الخميس 14 صفر 1442 - 1 أكتوبر 2020

جزاء العمل الصالح في الدنيا

الأربعاء 21 ربيع الثاني 1433 - 14 مارس 2012 4476

الشيخ: مجد أحمد مكي

 
للأعمال الصالحة جزاءٌ عَاجلٌ في الدنيا، قبلَ الثواب في الآخرة، فمن ذلك:
حسن رعاية الله تعالى:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (.... وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره.... ويده.... ورجله...ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) البخاري(6502).
المودَّة في قلوب المؤمنين:
قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا] {مريم:96}.
وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله تعالى العبدَ، نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فيُنادي في أهل السماء: إنَّ الله يحبُّ فلاناً فأحبُّوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) البخاري (3209).
التمكين في الأرض:
قال تعالى: [وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا] {النور:55}.
وقد حقَّق الله تعالى ذلك للمسلمين الأولين لما آمنوا وعملوا الصالحات، ففتحوا مَشارقَ الأرض ومغاربها، ومنحهم التمكين والعزَّة والقوة.
تفريج الكروب:
قال تعالى: [وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا] {الطَّلاق:2}. [وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] {الطَّلاق:3}. [وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا] {الطَّلاق:4}.
وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدَّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم.....) أخرجه مسلم (3743).
وفي هذا الحديث الشريف؛ أنَّ العمل الصالح مع الإخلاص: يُفرِّج الكروب، وينجي من الشدائد والصعاب.
الجزاءُ من جنس العمل
قضت حكمة الله تعالى أن يجعل جزاءَ العاملين من جنس أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، قال تعالى: [مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] {الأنعام:160}، [مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {القصص:84} .
جزاء الحسنات الحسنى
في الهداية:
قال تعالى: [وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ] {محمد:17}.
في الذكر والإقبال على الله تعالى:
(من التمس رضا الله بسخط النسا، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس. ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس) ـ رواه ابن حبان (1/510 ، رقم 276).
في الصدق مع الله تعالى:
عن شداد بن الهاد، أنَّ أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، فلما كانت غزاته، غنم النبي فقسم له، فلما دفعوا إليه، قال: ما هذا ؟ قالوا: قسمٌ قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى ها هنا ـ وأشار إلى حلقه ـ فأموت فأدخل الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم: إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا في قتال العدو. فأُتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدَقه، ....) رواه النسائي (1953).
في الحب في الله تعالى:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ـ طريقه ـ ملكاً. فلما أتى عليه قال: ماذا تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربُّها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى.قال: فإني رسول الله إليك بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببته فيه). ـ رواه مسلم (2567).
في الحفظ وحسن الرعاية: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (...احفظ الله يحفظك،....) أخرجه أحمد(2763)، والترمذي (2516)، وغيرهما.
من أعظم ما يجب حفظه من المأمورات: الصلوات الخمس، والطهارة لها، وحفظ الأيمان، وحفظ الجوارح من المعاصي، وحفظ القلب من الآفات، كالنفاق والرياء، والحسد والكبر، والعُجْب وحب الدنيا والإصرار على المعاصي. ويدخل في ذلك فعل الواجبات جميعاً، وترك المحرمات جميعاً.
وقوله: (يحفظك): يعني أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، حفظه الله ورعاه وجعله في كنفه وتولاه؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل.
وحفظ الله للعبد يتضمن نوعين:
أحدهما: حفظ الله في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وأهله وولده وماله.
والثاني: حفظه في أمر دينه، وحيلولته بينه وبين المعاصي.
في النصر:
قال تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] {محمد:7}، [وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] {الحج:40} .
فمن ينصر دين الله في الأرض، ينصره الله تعالى على أعدائه، وهذا ما حقَّقه المسلمون، إذ نصروا دين الله تعالى، فنصرهم الله، مع قلَّة عددهم وكثرة عدوهم.
في العفو:
قال تعالى: [وَلَا يَأْتَلِ (أي: يحلف) أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {النور:22}.
نزلت هذه الآية في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح ابن أثاثة بنافعة أبداً. بعدما قال في عائشة رضي الله عنها ما قال كما في قصة الإفك.
فلما أنزل الله تعالى براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس واستقرت، وتاب الله على من تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم، شرع تبارك وتعالى يعطِّف الصديق على قريبه ونسيبه، وهو مسطح بن أثاثة، وكان ابن خالة الصديق، وكان مسكيناً لا مال له، إلا ما ينفق عليه أبو بكر، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها، وضُرب الحدّ عليها.
فلما نزلت هذه الآية: [أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {النور:22}، قال الصديق: بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من نفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. فالجزاء من جنس العمل، فكلما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح عنك.
في الرحمة:
عن الأقرع بن حابس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (....من لا يَرحم لا يُرحم) أخرجه البخاري (5997)، ومسلم (2318). وعن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) أخرجه البخاري (7376)، ومسلم (2319).
في الإنفاق:
قال تعالى: [ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ....] {سبأ:39}، وعن أسماء قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا توكي فيوكى عليك) أي: لا تدَّخري ما عندك، وتمنعي ما عندك، فينقطع الله عنك الرزق. والإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به. وفي رواية: (أنفقي ولا تحصي، فيُحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك) (أخرجه البخاري 1433).
وعن قيس بن سلم الأنصاري رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنفق ينفق الله عليك، أنفق ينفق الله عليك، أنفق ينفق الله عليك) (الطبراني في الأوسط 8536).
في اصطناع المعروف:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفَّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة. ومن يسَّر على مُعسر يسَّر الله عليه. ومن سَتَر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) ـ (أخرجه مسلم 2699).
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمناً على عُرْي، كساه الله يوم القيامة من حُلل الجنة) ـ رواه أحمد (11101)، والترمذي(2449).
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان الرجل يداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا،فلقي الله فتجاوز عنه) أخرجه البخاري (3480)، ومسلم(1562).
وجاء في فضل رمضان: عن سلمان الفارسي قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال (....، ومن سقى صائماً سَقاه الله من حوض يوم القيامة لا يظمأ حتى يدخل الجنة) رواه المنذري في الترغيب والترهيب، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان.
جزاء السيئات السوء
كما أنَّ جزاء الإحسان الإحسان، فجزاء السيئات السوء.
في الزيغ والضلال:
قال تعالى مخبراً عن بني إسرائيل: [فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ] {الصَّف:5}، لما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة.
في نسيان الله تعالى:
قال تعالى: [نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ] {التوبة:67}، وقال تعالى:[ فَاليَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا] {الأعراف:51}، وقال سبحانه: [فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ] {السجدة:14}.
ذوقوا العذاب بسبب تكذيبكم به وتناسيكم له، يقول الله تعالى ذلك من باب المقابلة؛ لأنَّ الله تعالى لا ينسى شيئاً، ولا يضلُّ عنه شيء.
وقد حذَّر الله تعالى عباده أن ينسوه فقال: [ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ] {التوبة:67}.
في الاستهزاء والسخرية والمخادعة والمكر:
قال تعالى في المنافقين: [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15) ]. {البقرة}..
وقال تعالى في المنافقين: [الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] {التوبة:79} .
وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ] {المطَّففين:29}، وقال سبحانه:[ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] {الأنفال:30}، وقال: [وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ] {النمل:50}.
المكر: تدبير الأمر في خفية، والمكر من الله تعالى هو جزاؤهم بالعذاب مع مكرهم من حيث لا يشعرون.
في الرغبة في الدنيا:
[مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا] {الإسراء:18}.
في أكل أموال اليتامى ظلماً:
[إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا] {النساء:10}.
في الرياء:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به) أخرجه البخاري (6499) من حديث جندب، ومسلم (2986) عن ابن عباس.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا