الأربعاء 5 صفر 1442 - 23 سبتمبر 2020

حدث في الحادي والعشرين من رجب

السبت 15 شعبان 1432 - 16 يوليو 2011 1266

في الحادي والعشرين من رجب من سنة 678 بويع في القاهرة للسلطان المملوكي قلاوون، مؤسس الدولة القلاوونية المملوكية، ولقبه الرسمي السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو الفتوح قلاوون، ويقال له الألفي لأنه اشتُريَ بألف دينار.

 
وجاءت بيعة السلطان قلاوون بعد فترة اضطراب شهدتها الدولة المملوكية، فبعد وفاة الظاهر بيبرس سنة 676 عهد بالسلطنة لابنه محمد بركة وكانت سنه 18 عاماً، وتلقب بالملك السعيد، وكان قد تزوج ابنة قلاوون في سنة 674، واضطرب على الملك السعيد أمر الشام فخرج إليها بجيش، ولما بلغ دمشق، علم بأن الخارجين عليه توجهوا إلى مصر للمناداة بخلعه، فركب وسبقهم إلى القاهرة، ودخل القلعة، فحاصره الثائرون، فصالحهم على أن يخلع نفسه وتكون له الكَرَك في شرقي الأردن، ورحل إليها فتسلمها بما فيها من أموال عظيمة، ولم يكد يستقر حتى تقنطر به فرسه، وهو يلعب الكرة، فحُمَّ ومات في سنة 678، وحمل إلى دمشق فدفن فيها عند أبيه. ودامت سلطنته قرابة سنتين.
 
وعين الأمراء من بعده أخاه سلامش ولقبوه بالملك العادل، وهو ابن سبع سنين، على أن يكون قلاوون مدبر المملكة، وبقي الأمر على هذا بضعة أشهر، ثم قام قلاوون باعتقال أنصار سلامش من أمراء الدولة الظاهر بيبرس، وأعلن خلع العادل، ونفاه إلى قلعة الكرك.
 
وأصل السلطان قلاوون من القبائل المغولية المسماة بالقبجاق أو القفجاق وكانت أراضيها تمتد من سمالي شرقي بحر قزوين إلى أواسط سيبريا، وولد قلاوون في سنة 620، وجُلِبَ صغيراً إلى مصر، واشتراه الأمير علاء الدين آق سنقر الساقي العادليّ بألف دينار، وآل بعد موته سنة 647 إلى الملك الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب زوج شجرة الدر، فأعتقه الملك الصالح، وكان قلاوون يعتز بأستاذه الملك الصالح وينتسب في مناشيره إليه وكان توقيعه في المراسيم التي تصدر عنه أن يكتب بخطه تحت اسمه: الصالحي، ولما تولى الظاهر بيبرس السلطنة أخلص له قلاوون، وصار من قواده الشجعان المقربين إليه والبارزين في دولته، وكانت له مواقف بطولية في مواجهة الغزو المغولي، ثم تنقلت الأحوال بقلاوون على ما سبق ذكره، إلى أن صار سلطان البلاد.
 
ونقف هنا لنترحم على الملك الظاهر بيبرس الذي أرسى القواعد عندما أخذ على عاتقه مهمة القضاء على الوجود الأفرنجي في المشرق العربي دون كلل ولا ملل، ويذكر المؤرخ الألماني هانز ماير في كتابه الحروب الصليبية أن بيبرس: خلال فترة حكمه التي استمرت 17 سنة، نظم 38 حملة، وقاتل بذاته في 15 معركة، وقطع في سبيل ذلك 40.000 كم، حتى درأ الخطر المزدوج الذي حاق بالإسلام في منطقة غربي آسيا من قبل الفرنجة والمغول، ونازل بيبرس المغول عدة مرات، والأرمن خمس مرات، والحشاشين ثلاث مرات وهزم الفرنجة في إحدى وعشرين معركة، واسترجع منهم جميع الحصون والقلاع في داخل الشام، وبقي في أيديهم الشريط الساحلي فقط من قلعة الحجاج جنوبي حيفا في الجنوب وحتى اللاذقية في الشمال.
 
ووفقاً للتقاليد المراسمية أصدر الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله كتاباً يقلد فيه قلاوون السلطنة، وهو من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، ونورد هنا بعضاً مما جاء في الكتاب لأهميته من حيث التفويض والوصايا التي وردت فيه:
 
وخرج أمرُ مولانا أمير المؤمنين - شرفه الله - أن يكون للمقر العالي، المولوي السلطاني الملكي المنصوري، أجله الله ونصره، وأظفره وأقدره، وأيده وأبده، كل ما فوضه الله لمولانا أمير المؤمنين من حكم في الوجود، وفي التهائم والنجود، وفي الخزائن والمدائن، وفي الظاهر والبواطن، وفيما فتحه الله وفيما سيفتحه، وفيما كان فسد بالكفر، والرجاء من الله أنه سيصلحه؛ وفي كل جُودٍ ومَنٍّ، وفي كل عطاء وظن؛ وفي كل هبة وتمليك، وفي كل تفرد بالنظر في أمور المسلمين بغير شريك؛ وفي كل تعاهد ونبذ، وفي كل عطاء وأخذ، وفي كل عزل وتولية، وفي كل تسليم وتخلية، وفي كل إرفاق وإنفاق، وفي كل إنعام وإطلاق وفي كل استرقاق وإعتاق، وفي كل تقليد وتفويض، وفي كل تحديد وتعويض، وفي كل حمد وتقريض، ولاية عامة تامة محمدة محكمة، منضدة منظمة؛ لا يعقبها نسخ من خلفها ولا من بين يديها، ولا يعتريها فسخ يطرأ عليها، يزيدها مر الأيام جِدَّة يعقبها حسنُ شباب، لا ينتهي على الأعوام والأحقاب.
 
نعم ينتهي إلى ما نصبه الله للإرشاد من سنة وكتاب، وذلك من شرع الله أقامه للهداة علماً، وجعله إلى اختيار الثواب سلماً، فالواجب أن يعمل بجزئيات أمره وكلياته، وأن لا يخرج أحد عن مقدماته:
 
والعدل فهو الغرس المثمر، والسحاب الممطر، والروض المزهر، وبه تتنزل البركات، وتخلف الهبات، وتربى الصدقات؛ وبه عمارة الأرض، وبه تؤدى السنة والفرض، فمن زرع العدل اجتنى الخير، ومن أحسن كفي الضرر والضير، والظلم فعاقبته وخيمة، وما يطول عمر الملك إلا بالمعدلة الرحيمة.
 
والرعية فهم الوديعة عند أولي الأمر، فما يختص بحسن النظر منهم زيد ولا عمرو.
 
والأموال فهي ذخائر العاقبة والمآل، والواجب أن تؤخذ بحقها، وتنفق في مستحقها.
 
والجهاد براً وبحراً فمن كنانة الله تَفُوقُ سهامُه، وتؤرخ أيامه، وينتضى حسامه، وتجري منشآته في البحر كالأعلام وتنشر أعلامه، وفي عقر دار الحرب يحط ركابه، ويخط كتابه؛ وترسل أرسانه، وتجوس خلالها فرسانه، فليلزم منه ديدناً، ويستصحب منه فعلاً حسناً.
 
وجيوش الإسلام وكماته، وأمراؤه وحماته، فهم من قد علمت قدم هجرة، وعظم نصره، وشدة باس، وقوة مراس، وما منهم إلا من شهد الفتوحات والحروب، وأحسن في المحاماة عن الدين والدؤوب، وهم بقايا الدول، وتحايا الملوك الأول؛ لا سيما أولي السعي الناجح، والرأي الراجح.
 
والحصون والثغور فهم ذخائر الشدة، وخزائن العديد والعدة؛ ومقاعد القتال، وكنائن الرجاء والرجال، فأحسن لها التحصين، وفوض أمرها إلى كل قوي أمين؛ وإلى كل ذي دين متين، وعقل رصين، ونواب الممالك ونواب الأمصار، فأحسن لهم الاختيار، وأجمل لهم الاختبار، وتفقد لهم الأخبار.
 
وأما ما سوى ذلك فهو داخل في حدود هذه الوصايا النافعة، ولولا أن الله أمرنا بالتذكير، لكانت سجايا المقر الأشرف السلطاني الملكي المنصوري، مكتفية بأنوار ألمعيته الساطعة؛ وزمام كل صلاح يجب أن يشغل به جميع أوقاته، هو تقوى الله، قال الله تعالى في سورة آل عمران {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، فليكن ذلك نُصْبَ العين، وغِلَّ القلب والشفتين.
 
وأعداء الدين من أرمن وفرنج وتتار، فأذقهم وبال أمرهم في كل إيراد للغزو وإصدار، وثر لأن تأخذ للخلفاء العباسيين ولجميع المسلمين منهم الثأر، واعلم أن الله نصيرك على ظلمهم وما للظالمين من أنصار.
 
وأما غيرهم من مجاوريهم من المسلمين فأحسن باستنقاذك منهم العلاج، وطبهم باستصلاحك فبالطب الملكي والمنصوري ينصلح المزاج، والله الموفق بمنه وكرمه.
 
وابتدأ السلطان قلاوون دولته بإسقاط بعض الضرائب المجحفة على الرعية كما أبطل ضريبة كانت خاصة بالنصارى.
 
وواجه السلطان قلاوون أول تحد له من أمير دمشق الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وكانا متساويين في الإمارة، فقد أعلن سنقر نفسه سلطاناً وتلقب بالملك الكامل في أواخر سنة 678، فبعث إليه قلاوون جيشاً هزمه واستعاد دمشق في أوائل سنة 679، وانكفأ سنقر إلى شيزر قرب حماة، فلم بتعرض له جيش السلطان، وأطلق السلطان سراح من اعتقل من الأمراء المتواطئين مع سنقر دون عقوبة أو مؤآخذة، فكسبهم إلى طرفه.
 
وكان قاضي القضاة بدمشق المؤرخ الأديب الأريب شمس الدين أحمد بن خلكان ممن ناله الأذى في هذه الحركة، فقد قيل إنه أفتى سنقر بجواز قتال السلطان، ولما دخلت قوات قلاوون دمشق ورد كتاب السلطان من مصر بشنقه، فسُجن تمهيداً لذلك، ثم ورد بعد أسبوعين بريدٌ من مصر إلى الشام بأمان أهل دمشق، فوقف دون قتله الأمير علم الدين الحلبي، وقال: قد ورد كتاب السلطان بأمان لكل من سمعه من أهل دمشق، وقد سمعه ابن خلكان فهو آمن من القتل.
 
وصُرِفَ ابن خلكان عن قضاء دمشق، وعُرِضَ القضاء على قاضي القضاة عز الدين محمد بن عبد القادرابن الصائغ، فامتنع من ذلك، ففوض لنجم الدين أبي بكر بن صدر الدين بن أحمد بن يحيي ابن سني الدولة، الذي تنمر على ابن خلكان وألزمه أن يخرج من المدرسة العادلية دون تأخير، وبينما ابن خلكان يشرع في نقل كتبه وأمتعته، إذ جاءه رسولٌ فظن أنه يستحثه في النقلة، فأراهم اشتغاله بذلك، فقيل له قد حضر البريد من مصر، فخاف من حلول البلاء به، وتوجه إلى نائب دمشق، فإذا بكتاب السلطان يتضمن إنكار ولاية ابن سني لما به من الصمم، ويقول: إنا قد عفونا عن الخاص والعام، وما يليق أن نخص بالسخط أحداً على انفراده، وغير خاف ما يتعلق بحقوق القاضي شمس الدين بن خلكان وقديم صحبته، وأنه من بقايا الدولة الصالحية، وقد رسمنا بإعادته إلى ما كان عليه من القضاء، فخلع عليه الأمير علم الدين الحلبي، وركب ابن خلكان من ساعته إلى المدرسة العادلية، ونزلها وقت الظهر وباشر الحكم، فعُدَّ ذلك من الفرج بعد الشدة، وكانت مدة ابن سني الدولة عشرين يوماً.
 
وأغار المغول في منتصف سنة 679 على حلب والبلدان التي حولها وعاثوا بها فساداً، فأرسل إليهم قلاوون جيشين من حماة ودمشق، وتوجه هو على رأس جيشه لمحاربتهم، ثم بلغه أنهم انسحبوا فعاد إلى القاهرة، ثم بلغه في منتصف سنة 680 عودتهم في 80.000 جندي بقيادة منكوتمر بن هولاكو، فخرج بنفسه إلى الشام، ولكي يحمي ظهره من الأفرنج، عقد السلطان قلاوون في طريقه معاهدات هدنة مع ملك عكا روجر سان سفيرينو، وبوهمند السابع ملك طرابلس، ثم عقد اتفاقاً مع الأمير سنقر الأشقر جعله فيه أميراً على أنطاكية واللاذقية وماجاورهما، وتعهد فيه سنقر أن يقدم للسلطان عند اللزوم ستمئة فارس لنصرة الإسلام، وتضمن الاتفاق فقرة منحت الأمان للأمراء الذين أيدوا سنقر إن رغبوا في الالتحاق بالسلطان.
 
واجه قلاوون في رجب سنة 680 جيشاً مغولياً تعداده ضعف عدد جيشه، وفي أول المعركة انهزمت ميسرة المسلمين وظن المغول أن النصرة قد تمت لهم، ولكن ميمنة المسلمين وفيها السلطان ثبتت ثبات الطود الراسخ حتى هزمت ميسرة المغول، واندفع الأمير عز الدين أزدمر الحاج، وكان من كبار الأمراء وممن أيدوا سنقر، إلى قلب الجيش المغولي وهجم على قائده منكوتمر بجسده وألقاه عن فرسه وجرحه قبل أن يُستشهَدَ بأسياف المغول، ودبت الفوضى في صفوف المغول بسبب ذلك، فكانت فرصة للسلطان قلاوون ليكرَّ على ميمنتهم ويشتت صفوفها، ويوقع بالمغول هزيمة بالغة ومقتلة عظيمة، وعاد قلاوون إلى مصر منتصراً ظافراً وقد توطدت مكانته وترسخت هيبته، وشارك كذلك في القتال الأمير سنقر وأبلى فيه بلاء حسناً.
 
ومدحه كاتبه القاضي فتح الدين ابن عبد الظاهر فقال:
 
اللهُ أعطاك لا زيدٌ ولا عمرو ... هذا العطاء وهذا الفتح والنصرُ
 
يا أيها الملك المنصور قد كَسرت ... جنودُك المُغلَ كسراً ما له جبر
واستأصلوا شأفة الأعداء وانتصروا ... لما ثَبَتَّ وزال الخوف والذعر
جاءت ثمانون ألفاً من بعوثهم ... لأرض حمص وكان البعث والنشر
والسيف يركع والأعلام رافعة ... والروس تسجد لا عجب ولا كِبَرُ
وكان تنظيم الاسبتارية من الأفرنج Hospitalers‏ قد جعل قلعة المرقب القريبة من حمص معقله بعد عودة القدس إلى أيدي المسلمين، وقام هؤلاء بمساعدة المغول، فأراد السلطان تأديبهم فأرسل إليهم بعد المعركة جيشاً من حمص مع آلات الحصار، ولكن ذلك الجيش هُزِمَ هزيمة منكرة، فشق ذلك على السلطان قلاوون، وبقي ذلك هدفاً من أهدافه حتى حققه في سنة 684 حين جاء على رأس جيشه وحاصر القلعة 38 يوماً، حتى استسلم من فيها وخرجوا ليلحقوا بمملكة طرابلس الصليبية التي خشي ملكها بوهمند السابع أن تطاله الهمة التي أظهرها السلطان قلاوون، فأرسل رسلاً مع هدايا، وعقد هدنة مع السلطان على ألا يتركوا عندهم أسيراً، و لا يتعرضوا لتاجر ولا يقطعوا الطريق على مسافر.
 
وفي سنة 687 هاجم ملك النوبة مدينة أسوان ونهبها، فأرسل إليه قلاوون جيشاً من جنود المماليك ومن عربان إقليم قوص، فتوغلوا في أرضه حتى وصلوا دنقلة، واشتبكوا معه وهزموه وأسروا أمراءه، ثم عاد الجيش بعد أن عينوا أحد الأمراء المأسورين، وهو ابن أخي الملك المتمرد، ملكاً على النوبة مع تعهده بأن يكون ولاؤه للسلطان في القاهرة، وأن يحافظ على الأمن والاستقرار، وعاد الجيش إلى القاهرة بمغانم كثيرة.
 
وفي آخر سنة 687 ورد كتاب نائب الشام أن الأفرنج بطرابلس نقضوا الهدنة، وأخذوا جماعة من التجار وغيرهم، وصار بأيديهم عدة أسرى، وجاء ذلك بتغير السياسة بعد وفاة بوهمند السابع، وإقامة مجلس حكم فيها يترأسه شخص من جمهورية جنوا، فواتت السلطان الفرصة لإخضاع معقل آخر للفرنجة، فخرج في أول سنة 688 على رأس جيشه، فحاصرها ونصب عليها تسعة عشر منجنيقاً، عمل فيها ألف خمسمائة شخص من الحجارين والنقابين، وكان عرض سورها يمر عليه ثلاثة فرسان بالخيل، وجاءتها من قبرص أربع سفن تحاول فك الحصار فلم تفلح، حتى فتحها عنوة بعد أن بقيت في أيدي الأفرنج 185 عاماً، وأمر السلطان بهدمها جميعها، وكانت مدينة صناعية فيها 4000 نول نسيج، ثم أمر السلطان قلاوون أن تهدم البلد بما فيها من العمائر والدور والاسوار الحصينة التي كانت عليها، وأن يبنى على ميل منها بلدة غيرها أمكن منها وأحسن، فأنشئت قريباً منها بجوار النهر مدينة طرابلس المعروفة الآن، وأقر السلطان بلدة جبيل مع صاحبها على مال أخذه منه، وأخذ بيروت وجبلة وما حولها من الحصون، ثم أعاد السلطان توزيع عسكره لتقوية السواحل الشامية قبل أن يعود إلى القاهرة.
 
وكانت من عادة سلاطين المماليك أن يعتبروا أنفسهم بمثابة المرجع الإسلامي الأعلى لغيرهم من ملوك المسلمين، ولذا كانوا إذا حققوا مثل هذه الانتصارات أرسلوا الكتب إلى الأقطار الإسلامية بالبشرى، وبمناسبة فتح طرابلس أرسل ديوان السلطان كتاباً إلى صاحب اليمن كتبه تاج الدين ابن الأثير، ووصف حالة ملوك المسلمين قبل أن بتوجه أبطال الدولة المملوكية لاقتلاع الوجود الأفرنجي من المشرق العربي، قال في الكتاب: كانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه، مُكِبٌّ على مجلس أُنسه، يرى السلامة غنيمة، وإذا عَنَّ له وصفُ الحرب لم يسأل إلا عن طرق الهزيمة، قد بلغ أمله من الرتبة، وقنع بالسكة والخطبة؛ أموال تُنهب وممالك تذهب، لا يبالون بما سُلِبوا، وهم كما قيل:
 
إن قاتلوا قُتِلوا، أو طاردوا طُرِدوا ... أو حاربوا حُرِبوا، أو غالبوا غُلِبوا
 
إلى أن أوجد الله من نصر دينه وأذل الكفر وشياطينه.
 
وفي شوال من سنة 688 جهز السلطان قلاوون جيشاً آخر لإخضاع النوبة، ذلك إن ملكها المتمرد رجع بعد خروج العسكر المصري، وحارب من بها وهزمهم، وفر منه الملك المعين والحامية الصغيرة من جيش السلطان، وساروا إلى القاهرة، فغضب السلطان وأمر بتجهيز العسكر لغزو النوبة.
 
وأعد السلطان جيشاً من الجنود المماليك وعربان الوجهين القبلي والبحري بلغ عدده 40.000جندي، وصحبتهم خمسمئة مركب كبار وصغار تحمل الزاد والسلاح والأثقال، فلما وصلوا أسوان مات الملك المعين، فدفن بأسوان، فأرسلوا للسلطان بموته، فجهز إليه أحد أولاد أخت الملك، وكان بالقاهرة، ليملكه، ولكن الملك المتمرد أجلى السكان من كل البلدات الموالية له، فنهبها العسكر وقتلوا من وجدوه بها، ورعوا الزروع وخربوا السواقي إلى أن وصلوا مدينة دنقلة، فوجدوا الملك قد أخلاها كذلك، ونزل بجزيرة في النيل تبعد خمسة عشر يوماً، وعسر عليهم تتبعه لتوعر النيل بالأحجار، فتركوه وعادوا.
 
وبعد بضعة أشهر وفي سنة 689 وصلت حملة بقيادة والي قوص إلى الجزيرة التي تحصن بها ملك النوبة، فعرضوا عليه الدخول في الطاعة وأمَّنوه فلم يقبل، وهرب إلى منطقة أخرى، ولكنه أمراءه والأسقف والقساوسة تركوه وسألوا الأمان فأمنهم والي قوص وخلع على أكابرهم، وعادوا إلى مدينة دنقلة، حيث قام العسكر المصري باستعراض لقواته وسفنه ونفّاطيه، ثم ملَّكوا الرجل الذي بعثه السلطان قلاوون وألبسوه التاج، وعينوا طائفة من العسكر تقيم عندهم، وعاد العسكر إلى القاهرة بغنائم كثيرة.
 
وللمرة الثانية ما أن غادر الجيش المصري حتى عاد ملك النوبة واستمال أمراءه القدامى واستولى على دار الملك، وأخرج القوة المملوكية إلى قوص، وقبض على الذي تملك موضعه وصلبه حتى مات، ثم كتب إلى السلطان قلاوون يخضع له ويسأله العفو، فقبل منه، وأقره السلطان ملكاً على النوبة.
 
وفي شعبان من سنة 689 نقض أهل عكا الهدنة مع المسلمين عندما هاجموا تجاراً مسلمين وقتلوهم، فقرر السلطان أن يحرر عكا مثلما فعل بالمرقب وطرابلس، وكتب إلى البلاد الشامية بعمل مجانيق وتجهيز آلات الحصار، وبرز على رأس جيشه في آخر شوال بظاهر القاهرة، فأصابته وعكة في أول ليلة، ثم اشتد مرضه إلى أن توفاه الله وهو على أهبة الجهاد في معسكره في ليلة السبت 6 من ذي القعدة لعام 689، وعمره نحو سبعين سنة.
 
وأكمل مهمة تحرير عكا ابن قلاوون وخليفته الملك الأشرف الذي هاجمها بعد ستة أشهر في جمادى الآخرة من سنة 690على رأس جيش جرار يتضمن مئة منجنيق، وحشد الأفرنج في المدينة جميع القوات التي استطاعوا الحصول عليها، وتلقت هذه القوات دعم هيئات الفرسان الأوروبية والجنود الإنكليز، ولكن المسلمين تمكنوا في النهاية من اقتحام الأسوار وسقطت المدينة في أيديهم، لتكون بداية لسقوط كافة المدن الساحلية خلال فترة وجيزة.
 
ترك السلطان قلاوون ثلاثة أولاد من الذكور وهم الملك الأشرف خليل الذي ملك بعده، والملك الناصر محمد، والأمير أحمد وقد مات في أيام سلطنة أخيه الأشرف، وبلغت عدة ممالكيه 7.000 مملوك، أفرد منهم 3.700 مملوك وجعلهم في أبراج القلعة وسماهم البرجية.
 
كان السلطان قلاوون جميل الصورة مهيباً، عريض المنكبين قصير العنق، فصيحاً بلغة الترك والقبجاق، قليل المعرفة بالعربية، وكعادة مؤسيي الدول كان حريصاً على المال ينفقه في موضعه، أراد قلاوون مرة أن يبني مصطبة عليها رفرف يقيه حر الشمس ليجلس عليها، فكتب له الشجاعي على تقدير مصروفها أربعة ألاف درهم، فتناول الورقة من يد الشجاعي ومزقها وقال: أقعدُ في مقعد بأربعة ألاف؟! انصبوا لي صيواناً إذا نزلت، ولا أُخرِجُ من بيت المال لمثل هذا شيئاً.
 
كان السلطان قلاوون على بأسه في ميادين القتال سياسياً من الطراز الأول، يعتبر الحرب آخر خياراته، ويستعين بالعفو والمداراة، ويتطلع إلى بناء التحالفات والاستعانة بمن حوله من مراكز القوى، وقد رأينا كيف تعامل مع تمرد سنقر الأشقر في دمشق، بل إنه أخرجه بعد ذلك من الشام، وأتى به إلى مصر، ولكنه أكرم مكانته وجعله من كبار أمرائه، وفعل ذلك أيضاً مع الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا أمير آل فضل من عرب البادية، فقد كانت له منزلة عظيمة عند الملك الظاهر بيبرس لمشاركته في الحملات ضد المغول، ولما تولى السلطنة الملك المنصور قلاوون ضاعف حرمته وأقطاعه، وجعله بمثابة الملك على تدمر في بادية الشام، وكان ذلك الأمير كريم الأخلاق، حسن الجوار، مكفوف الشر، مبذول الخير، لم يكن في العرب وملوكها من يضاهيه، وعنده ديانة، وصدق لهجة، لا يسلك مسالك العرب في النهب وغيره، ولما توفى سنة 682 أقر السلطان قلاوون ابنه الأمير حسام الدين مهنا على إمرته وأقطاعه وزاده وضاعف حرمته.
 
ودخل السلطان قلاوون في معاهدات حسن صداقة مع ملوك المغول الذين انتقلوا إلى الإسلام، ففي سنة 681 مات أَبَغا ابن هولاكو وتولى الملك بعده أخوه تكودر الذي اعتنق الإسلام وتسمى بأحمد، وتوجه للتصالح مع الدولة المملوكية، فأرسل الشيخ قطب الدين الشيرازي رسولاً إلى الملك المنصور قلاوون يطلب منه المصالحة وحقن الدماء، فففرح السلطان بذلك، وأجابه برسالة طيبة وهدايا كثيرة، وبقي تكودر خاناً بعد أبغا لمدة تقارب السنتين قبل أن يثور ضده أرغون ابن أخيه أبغا ويقتله ويتولى الحكم وينقض كل إصلاحاته الإسلامية
 
وكان السلطان قلاوون حريصاً على التجارة الدولية التي كانت مصر أهم نقطة عبور لها في ذلك الوقت، إذ ترِدُها تجار الصين والهند ببضائعهم إلى البحر الأحمر ثم القاهرة أو الإسكندرية، حيث يشتري بضائعَهم المستوردون الأوربيون من البندقية وجنوى وقشتالة وغيرها، ومن المفيد أن نقتطف هنا بعضاً من "نسخة أمان" أصدرها السلطان قلاوون للتجار الذي يصلون إلى مصر من الصين والهند والسند واليمن والعراق وبلاد الروم:
 
أنه من أراد من الصدور الأجلاء الأكابر التجار وأرباب التكسب، وأهل التسبب، من أهل هذه الأقاليم التي عُدِّدت والتي لم تُعدَّد، ومن يؤثر الورود إلى ممالكنا إن أقام أو تردد، النُقلة إلى بلادنا الفسيحة أرجاؤها، الظليلة أفياؤها وأفناؤها، فليعزم عزْمَ من قدَّر الله له في ذلك الخير والخِيْرَة، ويحضر إلى بلاد لا يحتاج ساكنها إلى ميرة ولا إلى ذخيرة، لأنها في الدنيا جنة عدن لمن قطن، ومسلاة لمن تغرب عن الوطن..
 
وقد عمَّر العدلُ أوطانها، وكثَّر سكانَها، واتسعت أبنيتها إلى أن صارت ذات المدائن، وسائر الناس وجميع التجار، لا يخشون فيها من يجور فإن العدل قد أجار.
 
فمن وقف على مرسومنا هذا من التجار المقيمين باليمن والهند، والصين والسند، وغيرهم، فليأخذ الأهبة في الارتحال إليها، والقدوم عليها، ليجد الفِعال من المقال أكبر، ويرى إحساناً يقابل في الوفاء بهذه العهود بالأكثر، وفي سلامة في النفس والمال، وسعادة تجلي الأحوال وتنول الآمال؛ ولهم منا كل ما يؤثرونه من معدلة تجيب داعيها، وتحمد عيشهم دواعيها، وتبقي أموالهم على مخلَّفيهم، وتستخلصهم لأن يكونوا متفيئين في ظلالها وتصطفيهم؛ ومن أحضر معه بضائع من بهار وأصناف تحضرها تجار الكارم فلا يحاف عليه في حق، ولا يكلف أمراً يشق، فقد أبقى لهم العدل ما شاق ورفع عنهم ما شق؛ ومن أحضر معه منهم مماليك وجواري فله في قيمتهم ما يزيد على ما يريد، والمسامحة بما يتعوضه بثمنهم على المعتاد في أمر من يجلبهم من البلد القريب فكيف من البعيد: لأن رغبتنا مصروفة إلى تكثير الجنود، ومن جلب هؤلاء فقد أوجب حقاً على الجود؛ فليستكثر من يقدر على جلبهم، ويعلم أن تكثير جيوش الإسلام هو الحاث على طلبهم: لأن الإسلام بهم اليوم في عز لواؤه المنشور، وسلطانه المنصور، ومن أُحضِرَ منهم فقد أُخرِجَ من الظلمات إلى النور، وذم بالكفر أمسه وحمد بالإيمان يومه، وقاتل عن الإسلام عشيرته وقومه.
 
هذا مرسومنا إلى كل واقف عليه من تجار شأنهم الضرب في الأرض {يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، ليقرأوا منه ما تيسر لهم من حكمه، ويهتدوا بنجمه، ويغتدوا بعلمه، ويمتطوا كاهل الأمل الذي يحملهم على الهجرة، ويبسطوا أيديهم بالدعاء لمن يستدني إلى بلاده الخلائق ليفوزوا من إحسانه بكل نضارة وبكل نظرة، ويغتنموا أوقات الربح فإنها قد أدنت قطافها، وبعثت بهذه الوعود الصادقة إليهم تحقق لهم حسن التأميل، وتثبت عندهم أن الخط الشريف أعلاهُ الله حاكمٌ بأمر الله على ما قالته الأقلام، ونعم الوكيل.
 
كان السلطان قلاوون متواضعاً في غير لين أو ضعف، كان عندما يرى الطواشي بلال المغيثي يقول: رحم الله أستاذنا الملك الصالح نجم الدين أيوب، أنا كنت أحمل نعل هذا الطواشي حسام الدين كلما دخل إلى السلطان الملك الصالح حتى يخرج من عنده، فأقدّمها له! وكان قلاوون يحب أمراء البيت الأيوبي ويكرمهم، وعندما حشد قواته لاسترجاع قلعة المرقب في سنة 684، جاءه إلى دمشق الملكُ المظفر صاحب حماة وعمه الملك الأفضل، فأكرمهما السلطان إكراماً كثيراً، ودخل الملك المظفر إلى عند السلطان، فأكرمه وأجلسه إلى جانبه على الطراحة، وطيَّب خاطره وقال له: أنت ولدي، وأعزُّ من الملك الصالح عندي، فتوجه إلى بلادك وتأهب لهذه الغزاة المباركة، فأنتم من بيت مبارك، ما حضرتم في مكان إلا وكان النصر معكم.
 
وكان في كثير من الأحيان لا يتقيد برسميات وأبهة الحكم، حكى أحد مماليك ابنه قال: ركب السلطان الملك المنصور قلاوون،يوماً إلى قبة النصر في جماعة من الأمراء الصالحية، ونزلوا هناك في صواوين خفاف نصبت لهم، وأكلوا وانشرحوا، ثم قام كل أمير إلى صيوانه، فأتى أحد الأمراء بعدة خرفان هدية للسلطان، فتخير منها خروفاً، وفرَّق البقية - بعث إلى كل أمير بخروف منها وقال: ليقم كل واحد بذبح خروفه وبشويه بيده مثل ما نعمل في بلادنا، وأنا أولكم. ثم قام هو فذبح ذلك الخروف الذي اختاره وسلخه بيده، وأمر بنار أوقدت ثم قام بيده شواه، فلما انتهى طلب الأمراء ليأكلوا معه منه.
 
ومن مزايا السلطان قلاوون التي حببته إلى القلوب معاملته جميع الأمراء ورجال الدولة على قدم المساواة، لا ينحاز إلى فئة أو عرق أو جنس، قال المؤرخ ابن ابن تَغْري بِرْدي في النجوم الزاهرة: وكان من محاسن الملك المنصور قلاوون أنه لا يميل إلى جنس بعينه بل كان ميله إلى من يتخيل فيه النجابة كائناً من كان.
 
ولهذا طالت مدة مماليكه وذريته باختلاف أجناس مماليكه، وكانت حرمته عظيمة على مماليكه لا يستطيع الواحد منهم أن ينهر غلامه ولا خادمه خوفاً منه، ولا يتجاهر أحد منهم بفاحشة، ولا يتزوج إلا إن زوجه هو بعض جواريه، هذا مع كثرة عددهم.
 
ولو لم يكن من محاسنه - رحمه الله تعالى - إلا تربية مماليكه وكف شرهم عن الناس لكفاه ذلك عند الله تعالى، فإنه كان بهم منفعة للمسلمين، ومضرة للمشركين، وقيامهم في الغزوات معروف، وشرُّهم عن الرعية مكفوف، بخلاف مماليك زماننا هذا، فإنه مع قلتهم وضعف بنيتهم وعدم شجاعتهم، شرهم في الرعية معروف، ونفعهم عن الناس مكفوف، هذا مع عدم التجاريد والتقاء الخوارج وقلة الغزوات، فإنه لم يقع في هذا القرن، وهو القرن التاسع، لقاء مع خارجي غير وقعة تيمور، وافتضحوا منه غاية الفضيحة، وسلموا البلاد والعباد وتسحب أكثرهم من غير قتال. وأما الغزوات فأعظم ما وقع في هذا القرن فتح قبرس، وكان النصر فيها من الله سبحانه وتعالى، انكسر صاحبها وأُخِذَ من جماعة يسيرة بخذلان من الله تعالى، وقع ذلك كله قبل وصول غالب عسكر المسلمين.
 
وكان للسلطان قلاوون اهتمام كبير بتدريب قواته، وكان يشهد ذلك بنفسه في كثير من الأيام، يوضع له كرسي ويخرج أهل كل طبقة إلى الرحبة فيلعبون بالرمح، ولهم معلمون، ثم إذا فرغوا من ذلك يتصارعون إلى الظهر، فإذا صلوا الظهر نزلوا مع الخادم لرمي النشاب، وهذا كان دأبهم دائما، ورزق فيهم النصر بحسن نيته وحسن تدبيره ورأيه.
 
وإلى جانب إنجازاته في ساحات الجهاد، كان له آثار معمارية مهمة، فقد أنشأ في القاهرة في حي بين القصرين مدرسته المسماة المدرسة المنصورية وأنشأ إلى جانبها مستشفى، ورتب في المدرسة دروس فقه على المذاهب الأربعة، ودرْسَ تفسير ودرس حديث، ودرس طب. ولما افتتح المدرسة مدحه شرف الدين البوصيري بقصيدة أولها:
 
أنشأت مدرسة ومارستانا ... لتصحح الأديان والأبدانا
 
فأعجبه ذلك واجزل عطاءه. وقد شاهد الراحالة ابن بطوطة هذا المستشفى ووصفه فقال: وأما البيمارستان الذي بين القصرين عند تربة الملك المنصور قلاوون، فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أُعِدَ فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر، ويذكر أن مجباه - ما يأتيه من أوقافه - ألف دينار كل يوم.
 
واهتم السلطان قلاوون بالحرمين الشريفين فهو رحمه الله الذي أنشأ في سنة 678 البنيان والقبة على حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان قديما حول ما يوازي الحجرة في سطح المسجد حظير من آجر مقدار نصف قامة تمييزا لها عن بقية سطح المسجد، فعمل السلطان قلاوون قبة مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها، كما أنشأ ميضأة ضخمة سنة 686 قرب باب السلام، وأراد أن يبني بمكة مثل ذلك، فأدركته المنية ولم يتم له ذلك، فبناه ابنه الملك الناصر بين الصفا والمروة. وهو أول من كسا الكعبة من ملوك مصر، وكانت قبلها تُكسى من اليمن.
 
وزالت دولهّ بني قلاوون على يد الملك الظاهر برقوق في شهر رمضان 784، حين انتزعها من آخر بني قلاوون الملك الصالح أمير حاج، لينهي حقبة ابتدأت مع انتهاء الحكم الأيوبي، و يسميها المؤرخون دولة الملوك الأتراك، ويبدأ حقبة تسمى بدولة الشراكسة.
 
وقد ألف المؤرخون في سيرة السلطان قلاوون عدة مؤلفات، فكتب القاضي الأديب المؤرخ أبو الفضل ابن عبد الظاهر، عبد الله بن عبد الظاهر، المولود سنة 620 والمتوفى سنة 692، وكان يعمل في ديوان الإنشاء، كتاب تشريف الأيام والعصور بسيرة الملك المنصور، حققه الدكتور مراد كامل بمصر.
 
وكتب المؤرخ ابن حبيب الحلبي، الحسن بن عمر، المولود في سنة 710، والمتوفى سنة 779، كتاباً أسماه تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، جمع به أخبار السلطان قلاوون وأبنائه، وله كذلك كتاب درة الأسلاك في دولة الاتراك، أرخ به أخبارهم من سنة 648 إلى سنة 778.
 
وللمؤرخ المصري شافع بن علي الكناني العسقلاني، ثم المصري، المولود سنة 649 والمتوفى سنة 730، كتب تتناول كذلك تاريخ السلطان المنصور قلاوون وأولاده، وقد كان هذا المؤرخ مدير ديوان الانشاء بمصر زمانا، وأصابه سهم في صدغه، في وقعة حمص بين الجيش المسلم والجيش المغولي سنة 680، فعمي، وكان جمَّاعا للكتب، خلَّف 18 خزانة، ولما كُفَّ بصرُه كان إذا جسَّ كتاباً منها عرفه، وإذا أراد كتابا عرف موضعه.
 
ونختم سيرة هذا السلطان العظيم بقصة تبين جانباً من التكسب بالدين الذي شاع في تلك القرون، ففي منتصف رجب من سنة 687 خرج السلطان قلاوون إلى ظاهر القاهرة يريد الشام، وركب معه ابنه الملك الصالح ثم عاد الصالح إلى قلعة الجبل آخر النهار، فمرض بالزُحار وكثر إسهاله الدموي، فعاد السلطان لعيادته بعد ثلاثة أيام، وأجل سفره بسبب ذلك، وما لبث الصالح أن توفي في الرابع من شعبان بعد حوالي 20 يوماً من بداية مرضه.
 
وفي مدة مرض الملك الصالح جاد السلطان بالمال وأكثر من الصدقات، واستدعى الفقراء والصالحين ليدعوا له، وبعث إلى الشيخ محمد المرجاني يدعوه فأبي أن يجتمع به، فحل إليه مع الطواشي مرشد خمسة آلاف درهم ليعمل بها وقتا للفقراء، حتى يطلبوا ولد السلطان من الله تعالى، فقال له: سلِّم على السلطان، وقل له متى رأيت فقيراً يطلب أحدا من الله؟ إن فرغ أجله والله ما ينفعه أحد، وإن كانت فيه بقية فهو يعيش. وردَّ المال فلم يقبل منه شيئا.
 
وطلع الشيخ عمر خليفة الشيخ أبي السعود إلى السلطان، وقد دعاه ليدعو للصالح، فقال للسلطان: أنت رجل بخيل ما يهون عليك شيء، ولو خرجت للفقراء عن شيء له صورة لعملوا وقتاً، وتوسلوا إلى الله أن يهبهم ولدك لكان يتعافى. فأعطاه السلطان خمسة آلاف درهم عمل بها سماعاً، ثم عاد إلى السلطان وقال: طيِّب خاطرك، الفقراء كلهم سألوا الله ولدك، وقد وهبه لهم!
 
فلم يكن غير قليل حتى مات الصالح، ورأى السلطان في صبيحة ليلة الوفاة الشيخ عمر هذا، فقال له: يا شيخ عمر أنت قلت إن الفقراء طلبوا ولدي من الله ووهبه لهم؟! فقال على الفور: نعم الفقراء طلبوه، ووهبهم إياه ألا يدخل جهنم، ويدخله الجنة

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا