الاثنين 23 محرم 1441 - 23 سبتمبر 2019

مصنع الحياة - الزواج الطريق القويم للمتعة الحلال

الثلاثاء 29 جمادى الآخرة 1435 - 29 أبريل 2014 3142 فياض العبسو

الحمد لله .. أحل النكاح ، وحرم السفاح ، و( خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ، وكان ربك قديراً )،

وشرع لعباده الزواج ، حفظاً للأعراض ، وبقاء وديمومة للنوع الإنساني ، وإكثاراً للبذار .. ثم أما بعد:
فبعض الناس ينظر إلى الزواج ، على أنه إشباع للشهوة ، وإرواء للغريزة ، ولكن هذه نظرة قاصرة وسقيمة ،
 لأن الشهوة عامل مشترك بين الإنسان والحيوان ، الشهوة لذة ساعة ، وحسرة وندامة إلى قيام الساعة ،
حيث يكوي حر المعصية ولهيبها قلب كل إنسان لديه قيم وأخلاق ، أما من لا قيم عنده ولا أخلاق ، فلا يتأثر بذلك ، ولا يشعر بلهيب المعصية ولا يكتوي بنارها ، لأن الران خيم على قلبه ، وتبلد الحس لديه ..
هذا إن كانت في الحرام ..
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: المؤمن يرى ذنوبه ، كأنها جبل يريد أن يقع عليه ،
أما المنافق ، فيراها كذباب وقع عليه ، فعمل بيده هكذا ، وأطار الذباب ..
وفي الحديث الشريف:" من سرته حسنته ، وساءته سيئته ، فذلك المؤمن " .
 وصاحب الشهوة عبد ، فإذا ملك الشهوة ، أصبح ملكاً .. إذا كنت تريد الشهوة ، ففي الإسلام لها طريق معبد ومنور ، وذلك عن طريق الزواج الشرعي الحلال ، أما أن يعتدي الإنسان على أعراض الآخرين ، وينتهك حرمات الله تعالى ، ويضيع مستقبل فتاة ، ويفكك أسرة ، فهذا مما ترفضه الفطرة الإنسانية السليمة السوية ، ويمجه الذوق ، وتأباه الأخلاق الفاضلة الحميدة .. وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك ، هل ترضاه لأهلك ؟ بالتأكيد لا يرضاه عاقل لأهله ، فكيف ترضاه للآخرين ؟!
اللهم إلا إذا كان ديوثاً ، لا يغار على عرضه وشرفه ، وهذا ممن لا يدخل الجنة .
ثم ماذا يجني هذا من وراء ذلك ، غير الأمراض التي وقف الطب عاجزاً عن معالجتها ، وضياع الصحة والمال والأخلاق ، ونزع الإيمان ، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا يزني الزاني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن "
في هذه الحالات ، وعند التلبس بهذه الكبائر ، فإنه ينزع منه الإيمان ، ويبق بلا إيمان ، فإن تاب وأناب ، رجع إليه الإيمان ، وإلا بقي مسلماً بلا إيمان ، ما لم يستحل هذه المحرمات ، فإن استحلها كفر ..
والإيمان هو صمام الأمان ، وإذا ضاع الإيمان ، فلا أمان .. ولا طمأنينة ولا سعادة ..
يقول شاعر الإسلام الفيلسوف المسلم الدكتور محمد إقبال ، رحمه الله تعالى:


 إذا الإيمان ضاع فلا أمان              ولا دنيا لمن لم يحيي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين            فقد جعل الفناء لها قرينا
 ميراث محمد قد أهملوه               فعاشوا في الخلائق مهملينا

 

قارن بين هذا السلوك الخاطىء المشين ، وبين الزواج ، الطريق القويم ، للمتعة الحلال .. فإنك لا تجد وجهاً للمقارنة ، هذا حلال ، وذاك حرام .. وما حرم الله شيئاً ، إلا لحكمة ، ودائرة الحلال أوسع وأكبر من دائرة الحرام ، لأن الأصل في الأشياء الإباحة.. ولكن الشيطان ، يزين الباطل والحرام لأتباعه ، حتى يوقعهم فيه .
والممنوع مرغوب ، كما يقولون ..
الزواج آية من آيات الله رب العالمين .. حيث يقول الله عز وجل:
( ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم وبينهم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين .. إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" أربع من سنن المرسلين: الختان والنكاح والتعطر والسواك " ، ويقول في حديث آخر:
" الزواج سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني " .. ويقول عليه الصلاة والسلام:
" لا رهبانية في الإسلام " و" إن الله أبدلنا بالرهبانية ، الحنيفية السمحة " ..
وقال فاروق الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يمنع من الزواج إلا عجز أو فجور .
فالزواج فطرة إنسانية ..
( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ..  


سنة الله الزواج          فهو حصن وسياج
            وهو للأخلاق تاج


فالفتى والفتاة من غير زواج ، كالحديقة من غير سياج .. وبالزواج تغض الأبصار ، وتحصن الفروج ،
وتحفظ الأنساب ولا تختلط .. قال صلى الله عليه وسلم:
" يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة ( القدرة على مؤن الزواج وتكاليفه ) فليتزوج ،
فانه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع ، فعليه بالصوم ، فانه له وجاء " يعني وقاية وعلاج .
 والزواج نظام كوني .. إذ خلق الله من كل شيء زوجين .. وجعل الزواج نظاماً عند الإنس والجن ، وعند بني الحيوان ، وفي النبات و الجماد .. فالإنس يتزوجون ، والجن يتزوجون ، وكذلك الحيوانات تتزوج ، والنباتات بعضها تلقحها الرياح ( وأرسلنا الرياح لواقح ) وبعضها لا بد من تأبيرها وتلقيحها حتى تثمر ، والتزاوج موجود أيضاً في الجماد ، فهناك سالب وموجب ، حتى في الذرة ..
( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) ..
والزواج عبادة وصدقة .. قال صلى الله عليه وسلم:
" وفي بضع أحدكم صدقة ، قالوا: يا رسول الله ، يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام ، أكان عليه وزر ؟ قالوا: بلى ، قال: كذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر "
يا لعظمة الإسلام ! قل لي بربك ، هل هناك شرع أو قانون ، يثيبك على زواجك وقضاء شهوتك في الحلال ؟ غير الإسلام ، بل ويكون الله في معيتك ، ففي الحديث الشريف:
" ثلاثة حق على الله عونهم: وذكر منهم: الزوج الذي يريد العفاف ،... " الحديث .
هل هناك قانون يثيبك على طعامك وشرابك ، غير الإسلام ؟ ، هل هناك قانون يثيبك على عملك ومنامك ،
غير الإسلام ؟ ، هل هناك شرع أو قانون يثيبك على ابتسامتك ؟ " فتبسمك في وجه أخيك صدقة " ..
هل هناك قانون ، يثيبك على أداء واجبك تجاه ربك ، ونفقتك على زوجك وأولادك ، غير الإسلام ؟، حيث يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:" واللقمة يرفعها الرجل إلى في امرأته صدقة " ..
 فالحمد لله الذي أعزنا بالإسلام .. وشرفنا بالانتساب إليه ..
الزواج نصف الدين .. يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام:
" من تزوج فقد أحرز شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الباقي " .
الزوج نصف المجتمع وكذلك الزوجة ، وبلقائهما واندماجها معاً ، يكتمل المجتمع ، ولذلك نقول عن كل من الرجل المتزوج والمرأة المتزوجة: زوجاً ، مع أن كلاً منهما فرداً وليس زوجاً ! أي أن كلاً منهما اندمج بالآخر وتعانق مع الآخر ، حتى أصبح كل منهما زوجاً بمفرده ..
الزواج هو الرحيق المباح ، وراحة الأرواح ..
الزواج هو البديل الحلال عن الزنا والفواحش والرذائل ، التي جلبت العديد من الأمراض المستعصية ،
 للفرد والمجتمع ..
الزواج هو ربيع الربيع ، فكما أن الربيع أجمل فصول السنة .. وكما قال البحتري:


أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً                من الحسن حتى كاد أن يتكلما
 

فكذلك الزواج فإنه من أجمل متع الحياة الدنيا والآخرة ..
يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه:" الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة "
" ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله ، خيراً له من زوجة صالحة ، إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا أقسم عليها أبرته ، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله " كما جاء في الحديث الشريف .


وأفضل ما نال الفتى بعد الهدى والعافية                 قرينة مسلمة عفيفة مواتية
 

والمرأة الصالحة ، هي حسنة من حسنات الدنيا ، كما قال تعالى:( ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) فحسنة الدنيا ، الصحة والعافية والهداية ، والزوجة الصالحة ، والولد البار ، والجار الصالح ، والمنزل الواسع ، والمركب الهنيء ، وغير ذلك ، أما حسنة الآخرة ، فهي الجنة ، كما قال سبحانه: ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) فالحسنى هي الجنة ، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم ،
وهو أعظم نعيم الجنة ..
والزوجة خير كنوز الدنيا ، لحديث:" ألا أدلكم على خير ما يكنز المرء ؟ الزوجة الصالحة " ..
المرأة هي زهرة الحياة الدنيا وريحانتها :


إن النساء رياحين خلقن لكم             وكلكم يشتهي شم الرياحين
 

ولما ولدت فاطمة الزهراء رضوان الله عليها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ريحانة أشمها وعلى الله رزقها " .. ودخل عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنهما وكان معاوية يحمل ابنته عائشة ، فقال له عمرو: ما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال له: تفاحة القلب ، فقال عمرو: أبعدها عنك يا أمير المؤمنين ، فإنهن يلدن الأعداء ، ويقربن البعداء ، فقال له معاوية: لا تقل ذلك يا عمرو ، فما مرض المرضى ، ولا أعان على الأحزان مثلهن ..


سكن الفؤاد بقربهن             والعيش مر بعدهن
سبحان من منح النساء         لطافة في طبعهن

 

   الزوجة سكن ومودة،  للزوج تكون له وحده، لا يشاركه فيها أحد ، يحافظ عليها ، ويغار عليها باعتدال ، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
ألا تستحون ؟ ألا تغارون ؟ يترك أحدكم امرأته ، تخرج إلى الشارع ، تنظر إلى الناس ، وينظرون إليها !
 قبح الله من لا يغار ..


جرد السيف لرأس                طارت الغيرة منه
 

 أخذها بأمانة الله ، واستحل فرجها بكلمة الله ، وأتى البيوت من أبوابها ، ولم يتسلق من جدرانها ..
تزوجها برضاها ، وإذن أهلها ، كما قال تعالى: ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) ..
وكما قال الرسول القدوة محمد صلى الله عليه وسلم :" أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ، فنكاحها باطل فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل " و" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل "..
الرجل وطن المرأة ، حيث خلقت حواء من ضلع آدم الأيسر ، أو الأقصر ، كما جاء في الحديث ، والمرأة وطن الرجل حيث يبق في بطنها ، وتحمله في أحشائها تسعة أشهر ، لذلك هي تحن إليه ، وهو يحن إليها ، ولولا ذلك ، لما كان هناك زواج بينهما ، ولاستغنى كل منهما عن الآخر .. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" لولا هذه الشهوة ، لما كان للنساء على الرجال سلطان " ..
الزواج هو مصنع الحياة ، حيث يتم من خلاله ، أعظم إنتاج بشري ، وهو إنجاب الأولاد والذرية ،
الذين هم امتداد لحياة آبائهم ، وقرة عين لهم ..
يقول المثل الصيني: إذا أردت أن تزرع لسنة ، فازرع قمحاً ، وإذا أردت أن تزرع لعشر سنين ، فازرع شجراً، أما إذا أردت أن تزرع لمئة سنة ، فازرع رجالاً ..
وكيف نزرع الرجال ؟ بالزواج نزرع الرجال ، وبالأخلاق نبني النفوس ..
" تناكحوا تكاثروا ، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة " ، " تزوجوا الولود الودود ، فإني مباه بكم الأنبياء يوم القيامة " ، حيث أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، هي أعظم أمة ، وأكبر أمة ، في تاريخ البشرية ،
 وفي الحديث:" أمتي ثلث أهل الجنة ، أمتي نصف أهل الجنة ، أمتي ثلثي أهل الجنة " ..
فبالزواج نكثر سواد المسلمين وعددهم ، وبالزواج تقر بنا عين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويباهي بنا ، الأنبياء والأمم يوم القيامة ..
وبالزواج يغنينا الله من فضله ، كما قال تعالى:
( وأنكحوا الأيمى منكم والصلحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله وسع عليم ) .
وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: تزوجوا النساء ، يأتينكم بالأموال ..
ويقول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: التمسوا الرزق في الزواج ..
وبالمقابل ، فإن الزنا يورث الفقر ، ويظلم القلب ، ويذهب بهاء الوجه ..
هذا هو الزواج في نظر الإسلام ، وهذه مكانته .. فهو مؤسسة بين شريكين ، وهو ميثاق غليظ ، وعلاقة مقدسة بين زوجين ، وهو رحلة عمر ، وربيع حياة .. وهو رسالة وأمانة .. وعلينا أن نصونها ونحافظ عليها.
اللهم ارزق شبابنا وأبناءنا زوجات صالحات ، وهييء لأخواتنا وبناتنا أزواجاً صالحين ..
هذا وبالله التوفيق 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا