وهنالك إيمان أعظم سلطاناً على النفوس ، وأعمق أثراً من الإيمان الذيضربنا له بعض الأمثال ، ذلك الإيمان بمنافع أخبر بها الأنبياء والرسل ، ونزل بهالوحي ، ونطقت به الصحف ، وهي تنحصر في رضا الله وثوابه ، وجزائه في الدنياوالآخرة
.
لقد علم الجميع أن الإمساك عن الطعام في بعض الأيام مفيد للصحة ، وخيرللمرء أن يصوم مراراً في كل عام ، وقد أسرف الناس في الأكل والشرب ، واتخموا بأنواعمن الطعام والشراب فأصيبوا بأمراض جسدية وخلقية ، كل ذلك معروف ومشاهد ، وآمن الناسبفوائد الصوم الطيبة ، وآمنوا بأنه ضرورة صحية ، وآمنوا كذلك بفوائد الصومالاقتصادية
.
ولكن إذا سأل سائل : ما عدد الصائمين في هذه السنة لفوائد طبية ،ومصالح اقتصادية ؟ وما عدد الأيام التي صاموها طمعاً في الاعتدال في الصحة أوالاقتصاد في المعيشة ؟ كان الجواب المقرر إنه عدد ضئيل جداً ، ضئيل حتى في الشتاءمع أن الصوم فيه سهل هين ، ورغم أن الصوم الطبي أو الاقتصادي أسهل بكثير من الصومالشرعي
.
ثم ننظر في عدد الصائمين الذين يصومون ، لأنهم يعتقدون أن الصوم فريضةدينية ، قد وعد الله عليه بثوابه ورضاه ، وتكفل بجزائه ، فنرى أن هذا العدد - مهماطغت المادية ، وضعف الدافع الديني - عدد ضخم لا يقل عن ملايين ، وأن هؤلاء الملايينمن النفوس لا يمنعهم الحر الشديد في الأقاليم الحارة من أن يصوموا في النهار ،ويقوموا في الليل ؛ لأن الإيمان بالمنافع الدينية التي أخبر بها الأنبياء عند أهلالإيمان أقوى من الإيمان بالمنافع الطبية التي أخبر بها الأطباء ، ومن الإيمانبالمنافع الاقتصادية التي لهج بها الاقتصاديون
.
ذلك لأن المؤمنين سمعوا في الصومما هون عليهم متابع الصوم ، وشجعهم على احتمال الحر والجوع والعطش ، فقد روى أبوهريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
:
(كلعمل ابن آدم يضاعف ، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله تعالى : إلاالصوم ، فإنه لي ، وأنا اجزي به ، يدع شهوته وطعامه من أجلي ، للصائم فرحتان عندفطوره ، وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عن الله من ريح المسك)وروى سهل بن سعد عن البني صلى الله عليه وسلم قال : ( فيالجنةباب يدعى الريان ، يدعى له الصائمون ، فمن كان من الصائمين دخله ، ومن دخله لم يظمأأبداً ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه ) من صامرمضان إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدم من ذنبه).
 
 
جاء التشريع الإسلامي للصوم أكمل تشريع وأوفاه بالمقصود ، وأضمنهبالفائدة ، وقد تجلت فيه حكمة العزيز العليم الحكيم الخبير ، الذي خلق الإنسان:{أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُالْخَبِيرُ}
فخصّ شهراً كاملاً - وهو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآنبصيام أيام متتابعات متواليات ، يصام نهارها ويفطر ليلها ، وهو العرف عند العربفي الصوم ، وهو الميزان في التشريع العالمي الإسلامي ، يقول شيخ الإسلام أحمد بنعبدالرحيم الدهلوي :
"
ويضبط اليوم بطلوع الفجر إلى غروب الشمس ، لأنه هو حسابالعرب ومقدار يومهم ، والمشهور عندهم في صوم عاشوراء ، والشهر برؤية الهلال إلىرؤية الهلال ، لأنه هو شهر العرب ، ليس حسابهم على الشهور الشمسية " .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا