الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019

الليث بن سعد - العالم العامل الزاهد الشاكر

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1430
الليث بن سعد
العالم العامل الزاهد الشاكر
للشيخ ناجي الطنطاوي
 
هل سمعتم بعالمٍ من كبار العلماء، وهو في الوقت نفسه غنيٌّ من كبار الأغنياء وكريمٌ من أعيان الكرماء؟ إنه فقيه مصر وعالمها الليث بن سعد الذي عاش في العصر العباسي وعاصر الخليفة هارون الرشيد كان مرجعاً في العلم وحجةً في الفقه وعلماً من أعلام الإسلام الذين يشار إليهم بالبنان.
عكف منذ نشأته على تعلم العلم والاشتغال بالتجارة فنشأ عالماً تاجراً غنياً كريماً. وطُلب العلم لا يمنع من طلب المال، وقد عرف التاريخ كثيراً من العلماء التجار لم يمنعهم الاشتغال بالتجارة عن طلب العلم ، وخيرٌ للعالم أن يكون من أصحاب المَيْسرة كي لا يحتاج إلى أحدٍ من الناس.
يروى أن الخليفة هارون الرشيد، بعث إلى الإمام الجليل مالك بن أنسٍ بخمسمئة دينارٍ فبلغ ذلك الليث بن سعد فأنفذ إليه ألف دينارٍ فغضب الرشيد وقال له: كيف تعطيه ذلك وأنت من رعيتي؟ قال: يا أمير المؤمنين إن لي من غلتي كل يومٍ ألف دينارٍ فاستحييت أن أعطي مثل هذا الإمام أقل من دخل يومٍ، وهذه القصة تعطينا فكرةً عن الثروة الطائلة التي كان يملكها عالمنا الكبير، وكان يشكر الله عليها بالبذل والعطاء، وقد ذكر العلماء الثقات أن دخله كان في كل عامٍ ثمانين ألف دينارٍ، ومع ذلك فلم تجب عليه زكاةٌ قط، لأنه كان يفرقها جميعاً على الفقراء والمحتاجين، قال منصور بن عمارٍ: أتيت الليث فأعطاني ألف دينار، ولا يتسع المقام لتفصيل أخبار كرمه وبره وزهده في الدنيا، ولكن نقول: إن الإمام الشافعي رضي الله عنه حين وصل إلى مصر زار قبر الليث وقال: لله درك يا إمام لقد حزت أربع خصالٍ لم يكملن لعالم: العلم والعمل والزهد والورع، وكانت له أربعة مجالس في كل يوم: مجلسٌ لحوائج السلطان ،ومجلس لأصحاب الحديث ،ومجلس لأصحاب المسائل، ومجلس لحوائج الناس، لا يسأله أحد فيرده، وكان إذا رحل، رحل بثلاث سفن: سفينة له ولأضيافه وتلاميذه، وسفينة لعياله وسفينه لمطبخه وخدمه.
قال كاتبه: صحبتُ الليث عشرين سنةُ فكان لا يتغدَّى ولا يتعشَّى إلا مع الناس، وكان كل ما جاءه من التلاميذ يأكل وينام وينفق على حسابه لا يكلفه من ماله شيئاً وإذا أراد السفر أعطاه نفقته وزاده، وكان يتخذ الحلوى لأصحابه ويضع في داخلها الدنانير ليرغبهم في الأكل.
وكان يعطي العلماء رواتب دائمة، ولما حجَّ أهدى إليه الإمام مالك طبقاً فيه رطب ، فأخذه ورد إليه الطبق وفيه ألف دينار.إنه مثالٌ فريدٌ للعالم العامل الزاهد الشاكر.
 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا