الأحد 15 محرم 1441 - 15 سبتمبر 2019

صرخة مكلوم للشيخ فياض العبسو - السرقات العلمية

الثلاثاء 25 ذو القعدة 1439 - 7 أغسطس 2018 2253 فياض العبسو
في عصر الحاسوب، وثورة المعلومات، كثر الجهل، وقلت القراءة والبحث، وضاعت الأمانة العلمية، وأصبح العلم يطلب عند الأصاغر، كما أصبحنا في عصر الرويبضة، حيث يتكلم الإنسان التافه، باسم العامة، وهذا كله من علامات الساعة، التي أخبر عنها الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام..
وهمش الإعلام كبار العلماء والدعاة، والأدباء والشعراء، وجعل الأقزام أعلاماً ! وأصبحت الدعوة، تخصص من لا تخصص له، وأقصر طريق إلى الشهرة والثراء..
و" من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به "، حتى أصبح بعض الفنانين والفنانات يفتون في الدين بغير علم، وأصبح كثير من الناس، يكتفي بتصفح بعض المجلات والكتب، ليتصدر بعدها للوعظ والإرشاد، وربما للفتوى والرد على العلماء.. ولذلك كان السلف رحمهم الله يقولون: لا يؤخذ القرآن من مصحفي ولا العلم عن صحفي، أي أن الذي أخذ علمه عن الأوراق والكتب، ولم يثنِ ركبتيه عند أهل العلم، فإنه كثيراً ما يقع في الخطأ والوهم والتحريف والتصحيف لسوء فهمه وقلة علمه وضبطه.والإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: من أخذ العلم عن الكتب، فقد هدم نصف الدين، ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: من أخذ علمه عن الكتب، فقد عطل الأحكام، كما في مقدمة كتاب المجموع للإمام النووي رحمه الله، وكانوا يسمون هذا الذي يأخذ علمه من الكتب، ولا يجالس العلماء، بالصحفي، ولا ثقة بعلمه، فيقرأ( ألم ) بدلاً من( ألف لام ميم )، و( كهيعص ) بدل ( كاف ها يا عين صاد )، و ( يس ) بدل ( يا سين )، وهلم جراً،والأمثلة على ذلك كثيرة
وأصبحنا في عصر التفكه العلمي، حيث بات كثير من الناس يسألون أسئلة تافهة، لا وزن لها ولا قيمة، وبأسلوب فظ، لا أدب معه ولا احترام، وغفلوا عن مهمات الأمور.
ما رأيكم دام فضلكم، لو افتتح رجل عادي وغير متخصص، عيادة طبية، أو صيدلية، أو مكتباً هندسياً، أو مكتب محاماة، أو غير ذلك، لا شك أن المختصين سيحتجون عليه، والقانون سيحاكمه، ويغلق مكتبه، فلماذا يا ترى لا يحاسب هذا المتطفل على علوم الشريعة والإفتاء ؟! والله تعالى يقول:
( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ).. فأعط القوس باريها، واحترم تخصصك..
لقد أصبح لأرباب كل مهنة من المهن، نقابة، إلا علماء الدين، فليس لهم نقابة !
كما أن لكل طائفة من الطوائف، مرجعية، إلا المسلمين، فلا مرجعية لهم، وكل الناس يمارسون حريتهم، فاليهودي يلبس طاقيته الصغيرة، والنصراني يلبس صليبه المزيف، والشواذ جنسياً، يمارسون شذوذهم المشين، الذي يدعو للقرف والاشمئزاز، ويمجه الذوق وتأباه الفطرة الإنسانية السليمة..
أما المسلم الملتزم بتعاليم دينه، فمحروم من حقه، وممنوع من ممارسة حريته التي أعطاه الإسلام إياها، وكذلك المسلمة، التي تريد أن ترتدي وتتجمل بحجابها الشرعي، الذي فرضه الله عليها، والذي منع في بعض البلاد العربية والإسلامية، وأصبح مدعاة للسخرية والاستهزاء، عند من لا خلاق لهم، الذين يريدون أن تخرج المرأة شبه عارية، ليشبعوا غرائزهم ونزواتهم، ويريدون أن تنجب المرأة من غير زوجها.. لإنشاء جيل منحل، لا قيم لديه ولا أخلاق.. والعياذ بالله تعالى.. وتحضرني في هذا الصدد قصة، وهي أن أحد الأوربيين سأل الصدر الأعظم العلامة أحمد وفيق باشا العثماني ( وكان سريع الخاطر، حاضر الجواب ) قال له: لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهن ؟ وهو يستنكر ذلك.
فرد عليه قائلاً: لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن. فبهت الذي كفر، وسكت على مضض.
كما منعت اللحية وتعدد الزوجات، في بعض القوانين الوضعية الوضيعة.. ( قل ءأنتم أعلم أم الله ) ؟!.
وهناك مخطط خبيث لنزع ثقة الناس بالعلماء، حتى لا يسمعوا قولهم، ولا يأخذوا بفتواهم.. فأصبح كثير من الناس، لا يتورعون عن الطعن والقدح والنقد والجرح، بعلماء هذه الأمة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد أصبحنا في عصر العقوق والجحود، حيث يموت العالم العبقري والمفكر الفذ، فلا نأبه له، وتتجاهله وسائل الإعلام، فإذا ما مات فنان أو فنانة، مع احترامنا لكثير من الفنانين الملتزمين والفنانات الملتزمات..
ملأنا الدنيا بكاء وعويلاً، وتصدرت صورته صفحات الصحف والمجلات، وخصصت له برامج لمدة ساعات على شاشات التلفزة، لدراسة حياته وفنه !، وتخرج الحشود بجنازته، وربما ملأ هذا الفنان الدنيا فساداً، وأفسد أخلاق الكثيرين من الشباب والفتيات، الذين باتوا يعرفون عن الفنانين، أكثر مما يعرفون عن أمور دينهم، وسيرة نبيهم، وآل بيته الطاهرين، وصحابته الغر الميامين..
لقد انعكست المفاهيم، وانقلبت المعايير، واختلطت الأمور على كثير من الناس، فزينوا القبيح وقبحوا الحسن، فسموا الخمر، مشروبات روحية، والزنا والعري والانفلات الأخلاقي، حرية وتقدماً، نعم إنه تقدم ولكن إلى النار، وبئس القرار، مع فرعون، إمام هؤلاء التقدمية، الذي (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود)، كما سموا التدين تشدداً، والالتزام بتعاليم الدين تخلفاً ورجعية، والجهاد ومقاومة الاحتلال إرهاباً، والإرهاب دفاعاً عن النفس.. وأصبح عندهم الكاذب صادقاً، والصادق كاذباً، والخائن أميناً، والأمين خائناً، وهكذا.. كما أخبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان..
مع أن المقاومة، حق مشروع، في جميع الشرائع والقوانين، لا يستطيع أحد أن ينكر ذلك، وهي فطرة عند الإنسان وغريزة عند الحيوان، وأي بلد في العالم يتعرض للإحتلال، ولا يقاوم أهله المحتل، فإنهم يعتبرون عملاء له، وخونة لشعوبهم وأمتهم..
كنا ولا زلنا وسنبقى، نفخر برجال المقاومة إبان الاحتلال والاستعمار، أعني الاستخراب، والذي ظنناه رحل إلى غير رجعة، ورجع العدو إلى صوابه، حتى تعيش الشعوب، بأمن واستقرار، بدل الحروب والدمار، ولكن تبين لنا، أننا كنا واهمين.. فمخطىء من ظن يوماً أن للثعلب ديناً..
ولو وجد هؤلاء الرجال الأبطال، الذين كانون يقاومون الاحتلال ويقارعون المحتل، لاعتبروهم إرهابيين، وأودعوهم السجون، وحكموا عليهم بالإعدام !.
لماذا أيها الناس ؟ لماذا كل هذا ؟ ألا تعلمون أن إنزال الناس منازلهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، هذا من الحكمة النبوية، ومن صميم تعاليم الدين ! ولكن إنما يعرف الفضل لأهله ذووه..
إن أية أمة لا تعرف قيمة علمائها وعظمائها، هي أمة عاقة، ولا يمكن لها أن تنهض نهضة علمية وثقافية وحضارية، فـ ( يا حسرة على العباد ) و ( يا ليت قومي يعلمون )..
لماذا أصبحنا أضحوكة للأمم، وألعوبة في أيديهم، بأيدي رعاة البقر، وحفدة القردة والخنازير..
الذين مزقوا وحدتنا، وقسموا أوطاننا، العزيزة على قلوبنا، واحتلوا بلادنا، واحداً تلو الآخر، وصدقت مقولة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: لقد أكلت، يوم أكل الثور الأبيض.. لقد تداعت علينا الأمم، وسلبوا خيراتنا ونهبوا ثرواتنا، واتفقوا ضدنا، ونسوا خلافاتهم في سبيل فتنتنا، أشغلونا بأنفسنا، وفرقوا بيننا، وأفسدوا ذات بيننا، وشعارهم في ذلك، يعرفه الكبير والصغير، ( فرق تسد ) وجوع كلبك يتبعك.. فأصبحنا نخدم الصهيونية العالمية، ونحقق أهدافها بقصد أو بغير قصد..
ماذا ينقصنا يا أمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ؟! المال، فبلادنا أغنى بلاد العالم، لأن الله بارك فيها وجعلها مهبط الرسالات السماوية جمعاء، أم القوة، فنحن أقوى الناس، بوحدتنا وواجب التعاون بيننا..
وإن ديننا الذي وحد العرب بعد فرقة، وجمعهم بعد شتات، ونصرهم بعد أن كانوا مهزومين، وألف بين قلوبهم، وجعلهم إخوة متحابين، بعد أن كانوا أعداء متباغضين..
إن هذا الدين العظيم، الذي شرفنا الله، بالانتساب إليه، وجعلنا حملة رايته ورسالته، قادر على أن يوحد أمتنا اليوم، ويجعلهم خير خلف لخير سلف، وكما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى:
لا يصلح أمر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها..
واسألوا التاريخ عن أمتنا ودورها الحضاري والريادي.. والتي نشرت العدل والرحمة والمحبة والسلام في أرجاء المعمورة.. ولولا حضارتنا الإسلامية العظيمة، لما قامت للغرب حضارة.. ولبقوا في غيهم يعمهون..

اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر =ضل قوم ليسوا يدرون الخبر

ولكن أخذوا أخلاقنا واستغلوا علماءنا، ونحن للأسف الشديد، قلدناهم وتشبهنا بهم في أخلاقهم السيئة، وعاداتهم العفنة المشينة، و "من تشبه بقوم فهو منهم، ويحشر يوم القيامة معهم "، هذا إن لم يرجع إلى رشده وصوابه، وقيمه وأخلاقه، ويتب إلى الله عز وجل.. خذوا العبرة من غيركم، ولا تكونوا عبرة لغيركم.. فالسعيد من وعظ بغيره، والأحمق من وعظ به غيره.. واستثمروا كل لحظة، ولا تضيعوا من أوقاتكم لحظة، فالوقت هو الحياة، ومن علامة المقت إضاعة الوقت..
لقد أصبح المعلم، هذا الجندي المجهول، الذي يجاهد في ميدان التعليم، أصبح إنساناً غير مرغوب فيه في المجتمع، بحيث لو خطب إلى أحد من الناس ابنته، فإنه ربما لا يزوجه !
ويحكى في هذا المجال، أن معلماً خطب فتاة من أبيها، فسأله والد الفتاة، ماذا تعمل يا بني ؟ فقال له: أعمل معلماً، فقال له والد الفتاة: لا بأس، العمل ليس عيباً، ( الشغل مو عيب ) !
أرأيتم إلى أي حد وصل بنا العقوق، علماً بأن أعظم رجل ينبغي أن يكون في المجتمع هو المعلم، لأن جميع فئات الشعب وأصنافه، يتخرجون من تحت يديه، ولذلك تفوق الغرب علينا اليوم، بعلمه ومخترعاته وحضارته، اليوم وليس قبله، حيث رفع قدر المعلم، إلى أرفع درجة في المجتمع، وأنزله المنزلة التي تليق به، علماً بأن هذا من أخلاقنا، وتعاليم ديننا، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، المعلم الأول للأجيال، يقول عن نفسه:" إنما بعثت معلماً " و" إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم "، وهذا سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: أنا عبد لمن علمني حرفاً، بمعنى مطيعاً ومحترماً له، ومقدراً فضله علي،
وهذا أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله، يقول:

قم للمعلم وفه التبجيلا= كاد المعلم أن يكون رسولا

وحقاً، فإن المعلم وريث الأنبياء، " فالعلماء ورثة الأنبياء " كما صح في الحديث الشريف.
وقبل هذا وذاك، قيل للأسكندر المقدوني، تلميذ أرسطو طاليس، وكان يجل معلمه أكثر من والده:
لم نراك تجل معلمك أكثر من والدك ؟! فقال لهم بلسان العاقل المنصف، المعترف بالفضل والجميل لأهله:
إن أبي هو سبب حياتي الفانية، ( من طعام وشراب ولباس ومسكن ) أما معلمي فهو سبب حياتي الباقية..
عود على بدء:
الأمانة العلمية، هي نسبة القول إلى قائله، والثناء عليه، إذ كيف نستفيد من علمه ولا نشكره و" لا يشكر الله من لا يشكر الناس " كما جاء في الحديث النبوي الشريف، و" من قال لأخيه جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء "..
لقد أصبح اليوم كثير من الباحثين، ولا سيما الذين يتابعون دراساتهم العليا ! وربما يشترون الإجازة شراء، يأخذون كماً هائلاً من المعلومات، من كتاب لمؤلف، أو موقع لعالم، أو الأقراص المضغوطة ( C DE)، وينسبونه لأنفسهم، دون ذكر المصدر، وهذا من السرقة العلمية، التي لا تليق بطالب العلم، أياً كان هذا العلم، فمن بركة العلم، نسبة القول إلى قائله، وهذا يوثق العمل، ويجعله موضع ثقة لدى الناس..
حتى أصبح كثير من أدعياء العلم، وأنصاف العلماء، يأخذون بل يسرقون كتباً كاملة، ويغيرون عنوانها، ويضعون لها مقدمة، وينسبونها لأنفسهم، ظلماً وزوراً ! والأمثلة عندي كثيرة، لا مجال لذكرها..
علماً، بأن حقوق الطبع محفوظة.. فلماذا هذا الغش والخداع.. ألا يعلمون بأن حبله قصير، سرعان ما ينقطع، وتظهر الحقيقة للعيان ؟! ألا فاتقوا الله أيها الناس، تأخذون جهد إنسان، ربما كلفه هذا العمل سنين طويلة، وتنسبونه لأنفسكم، دون أي جهد منكم، إلا تغيير اسم المؤلف ! وليكن نصب أعينكم،
قول الله تعالى: ( إن الله خبير بما تعملون ).
 

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا