السبت 14 ربيع الأول 1442 - 31 أكتوبر 2020

المرأة في الجزيرة العربية 5 - المرأة قبل الاسلام

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1521
المرأة في الجزيرة العربية(5)
بقلم: حاتم الطبشي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
        الابنة الغالية:
        الأخت الكريمة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        في مقالات أربع مضت ذكرت لكنَّ طرفاً من أخبار وأحوال المرأة عند: الإغريق (اليونان) والهند والرومان والفرس، وأنتقل الآن للحديث عن:  
المرأة في الجزيرة العربية
( قبل البعثة ) 
ما سبق وذكرته عن سوء حال المرأة عند الأمم، وما حاق بها من ظلم واحتقار، وإهانةٍ وإذلالٍ، لا يعدل شيئاً مما كان عليه العرب في جاهليتهم، و مما أستدل به على صحة هذا القول قتل الأولاد من ذكور وإناث، وإن كان الأمر في الإناث أكثر وأشهر، قال الله تبارك وتعالى:
" وكذلك زيَّن لكثيرٍ من المشركين قَتْلَ أولادِهِم شركاؤُهم ليُرْدُوهم وليلبسوا عليهم دينهم... " [ الأنعام: 137 ].
وقال عزَّ وجلَّ: " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم، وحرَّموا ما رزقهم الله... "  [ الأنعام: 140 ].
وقال سبحانه: " وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قُتِلَت " [ التكوير: 8 – 9 ].
كان بعض الجاهليين العرب يكرهون المرأة لأنها امرأة، وانظر إلى هذه الصورة التي رسمها القرآن عن نظرة الجاهلي للمرأة: " وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مُسْوَدَّاً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّرَ به أَيُمْسِكُه على هُونٍ أم يدُسُّه في التراب، ألا ساءَ ما يحكمون " [ سورة النحل: 58 – 59 ].
وقال تعالى: " وإذا بُشِّرَ أحدُهُم بما ضرب للرحمن مثلاً ظلَّ وجهه مسوداً وهو كظيم " [ الزخرف: 17 ].
وفي روايةٍ أنه قال: يا رسول الله، إني وأدتُّ اثنتي عشرة ابنةٍ لي في الجاهلية، قال: ( فأعتِقْ عددهن نسماً )، فأعتَقَ عددهن نسماً، فلما كان العام المقبل جاء بمائة ناقة، فقال يا رسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين، قال علي بن أبي طالب ([3] رضي الله عنه: فكنا نريحها ونسميها القيسية ( [4].) )
ولم يكن قيس هذا من غمار الناس بل كان سيد تميم وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وفد تميم، وأسلم سنة تسع، ولما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هذا سيد أهل الوبر، وكان رضي الله عنه عاقلاً حليماً قد حرَّم الخمر على نفسه في الجاهلية، ولما سئل الأحنف بن قيس رضي الله عنه ([5] ممن تعلمت الحلم ؟ ( وكان يضرب بحلمه المثل ) قال: من قيس بن عاصم، رأيته يوماً قاعداً بفناء داره محتبياً بحمائل سيفه، يحدث قومه إذ أتي برجلٍ مكتوف، وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال الأحنف: فوالله ما حلَّ حبوته ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه فقال: يا ابن أخي بئسما فعلتَ، أثمتَ بربك، وقطعتَ رحمكَ، وقتلتَ ابن عمك، ورميتَ نفسك بسهم، وقللتَ عددك، ثم قال لابنٍ له: قم يا بني إلى ابن عمك فحلَّ كتافه، ووارِ أخاك، وسُقْ إلى أمك مائةً من الإبل ديةَ ابنها فإنها غريبة ([6] ).)
روى القرطبي في تفسيره ( [7]) أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يزال مغتماً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام: ما لك تكون محزوناً ؟ فقال: يا رسول الله إني أذنبت ذنباً في
الجاهلية، فأخاف أن لا يغفره الله وإن أسلمت، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: أخبرني عن ذنبك، قال: يا رسول الله إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فشفعت إلي امرأتي أن أتركها، فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء، فخطبوها فدخلتني الحمية، ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زواج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسُرَّتْ بذلك وزيَّنَتْها بالثياب والحُلِيِّ، وأخذَتْ عليَّ المواثيق بألا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبت ماذا تريد أن تفعل بي، فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليَّ الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي، فجعلت أنظر مرَّةً في البئر ومرَّةً إليها وأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسةً، وهي تنادي في لبئر: يا أبت قتلتني، فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وقال: لو أُمِرْتُ أن أعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك، أي: لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، كما ورد في الحديث الشريف ([8].)
        أيُّ صخر قُدَّتْ منه هذه القلوب المتحجرة، وأيُ وحشيةٍ اتصفت بها هذه الأنفس الخبيثة، والتي تتنـزه الوحوش الضارية عن مثل ما كان يفعله بعض هؤلاء العرب في جاهليتهم، لقد جاء الاسلام فأنقذ بني الانسان، فامتنع القاتل لأولاده عن قتلهم، وعاشت الذرية بأمان وسلام، فجزى الله عنا نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خير ما جازى نبياً عن أمته:
هل تطلبون من المختار معجزةً     يكفيه شعبٌ من الأجداث أحياه ([9])
والقصص من هذا القبيل كثيرة جداً، حتى هذه القصة ـ ولقد والله ـ ترددت كثيراً هل أوردها في كتابي هذا أم لا ؟ وليعذرني القارىء الكريم، كيف وقد بكى لهولها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الكرام، لكن فيها حكم عظيمة، وصورة واضحة عن القوم الذين بعث فيهم: من أرسله الله رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وآله وسلم.
        ولا يحسبن أحد أن وأد البنات قد انتهى من العالم بانتهاء العصر الجاهلي بل عاد كما كان وأشد، لكن بصور متنوعة، ففي الصين التي زاد عدد سكانها عن المليار نسمة يسمح النظام فيها بولد واحدٍ للأسرة، ولما كانت الأجهزة الحديثة تستطيع اكتشاف نوع الجنين في بطن أمه وتحدد جنسه ذكراً أو أنثى، فآلاف الأسر إذا ما تبين لها أن الجنين أنثى، تسارع إلى الإجهاض، بل وأكثر من مرة، هذا في المجتمعات الغنية، أما في المجتمعات الفقيرة أو البعيدة عن الأجهزة الحديثة، إذا كان المولود أنثى تقتل فور ولادتها.
ـــــــــــــــــــــــــ
[1] -  هو الصحابي الجليل قيس بن عاصم التميمي، كان قد حرَّم الخمر في الجاهلية، وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفد تميم فقال عنه: هذا سيد أهل الوبر، وكان سيداً جواداً، قال له أبو بكر رضي الله عنه: ما حملك على أن وأدت، وكان أول من وأد، فقال خشيت أن يخلف عليهن غير كفء، قال: فصف لنا نفسك، قال: أما في الجاهلية فما هممت بملامة ـ أي أمر أُلام عليه ـ ولا حُمْتُ على تهمة، ولم أُرَ إلا في خيلٍ مغيرة، أو نادي عشيرة، أو حامي جريرة، نزل البصرة وتوفي بها، رضي الله عنه.  
[2] - الوأْدُ: دفن البنت أو الولد وهو حي، وأكثر ماكان أهل الجاهلية يفعلونه بالبنات.
[3] - هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي أبو الحسن، أول الناس إسلاماً، ولد قبل البعثة بعشر سنين، وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، وزوجه ابنته فاطمة رضي الله عنها، مناقبه كثير، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لم ينقل لأحدٍ من الصحابة مانقل لعلي، أي من الفضل والمكانة والقدر، ولما آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه قال له: أنت أخي، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكثير، وكان أحد الشورى الذين نصَّ عليهم عمر رضي الله عنه، بويع بالخلافة بعد مقتل عثمان، واستشهد سنة أربعين للهجرة، ومدة خلافته خمس سنين إلا مائة يوم، الإصابة في تمييز الصحابة 2/509.   
[4] - تفسير ابن كثير: 8\358.
[5] - هو الأحنف بن قيس بن معاوية التميمي السعدي، اسمه الضحَّاك والأحنف لقبه ـ والحنف اعوجاج القدم إلى الداخل ـ   أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجتمع به، وقيل إنه دعا له، كان يضرب بحلمه المثل، قال له رجل: بم سدت قومك وأنت أحنف أعور ؟ قال بتركي ما لا يعنيني، كان ثقةً مأمون الحديث، توفي بالبصرة عام   67 هـ، باختصار من الإصابة في تمييز الصحابة 1/100، أقول: لما مدح أبو تمام الخليفة العباسي المعتصم، كان مما قال فيه:
إقدامُ عمروٍ في سماحة حاتمٍ                      في حلم أحنف في ذكاء إياس
فهؤلاء الأربعة كل واحد منهم يضرب المثل بما خصَّه الله به.
[6] - أسد الغابة 4/432، وقوله عن زوجته أنها غريبة: أي ليست من قبيلة تميم.
[7] - الجامع لأحكام القرآن ( 7: 97 ).
[8] - رواه أحمد والطبراني عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
[9] - من قصيدة: أحمد محرم والتي مطلعها: مالي وللنجم يرعاني وأرعاه
 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا