الخميس 14 صفر 1442 - 1 أكتوبر 2020

السمو الخلقي في الإسلام

السبت 24 ربيع الثاني 1433 - 17 مارس 2012 1019

العلامة: محمد الخضر حسين

محاضرة ألقاها فضيلة الأستاذ في نادي جمعية الشبان المسلمين بدمشق يوم 21 من شعبان سنة 1363هـ.
جاء الإسلام ليحرز به الناس في الدنيا مدينة فاضلة، ويغنموا به في الآخرة سعادة خالصة، وكان من مقتضيات هذا القصد الأسمى أن تشتمل تعاليمه على نظم لصلة المخلوقين بالخالق جل شأنه، وهي أحكام العبادات، ونظم لصلة الإنسان بأخيه الإنسان وهي أحكام المعاملات، ونريد من المعاملات ما يشمل القضاء وتدبير السياسة، وحيث كانت العبادات والمعاملات لا تجري على وجه صحيح منتظم، إلا أن تصدر من آداب نفسية نبيلة راسخة، كان من حكمة الدعوة أن تعنى بتهذيب الأخلاق، ولا تكتفي بتقرير أحكام الأفعال التي هي مناط التكليف.
وبهذا أخذ النظر في الأخلاق والآداب النفسية من علوم الشريعة مكاناً واسعاً.
وإذا نظرنا إلى الأخلاق التي تساعد على القيام بالواجبات العملية وجدناها ترجع إلى الحلم، والسخاء، والشجاعة، والحياء،وصدق اللهجة، والعبر، وعزة النفس، والتواضع، وكبر الهمة، والوفاء بالعهد، والزهد، والعدل، و الأمانة.
وليس من غرضنا الليلة أن نتحدث عن هذه الخصال مثلما يتحدث عنها علماء النفس بتفصيل، غذ يتعرضون للبحث عن حقائقها ويقسمونها إلى أصول وفروع، ويذكرون ما بين فروعها من مناسبات أو فروق، ويدلون على الآثار المترتبة عليها، ويصلون حديثهم بالبحث عن كيفية تربية النشء عليها، كان هذا التفصيل يستدعي تخصيص كل خصلة منها بمحاضرة على أقل تقدير.
والذي أستطيعه في هذا المقام نما هو إلقاء نظرة على هذه الآداب: أقصر فيها القول على ناحية ارتباط الهداية الإسلامية بها، وتنبيهما على سمو مكانتها: وحثها الناس على التجمل بحليتها، حتى يزداد شبابنا علماً بأن الدين الحنيف قد أتى إلى الأخلاق وهي الأساس الذي تقوم عليه سعادة الأمم فهذبها وأرشد إليها على طريقة أقرب إلى العقول، وأدعى إلى العمل عليها من الطرق التي سلكها الفلاسفة.
أما الحلم الذي هو ضبط النفس عن أن يهيجها الغضب بسهولة وسرعة، فقد ذكره القرآن المجيد في صفات المؤمنين بحق فقال تعالى:[ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ] {آل عمران:134}. فإن عقب هذه الطمأنينة ترك المؤاخذة على الإساءة، ذلك العفو والمشار إليه بقوله تعالى:[ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ] {آل عمران:134}.فطمأنينة النفس عند الإساءة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة، كمال في نفسها، فإن انضم إليها ارتياح النفس لعدم المؤاخذة على الذنب كان الكمال مضاعفاً.
ووجه ارتباط خلق العفو بما دعا إليه الإسلام، هو أن من مقاصد الدعوة تكوين أمة مؤتلقة القلوب، متعاونة على البر والتقوى، ولا يمكن تحقيق هذا القصد إلا أن تنتفي أسباب التجافي والتقاطع، وحيث كانت الجماعة الكبيرة لا تخلو من أن يتعرض طائفة لطائفة بمكروه من قول أو فعل، كان من الآداب التي عنيت بها دعوة الإسلام الإغضاء عن أمثال هذه الهفوات وشمولها بالعفو.
وللحلم بمعنى عدم إظهار الغضب أثر عظيم في نجاح السياسة.
ولربما ابتسم الكريم من الأذى=وفؤاده من حره يتأوه
وقد عدا الحلم بمعنى الإغضاء عن بعض الزلات في مقتضيات السياسة الرشيدة قال في وصف سياسة أميره:
أناة فإن لم تغن عقب بعدها=وعيداً فن لم يغن أغفت عزائمه
وفي عهد ذوي الحلم والأناة من رجال الدولة يجد المصلحون مجال الدعوة أمامهم فسيحاً فيعملون في طمأنينة وثقة من إدراك أسمى المقاصد وأحمد العواقب.
وأما السخاء: فإن من مقاصد الشريعة سد حاجات الفقراء وإعانتهم على القيام بتكاليف الحياة، ومن أجل هذا فرضت الزكاة وندبت إلى الصدقات، و قررت بعد هذا على الرجل حقوقاً مالية كالإنفاق على الزوجات والأبناء وبعض ذوي القربى، فلا جرم أن يعنى الإسلام بتطهير النفوس من رذيلة الشح وتحليتها بفضيلة السخاء، حتى إذا ورد الأمر بالإنفاق في وجه من الوجوه سارعت إلى امتثاله عن طيب خاطر، وجاءته كأنما تنحط من صبب.
ولا أكون مخطئأ إذا قلت إن من أسباب العاقبة السيئة التي سار إليها كثير من الشعوب الإسلامية، انقباض الأيدي عن البذل في سبيل الله.
لم يكتف الشرع الحكيم من المسلم أن ينفق من فضل ماله، بل مدحه بأعلى مراتب السخاء، وهو أن يؤثر غيره بالنوال وهو في حاجة إليه فقال تعالى:[ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] {الحشر:9}.
وأما الشجاعة فنوعان: شجاعة حربية، وهي بذل النفس في سبيل الدين أو العرض أو المال، وشجاعة أدبية: وهي إقدام الرجل على إسماع ذي سلطان كلمة الحق من أمر بمعروف أو نهي عن منكر، من غير مبالاة بما يلحقه من أذى السلطان، وكلتا الشجاعتين شملها الإسلام بعناية كبيرة.
أما الشجاعة الحربية:فقد أمر الرجل الواحد من المسلمين بأن يقف في مشاهد القتال لرجلين اثنين من المخالفين المهاجمين، وجعل الفرار من الزحف كبيرة موجبة لغضب الله تعالى، وإنما جزاؤها يوم القيامة الحرق بالنار.
وأما الشجاعة الأدبية: فقد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان، ولا يختص هذا الواجب بعلماء الدين الرسميين، ولا بالعلماء المتميزين بزي خاص. بل هو فريضة في عنق كل مسلم ترك أمامه معروف، وهو يعلم أنه معروف، أو فعل أمام منكر وهو يعلم أنه منكر.
وقد تكلم الفقهاء المحققون عن هذه الفريضة بما يشفي غليل الباحث: وأذكر هنا أن الإمام ابن عرفة أفتى بأن خوف العزل من الوظيفة ليس بعذر يجيز ترك النهي عن المنكرات، فكل مسلم مطالب بأن يكون جامعاً للفضيلتين: الشجاعة الحربية، والشجاعة الأدبية ما استطاع.
ومن عرف أن الأمة لا تقع تحت سلطان أجنبي غاشم إلا بافتقادها للشجاعة الحربية، وأن الفسوق والبغي لا ينتشران بين بيوتها إلا بفقدها للشجاعة الأدبية، أدرك سر عناية الشرع الحكيم بهاتين الفضيلتين.
وأما الحياء:وهو انفعال في النفس يمنع من ارتكاب مالا يليق، فقد كانت عناية الدين به شديدة، حتى جعله عليه الصلاة والسلام شعار الإسلام، فقال كما ورد في الصحيح: (لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء، وفضله في أن يكون معتدلاً، واعتداله في أن يمنع من ارتكاب مالا يليق، ولا يتجاوزه إلى الاحجام عما يكون بعيداً).
وقد نبه عليه الصلاة والسلام إلى أن النفس التي تفقد هذا الخلق لا يؤمل منها أن تكون على رشد أو عفاف فقال: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
ولعلكم شهدتم كما شهدت أن كلمة الحرية تجري على ألسنة الأشخاص لا يدركون كنهها، ولا يضعونها موضعها، قد أنقصت جانباً من الحياء في نفوس بعض أبنائنا، فنجد في شبابنا من لا يبالي أن يقول أو يفعل بحضرة والديه أو المتقدمين في السن من أقاربه أو غيرهم مالا يقبله الذوق الأدبي بزعم أنه من مقتضيات الحرية في هذا العصر.
والواقع أن ا لحياء حلية يزداد بها الشيخ وقاراً، والشاب كياسة، وإني لممن يرى للأب أن يفسح المجال لابنه في أن يتكلم بحضرته في شؤون دنيوية، أو مسائل علمية، حتى  يتمرن حتى إشرافه على إبدائه الآراء الصائبة ومناقشتها، وله متى رآه قد حاد عن أدب الحيل بكلمة أو حركة أن ينبهه برفق ويعظه بحكمة.
وأما صدق اللهجة فله أثر كبير في سرف النفس وانتظام الشؤون المدنية: فإن من جرب عليه الكذب يكون محتقراً بين الناس مغررون به في مجالسهم، ولا يمكنه أن يدرك بينهم ولو أدنى مرتبة من مراتب السيادة، ثم إن ظهور هذا الخلق عليه يفسد عليه أمر المعاملات، ويجعل رواياته وشهاداته مطروحة إلى وراء.
فلا جرم أن يعنى الدين الذي جاء لاصلاح حال الأفراد والجماعات بفضيلة الصدق، ويحرم الكذب تحريماً لا هوادة فيه، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل الكذب في الدرك الأسفل من الرذائل، ونبه على أنه لا يجتمع مع الإيمان الصحيح في نفس واحدة.
روى مالك في كتبا الموطأ: أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيكون المؤمن كذاباً ؟ قال لا ).
أذيع الحديث من الإذاعة بدمشق في 15ذي القعدة سنة 1362.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: مجلة الهداية الإسلامية مجلد 17 ذو الحجة 1364هـ، العدد 6.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا