الثلاثاء 13 ربيع الثاني 1441 - 10 ديسمبر 2019

أبو غدة في حاجة إلى من ينصفه للعودة - دعوة إلى الإنصاف

الأحد 27 رجب 1433 - 17 يونيو 2012 2566
أبو غدة في حاجة إلى من ينصفه للعودة - دعوة إلى الإنصاف
هذه كلمات نيِّرات ، كتبها العالم الفاضل الشيخ سلمان العودة حفظه الله تعالى ورعاه، المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم، يتحدث فيها عن فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ، ويدعو فيها إلى إنصافه ممن هاجموه بغير حق ولا أدب، ويتجلَّى فيها روح الإنصاف والأدب والوفاء للشيخ رحمه الله تعالى الله تعالى .
وهي درسٌ رائع في أدب الخلاف، ودعوة إلى الائتلاف، وموقع رابطة علماء سورية إذ يورد هذه المقالة الممتعة، يشكر فضيلة الشيخ على بالغ أدبه، وحُسن عهده، ورفيع خلقه، ورائع إنصافه، وهي دعوة متجدِّدة لإنصاف علمائنا، وإبعاد العوام والدهماء من الخصومات التي تكون بين أكابر العلماء.
وإلى قرائنا الكرام مقال فضيلة الشيخ الداعية الحكيم المربي الدكتور: سلمان بن فهد العودة.
أبو غدة  في حاجة لمن ينصفه
بقلم: سلمان بن فهد العودة
تدريسه في مرحلة الدراسات العليا:
ثلَّةٌ من فضلاء الشيوخ يتولّون التدريس في المرحلة العليا التي تسبق الأطروحة للماجستير ، كانت سمعتهم تسبقهم ، وأسماؤهم المنقوشة بخط فارسي جميل على أغلفة الكتب ؛ تأليفاً أو تحقيقاً تمنحهم الكثير من التقدير.
أوصاف الشيخ:
عبد الفتاح أبو غدة ، ذو اللحية البيضاء الكثَّة ، والابتسامة الصافية، وهدوء الصوت، واطّراد النبرة في الحديث ، مع الوقوف على نهايات الكلمات بالحركة دون تسكين، كان هو أستاذ علوم الحديث أو ما يُسمَّى بالمصطلح.
طريقته في التدريس:
مقدِّمة ابن الصلاح تُقرأ ، والأستاذ يعلِّق أو يشرح، بياناً لكلمة أو فكّاً لغامض، أو تصويباً لنطق، أو نكتة لغوية، أو لطيفة أدبية، أو حكمة سائرة ، أو قصة عابرة ، أو طرفة حاضرة.
الطالب يقرأ: فلان صدوق يهم، بكسر الهاء، فيصحح الشيخ الفعل بأنه بفتح الهاء ، وأصلها: يَوْهَم.
منه سمعوا لأول مرة: " يوجد في الأنهار مالا يوجد في البحار" إشارة إلى أن الحكمة قد توجد عند الأصاغر.
يسوقُ الشيخ الكلمة السائرة : اثنان أبرد من يخ، شيخ يتصابى صبي يتمشيخ، فيقول الشيخ: إنه وقف بعد البحث على أن اليخ هو : الثلج بالفارسية.
أحياناً يقول مُلمحاً: " لا تهمزوا المشايخ".
المشايخ كلمة تكتب بالياء ، ولا تُهمز، فلا يحسن أن تقول :" المشائخ"، ولكن الشيخ يشير إلى معنى في بطن الشاعر.
يسوق موعظة في صورة قصَّة للحسن بن صالح وأمه وأخيه ، الذين كانوا يقومون الليل أثلاثاً، فماتت الأم، فتناصف الأخوان قيام الليل ، فمات الأخ فقام الحسن الليل كله.
معرفته الواسعة بالكتب النوادر والمخطوطات:
الحديث عن الكتب النوادر والمخطوطات شأن لصيق بالشيخ، وعن طريقه عرف الدارسون كتاب" التمييز" للإمام مسلم، في الرجال والعلل، أو تعرَّفوا على القطعة المطبوعة منه.
يتوسّع الشيخ في ترجمة الإمام مسلم من المطوَّلات ، ويقرأ ما كتبه الذهبي ، ويعلق ويثني.
الشيخ يمنح الطلاب شيئاً من بحوثه أو تحقيقاته:" صفحات من صبر العلماء على شدائد التحصيل والطلب" ، " العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج" .
لطف الشيخ وأدبه وذوقه:
العلاقة يشوبها شيء من التوجس ، بيد أن لطف الشيخ وأدبه وذوقه يتجاوزها ، وقد تندّ عبارات هنا وهناك تنم عما في الصدور.
مواقف الخصوم:
كتب تُنشر وتُوزع في " تفنيد أباطيل تلميذ الكوثري" ، والشيخ يصدر رسائل علمية سلفية، ويقرر فيها عقيدة السلف في الإيمان والأسماء ، والصفات ، وتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات بغير تأويل.
تفاقم الخصومة:
على أن تفاقم الخصومة واحتدامها لم يُجْد معه دواء، ولابد عند بعض الموغلين فيها أن يتبرأ من شيخه ومن كتبه، وأن يردَّ عليه، وأن يعلن ذلك على الملأ، ولو حدث هذا فالظن أنه سيقال بأن وراء الأكمة ما وراءها، وأن الأمر لا يعدو أن يكون ذراً للرماد في العيون!
الدائرة المفرغة:
الدائرة المفرغة تضيع بدايتها، بين طلاب يتأثرون بأقوال شيوخهم، أو شيوخ يستحوذ عليهم الأقوياء من طلابهم.
الانشقاق الحركي في سورية وأثره في إذكاء الخصومة:
بُعدٌ آخر، لعله كان حاضراً بطريقة أو أخرى، الانشقاق الحركي الذي ضرب تيار الحركة الإسلامية في الشام، وامتدت آثاره إلى حيث يوجدون في السعودية ، والعراق ، والأردن، وغيرها.
قصيدة الأستاذ عصام عطار:
الذين كانوا يحفظون قصيدة الأستاذ عصام العطار الوجدانية، والتي حوت شوقاً وزملاء طريقة ، لاحظوا أن الرواة نسخوا بعض أبياتها لأسباب لم تكن محل الإفصاح!
 
إيهِ أبا زاهد يا قمة شمـــــخت         بالعلم والفضل يا كنزاً لمكتســـبِ
ماذا عن الصحب والإخوان في حلبٍ         يا طول سهدي على الإخوان في حلب
ما قرّ جنبي وقد أقوتْ مــضاجعكم        كأن جنـــبي مطويٌّ على قضـبِ
ماذا تعانون من عسر ومــن رهق         ماذا تقاسون من سجنٍ ومن حــربِ
يا أوفياءُ وما أحلى الوفاء عـــلى         تقلب الدهر من معطٍ ومستلــــبِ
أفديكُم عصبةً لله قد خلصــــتْ           فما تغيَّر في خصب ولا جـــدب.
 
تلقين قالة السوء:
تداخل في الانشقاق الحركي التنظيمي، والتمايز العقدي والمذهبي أدّى إلى أن يتلقن بعض الشبيبة قالة السوء في الرجل، فتضطغن قلوبهم، حتى لا ترى للرجل فضلاً أو علماً أو حقاً.
 
من مواقف الشيخ مع طلابه وتشجيعه لهم:
يصلِّي صاحبنا في مسجد كلية الشريعة صلاة المغرب، وإذا يدٌ تَرْبُت عليه من ورائه، ويلتفت ليرى الشيخ أبا غدة يصافحه ، ويحييه ويدعوه لمصاحبته إلى منزله، حيث أهداه مجموعة من كتبه، وحين يقلِّب صفحاتها ، يجد أنه لم يعد طالباً في الدراسات العليا، بل أصبح" فضيلة الشيخ" .
 
الشيخ أبو غدة في حاجة لمن ينصفه:
كان الشيخ أبو غدة في حاجة لمن ينصفه، وكما قيل:
 
ولم تزل قلةُ الإنصاف قاطعةً        بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم
 
وكما قال عمّار بن ياسر رضي الله عنه :" ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق من الإقتار".
 
إقحام العوام والصغار والبسطاء في الخصومة:
من دروس الخصومة تعلَّم أن من شر ما يحدث إقحام العوام والصغار والبسطاء في دهاليزها، وهم غير مستبصرين.
 وأدواتهم في الانتصار والغلبة، ليست هي الحُجَّة والبرهان والمعرفة والحوار والجدل والنصيحة، إنها الوقيعة والثلب والتعيير والتحذير والاستفزاز والتسرُّع ، والتصنيف والاتهام والغيبة والتجرؤ والإهدار.
وهم يواصلون الحرب إلى النهاية، فلا صلح ولا سلم ولا هدنة ولا متاركة، ولا يكفي تراجع أو تصحيح حتى يقع الإذلال والمصادرة وتدمير آخر الحصون!.
 
ميدان المعركة بعد انطفائها:
ينظر المرء إلى ميدان المعركة بعد انطفائها، فيجد أشلا ودماء وطعنات، ووسائل شريفة وأخرى ليست كذلك ، ويدري أن العراك يستخرج أسوأ ما في النفس الإنسانية من معاني الأنانية والعدوانية والظلم والجهالة :{إنه كان ظلوماً جهولاً}،{إن الإنسان خُلق هلوعاً إذا مسه الشرُّ جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين}.
 
ضرورة سيطرة الكبار على من تحت أيديهم:
وكم يجمل أن يُحكم الكبار سيطرتهم على من تحت أيديهم، وأن يضبطوا أصول التعامل الرشيد اليقظ مع الاختلاف، ومع الخطأ وفي مقام النصيحة ومقام الرد، ويتفطنوا لإفرازات الخصومة وتبعاتها، وينأوا بأنفسهم عن التعزُّز بالأعوان أو بالسلطان، بل يمحضونها لله، لاحظَّ فيها للنفس، رحمة بالعباد، وإشفاقاً عليهم، وحماية للمدرسة الشرعيَّة من التصدّعات.
 
ميل الدهماء إلى الخصام:
الدهماء تميل إلى الخصام ، وتجد نفسها فيه، فهي تتقحم المعارك والمهالك دون تردّد
والروح عالية، والحماسة مشتعلة، واللسان حديد، والعصبية والثقة بالمتبوع لا تحتاج إلى برهان، والعربي اليوم كهو بالأمس!
لا يسألون أخاهم حين يندبهم        في النائبات على ما قال برهانا
 
وهم يخرجون من معركة ليستعدّوا لأخرى، فما قيمة الحياة إن لم تكن طرفاً عراك.
وهو يظنُّ نفسه في مقام الذي كلما سمع هيعة طار إليها!
 
 الحاجة إلى نفوس كريمة وأدوات شريفة وعقول نيرة:
ثمة اختلاف ، وثمة خطأ وصواب، وراجح ومرجوح، بل وحق وباطل، بيد أن الحق يحتاج إلى نفوس كريمة تحمله ، وأدوات شريفة تدافع عنه ، وعقول نيرة تفهمه، وإلا فيرحم الله من قال خيراً فغنم ، أو سكت فسلم.
والله أعلم.
 
 من مجلة (الإسلام اليوم) العدد(33)
من السنة الثالثة: رجب 1428هـ أغسطس 2007م.
 
 
 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا