رفع الحرج بالشريعة أم رفع الشريعة بالحرج ؟

رفع الحرج بالشريعة أم رفع الشريعة بالحرج ؟

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ١٢ جمادى الآخرة ١٤٣٩ هـ - ٢٧ شباط ٢٠١٨
2047

 

في أزمنة الاضطرابات والفتن وتفشي الأهواء وركوب كل إنسان رأسه و(إعجاب كل ذي رأي برأيه) يوظِّف كثير من الناس إمكاناته ومهاراته في ترسيخ هذا الوضع الفوضوي إما تلذذاً به وإما استغلالاً له في مآرب الله أعلم بها، أو لكلا الأمرين!.

وتلك المهارات قد تكون دراسات وشهادات ومعلومات شرعية أو غير شرعية، وتوظيفها قد يكون على صورة مقالات أو غيرها.

ومما وقع تداوله أخيراً مقال عن (رفع الحرَج)؛ أصدق ما فيه بعدما  تضمنه من آيات وأحاديث قول كاتبه عن (رفع الحرَج) «إنها دعوة لاستمرار الفعل ولو في حدِّه الأدنى حين تَعذُّر إتمامه لأي ظرف»، إذ لا شكَّ أنَّ مسوِّغ (رفع الحرَج) -بمعنى الترخص والتخفيف- في كل شرع وقانون هو: تعذُّر إتمام العمل وإكماله، ومقصوده هو: تسهيل العمل واستدامته. 

[الغاية من الدين الإسلامي رفع الحرج]

ولما كان الدين عند الله تعالى هو الإسلام وخاتم أنبيائه ورسله هو محمد عليه منه أفضل الصلاة والسلام، فقد أكمل الله تعالى له الدين وأتم بذلك النعمة على عبادة، فبلغت شرائع الدين وأحكامه الغاية القصوى من (رفع الحرَج)، بحيث لا مزيد عليها ولا مزايدة إلا ممن يجهلها أو يجحدها. 

[رفع الحرج ثمرة من ثمرات العمل بالدين الإسلامي]

ونصوص القرآن الكريم لمَّا ذكرتْ (رفع الحرَج) ذكرته باعتباره وصفاً لنفس دين الله تعالى وشرعه، وثمرة من ثمرات العمل به، وحسنة من حسناته المرغِّبة فيه والداعية إليه، كما قال تعالى خاتمة سورة الحج: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا، واسجدوا، واعبدوا ربكم، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم، وما جعل عليكم في الدين من حَرَج، ملةَ أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا؛ ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس، فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، واعتصموا بالله، هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير).

وقال تعالى في أوائل سورة المائدة بعدما خاطب المؤمنين به بأحكام عديدة أمراً ونهياً في مختلف شؤون حياتهم العبادية والمعاشية من مطاعم ومناكح ومعاملات: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهِّرَكم، وليُتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون).

[التصريح برفع الحرج ورد في عدة آيات وسور]

وكذا صرَّح سبحانه في آيات عديدة من سور الأحزاب، والفتح، والتوبة برفع الحرج عن نبيه صلى الله عليه وسلم  والمؤمنين على اختلاف أحوالهم وأوصافهم بما شرعه لهم من أحكام دينه وشرائعه رخصاً كانت أم عزائم، ثقلت على بعض النفوس أم خفَّت، فذكر انتفاء الحرج في تلك الأحكام وبسببها عن العاملين بها من أهل الإيمان والنصيحة والطاعة لله ورسوله.

فالحرج منفي عن نفس أحكام الدين وشرائعه، ومنفي عن العامل بها بسببها، فهو مرتفع عنها مرفوع بها، بل هي أعظم ما يرفع الحرج عن أهلها، وأهلُها كل من يختار الإيمان والعمل بها من أي صنف من أصناف الناس كان في أي زمان ومكان.

[رفع الحرج علامة لهذه الأمة المحمديَّة]

وقد جعل الله تعالى خصلة ارتفاع الحرج هذه أمارة وآية لهذه الأمة ونبيها ودينها لتميزها فيها عن غيرها، فقال تعالى: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحلُّ لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبآئث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون).

[ارتفاع الحرج وصف للمؤمنين بالإسلام]

وذكر سبحانه (ارتفاع الحرج) وصفاً للمؤمنين بدينه وشرائعه المتحاكمين إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم  المسلِّمين بذلك، والمتنعمين بخيراته النفسية والبدنية المادية والمعنوية الدنيوية والأخروية، وجعله فرقاناً بينهم وبين غيرهم من الجاحدين المستعلنين والمستترين فقال سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله، ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً* فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلِّموا تسليماً*ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشدَّ تثبيتاً * وإذا لآتيناهم من لدُنَّا أجراً عظيماً*ولهديناهم صراطاً مستقيماً * ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً).

وقد قال قبل ذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم  بمكة قبل هجرته في مفتتح سورة الأعراف: (الـمص*كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين*اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون).

فكان نهي الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم  والمؤمنين عن الحرج الذي يتربص التسلسل إلى الصدور والنفوس ليؤثر على الشعور والوجدان من جملة الأحكام العظيمة التي رفع بها الحرج عنهم وما يُحدثه من ضيق في الصدر يكون وِزْراً ثقيلاً على حامله، وقد فصَّل لهم في كتابه كيفية معالجة هذا الحرج وضيق الصدر ومدافعته واكتساب السعة والانشراح والطمأنينة والفرح والرضا.

[رفع الحرج الحقيقي ورفع الحرج النفسي]

فجمع الله تعالى للمؤمنين به المتبعين لما أنزل على رسوله حقاً بين ما تضمنته أحكام دينه من ارتفاع الحرج الحقيقي الخارجي الثابت في نفس الأمر، وبين ارتفاع الحرج النفسي الداخلي المتعلق بالوجدان والشعور، وميَّزهم بذلك عمن يتظاهر بالتشبه بهم في الانتساب للدين والعمل بأحكامه من غير إيمان به وانشراح صدر.

وقد صرَّح سبحانه بما يجده هؤلاء الذين ضلوا عن الإيمان من حرج عظيم في صدورهم حيث قال: (فمن يُرِدِ الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يُرد أن يُضلَّه يجعل صدره ضَيِّقاً حَرَجاً كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرِّجس على الذين لا يؤمنون).

فتبين أنَّ ارتفاع الحرج -وليس رفعه  فقط- متحقق في شرائع الدين وبها، وأنَّه مندرج فيها، فيطلب منها وبها، لا يطلب من غيرها، ولا بغيرها.

[رفع الحرج من المسلَّمات في الدين الإسلامي]

وإذا كانت هذه منزلة (رفع الحرَج) من الدين فلا غروَ أن كان من الأصول الشرعية الظاهرة العلنية الحاضرة منذ كان الدين وإلى الآن، حفظَها حملةُ الشريعة وأدَّوها للناس جيلاً بعد جيلاً، وبيَّنو ذلك ولم يكتموه، وأدَّوا حقه ولم يضيعوه، وكانوا أمناء عليه فلم يخونوه.

فكان من المَعِيب والمُريب -أيضاً- أن يَنُصَّ عُنوان تلك المقالة المتناولة لهذا الأصل الشرعي العظيم -القوي الحضور في مجتمعات المسلمين على مر العصور- على دعوى كونه «مُغيَّباً»!، فمن ذا الذي غيَّبه؟، وكيف غيَّبه؟، وهل يمكن تغييبه أصلاً إلا بتغييب الدين نفسه؟.

أليس هذا هَوَساً بفكرة (المؤامرة) التي ينخدع لها وينجذب إليها كثير من الناس، ويتخذها كثيرون أداة تلاعب بهم وسيطرة عليهم، فيطرحها عليهم من يقدِّم لهم نفسه من خلالها في صورة (المنقذ) و(المخلِّص) محتكراً هذا الوصف لنفسه ومن يشبهه غير مبال أن يُجرِّد منه من هم أولى به، بل أن يتهمهم بضدِّه، في تعال ونرجسية وتكبُّر واستخفاف بجهود أمم وخلائق من فضلاء البشر علماً وخُلُقاً وحُسْن سيرة في أنفسهم وحسن أثر على الناس، على اختلاف أولئك الفضلاء في أعراقهم وشخصياتهم وعقلياتهم وأزمنتهم وبلدانهم ومذاهبهم ومواقف بعضهم من بعض.

وشرُّ الاتهام والتنقص ما يتهيب صاحبه أن يبديه ويستعلن به فيروغ ويتلاعب بالكلام مستنطقاً المتلقي له بما يريد أن يمليه عليه ويوصله إليه، فلا يصرح بالاتهام ولكن يضمِّنه -في غُلالة من التورُّع  المزوَّر- ما يحرِّض المتلقي لكلامه على تبنيه والقيام به نيابة عنه!.

[كيف يتجرؤ الجهلة على نسف حقائق الدين]

وإلا فمن هو الفقيه أو العالم الذي يُثبت الحرج في الدين، والذي (غيَّب) أصل رفع الحرج فيه، ولا سيما في جُلِّ المسائل التي طال حجم تلك المقالة بسردها وسرد النصوص الدالة عليها؛ والتي أشبعها خدمة وبياناً ونشراً وإذاعة في الناس حملة تلك النصوص ومبلِّغوها وعلماؤها من مفسرين ومحدِّثين وفقهاء وأصوليين؟!،  ممن لا سبيل لكاتب المقالة ولا لغيره إلى معرفتها إلا بواسطتهم دلالة وبياناً، فهو المغيِّب لدورهم العظيم ودأبهم المستمر في بيان هذا الأصل العظيم والدعوة إليه والذَّبِّ عنه غلو كل غال وجفاء كل جافٍ.

هذا التغيِّيب الظالم لا حاجة إلى استنباطه والتنبؤ به فالكاتب يصرِّح به حيث يقول: «(لا حرج): رخصة بيد الفرد لاستعمالها اضطرارياً دون الرجوع لرأيٍ أو عالِم أو انتظار فتوى، وهي كذلك بالنسبة للمجتمع والأمة» !!.

فلا حاجة إذاً إلى ذي رأي أو علم أو فتوى، والعالم والمتعالم والجاهل، والكهل والمراهق، والسوي والملتوي والذكي والغبي؛ كلهم سواء في استخدام هذه الرخصة التي لا تتوقف على تعليم ولا على اختبار ولا على شرائط استحقاق، فهي رخصة أهون عند باذلها من رخصة قيادة الدرجات والعربات!.

لكنْ إذا كانت المشكلة مع النصوص نفسِها لم يُستغرب موقف الكاتب من علمائها القيِّمين عليها الذين هم أعلم الخلق بها وأحرصهم عليها، إنه يصرِّح بأن رفع الحرج: «أصل لا يحتاج إلى نص، فالحرج بحد ذاته نصّ يستوجب الرفع واستمرار الفعل».

فهو لا يتعامل مع رفع الحرج بوصفه أصلاً ولا نصاً شرعياً يُتلقى عن الشرع فضلاً عن اعتباره وصفاً لازماً له، بل هو يجعله نداً له ومزاحماً، وديناً مستقلاً وشرعاً موازياً لشرع الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يستدل بنصوص الكتاب والسنة استخداماً لها في تسويق مشروعه وشريعته تحت مسمى (رفع الحرج) الذي استعملته الشريعة؛ وليس خدمة لمنهجها هي فيه، فهو إما أنه يفرض أنها لا منهج لها فيه وإما أنه يفرض أنَّ منهجها فيه غير وافٍ لا كافٍ.

فلا عجب إن صرَّح بتجاوز عدم الحاجة إلى النص إلى عدم الالتفات إليه وعدم المبالاة بمخالفته فيقول: « (افعل ولا حرج) دعوة لتغليب المصلحة على المفسدة، للفرد وللأمة والمجتمع ، وإن خالف ذلك آية أو حديثاً».

[لا يوجد أدلة في الشرع لا تغلب المصلحة على المفسدة]

وكل مسلم يعرف القرآن والحديث يتساءل إذا وقف على مثل هذا الكلام: ما هي الآيات والأحاديث التي تُخالف (تغليب المصلحة على المفسدة)، أو تقصِّر في ذلك حتى يستدرِك ذلك عليها كلُّ فرد ومجتمع بحسب ما يراه؟.

[دعاوى باطلة أساسها اتباع الهوى]

فهذه دعوة واضحة إلى اتباع الهوى والمزاج بلا أي قيد ولا ضابط تحت شعار (رفع الحرَج)، وقانون هذه الدعوة لخَّصه المقال في هذه العبارة: «حيثما (لا حرج) فثمّ دين الله ، وحيثما الحرج فثم دين البشر».

هذا القانون السطحي التسطيحي يقدِّمه المقال لكل فرد وإنسان مهما كانت مقصوده ومستواه علماً وعملاً وديناً ليحدِّد به دين الله عوضاً عن كتابه العزيز وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم  فضلاً عن أهل العلم بهما.

وقد كفانا الله تعالى المؤونة بقوله في كتابه الحكيم: (وما جعل عليكم في الدين من حرج).

 فالحرج منفيّ عما في الدين لا عما هو خارج عنه،  فحيث وجد دين الله فثم (لا حرج)، وحيث فُقد دين الله فثَمَّ الحرَج.

[الدين الإسلامي مهيمن على كل ما سبقه من الأديان]

والله تعالى يُعْلن في كتابه بوضوح أنَّ دينه أصل ثابت وحق راسخ كامل، وأنَّه مهيمن لما سبقه خاتم له مقف على آثاره ليس بعده في ذلك مزيد ولا جديد، وقد تكفل سبحانه بحفظه ليستمر العمل به، وأنه جعل نفس الشريعة وأحكامها رافعة للحرج، فحيثما وجدت كانت دليلاً للمؤمن بالله تعالى المصدق لخبره على ارتفاع الحرج في نفس الأمر، وحيثما وجد الإيمان بها كان رافعاً لما قد يتربص بالنفس من حرج شعوري تفرزه طبيعة الدنيا والنفس البشرية.

[شعور الإنسان بشيء من الحرج ليس دليلا على وجوده]

وأما استشعار أي إنسان كان للحرج أو ارتفاعه فليس حجة ولا دليلاً على مطابقة ذلك الشعور منه لما في نفس الأمر، فضلاً عن أن يُجعل دليلاً على دين الله وفرقاناً مميزاً له عن غيره.

وهذا الذي يقوله كُل عالم بالله ورسوله ودينه معظِّمٍ لحرماته وشعائره عارفٍ بآفات النفس البشرية وغلبة الأهواء المُضلَّة عليها ومسيسِ حاجتها إلى تزكيتها وتخليتها من هواها واستسلامها لربها ومو?ها.

أما الذين يتبعون الشهوات والأهواء فيريدون أن يبدِّلوا كلام الله ويصدوا عن سبيل الله ويضلوا عباد الله حتى يميلوا عن سبيله ميلاً عظيماً، فيعكسون الحقيقة، ويرفعون الشريعة وأحكامها بالحرج الذي يجدونه في نفوسهم منها بضعف إيمانهم وخَوَرهم وجزعهم وقلة مبالاتهم بالآخرة ولقاء الله تعالى، وشِدَّة حُبِّهم للدنيا وتعظيمهم لها وتهويلهم شأنها -بلذائذها وآلامها- ويجعلون أهواء نفوسهم ومواجيدها هي الحاكمة الآمرة الناهية القاضية عندهم على شرع الله وحكمه وأمره ونهيه، و الناسخة لذلك من أوله لآخره. 

[الشعور لدى الإنسان ليس مقياسا على شيء]

ولو فُتح الباب لتحكيم الناس مجرد استشعارهم الحرَج أو عدمه لظهر من اختلافهم في ذلك، بل في اضطراب شعور الشخص الواحد بتقلب أحواله النفسية والبدنية = ما لا يلتئم به للدِّين عند الناس شملٌ، ولوقع من التفرُّق فيه والتنازع والفشل المترتب على ذلك أضعاف أضعاف المشاهد من ذلك الآن في مختلف البلدان بسبب اختلافهم في فهم النصوص الجلية الثابتة اختلاف تضادٍّ وتفرق ناتج عن استسرارهم بالأهواء عند ا?ستد?ل فلا يمحضونه للدليل الشرعي متجردين له. 

فكيف لو خُلُّوا وأهواءهم وأذواقهم ومواجيدهم واستشعارَهم للحرج وعدمه؟!، إذاً لكانوا كالحيوانات في الغاباتِ الغلبةُ لقويِّهم وماكرهم على ضعفاء البدن والرأي.

ولوجد الطغاة والغلاة من الذرائع لمزيد الطغيان والغلو أضعاف أضعاف المشاهد ويكون كل ذلك بحجة ما يجدونه من الحرج أو عدمه.

 وكيف السبيل إلى خلافهم عندئذ إذا جمعوا هذا الدليل -لو كان شرعياً- إلى ما ابتلوا وابتلي الناس به من إيتائهم البطش والعلو في الارض والقوة خشنها وناعمها تعليمها وإعلامها!!.

[ليس غريباً على من يتبع هواه أن يتناقض]

فلا غرابة أن يتناقض أصحاب هذا المسلك في نفس مقالتهم فيقول قائلهم: (إن تجميد "لاحرج" أو اعتباره استثناء هو دعوة لمزيد من الانزواء والتقوقع والتخلف عن ركب المجتمع والإنسانية والعالمية، إنه أصل مقصوده الاستثناء درءاً للاقصاء "، هكذا في سياق واحد متصل يقرر أنَّ لا حرج أصل مقصوده الاستثناء، ومع ذلك فاعتباره استثناءً هو دعوة إنزواء وتقوقع وتخلف!، فهذا إن لم يكن تناقضاً من كاتبه فهو اتهام للأصل الشرعي بما ذكره. 

وتالله إن حصر الله تعالى الهدى فيما أنزل على رسوله  صلى الله عليه وسلم  وما أراه إياه -معصوماً منه سبحانه أن ينطق في شيء منه عن الهوى- لَمِن أعظم ما رفع به الحرج عن عباده.

ولولا ذلك لرزحوا تحت نِير (ثيوقراطية) أرباب القُوى والسلطان المادي والمعنوي الديني والدنيوي، أو لامتحنوا ببطش بعضهم ببعض إذا تكافأت قُواهم واستشعروا ندية بعضهم لبعض، فإن مداركهم ومشاعرهم وأذواقهم مختلفة لا محالة.

وصدق ربنا تعالى القائل: (ولو كان  من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).

والقائل في خطاب نبيه الأكرم صلى الله عليه وسلم : (وإن تطع (أكثر) من في ا?رض يُضلوك عن سبيل الله)، والقائل آمرا له بالبلاغ: «قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي).

فالهدى هدى الله، وهدى الله هو الهدى كما صرح بهذا وهذا في كتابه، والمهدي من هدى الله كما روي عن نبيه صلى الله عليه وسلم .

فاللهم اهدنا فيمن هديت إلى صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، واجعلنا ممن ذاق طعم الإيمان وانتفى عن صدره الحرج برضاه بك رباً، وبدينك الإسلام ديناً، وبنبيك محمد صلى الله عليه وسلم  رسولاً.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...