السبت 28 شوال 1443 - 28 مايو 2022

مختصر تفسير ابن عاشور (9)

الأحد 13 جمادى الآخرة 1443 - 16 يناير 2022 88 بلال فيصل البحر
مختصر تفسير ابن عاشور (9)

(رب العالمين) وصف لاسم الجلالة متعلق بالحمد مشعر باستحقاقه بالربوبية كما استحقه بذاته، والرب مشتق من ربه بمعنى رباه وساسه واختار الزمخشري أنه الملك والسيد وزعم أن العرب لم تطلقه على غير الله إلا مقيداً وتعقب بقوله تعالى (أأرباب متفرقون خير أم الله) وقد قال النابغة:

تخُبُّ إلى النعمان حتى تناله.....فِدىً لك من ربٍّ طريفي وتالدي

وسموا العزى ربة، وأطلقوه على آلهتهم كما قال الشاعر:

أربٌّ يبول الثُعلبانُ برأسه....لقد هان من بالت عليه الثعالبُ

والعالمين جمع عالَـم كياسَم مفرد الياسمين، وهو الجنس من الموجودات مشتق من العلَم لأنه علامة على وجود الصانع لكنهم جمعوه جمع العقلاء مع شموله لغيرهم تغليبا للعاقل، والتعريف فيه للاستغراق لا للعهد بقرينة جمعه، لأن القاعدة أن (ال) مع الجمع للاستغراق، ومع الإفراد للعهد أو الجنس.

(الرحمن) وصف مشتق من رحم وأصله الرقة لكنه يطلق على الله باعتبار أثره الذي هو الرفق واللطف بالمرحوم بالإحسان إليه ودفع الضر عنه، وعن المبرد أن الرحمن عبراني معرب من (الرخمن) أبدلت خاؤه حاء، قال جرير:

أو تتركُنَّ إلى القسّيس هِجرتَكُم ... ومسحَكُم صُلْبَكُم رَخمان قُربانا

وفيه نظر لأنه بالخاء لغة لبعض اليمن ولأن العرب لا تعرفه قبل القران ولهذا قال (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) ومن هنا ذكره في آية الملك المكية فقال (ما يمسكهن إلا الرحمن) تنبيها لهم، وقال في المدنية (ما يمسكهن إلا الله) ولذا أطلقوه على مسيلمة بعد الإسلام مبالغة في الكفر فقال الشاعر:

سموتَ بالمجد يا ابنَ الأكرمين أبا....وأنتَ غيثُ الورى لا زلتَ رحمانا

وعند الزمخشري أنه صفة مشبهة كغضبان للدلالة على الكثرة والامتلاء، واعترضه ابن مالك بأن رحم متعد والصفة المشتقة تصاغ من اللازم، وتعقب بأن المتعدي إذا صار سجية حول من (فَعَل وفَعِل) إلى (فَعُل) مثل (فقِه وفقُه) وإذا تجرد من التعريف صرف في لغة بني أسد واختار الزمخشري والرضي وابن مالك منع صرفه.

وأما (الرحيم) فصفة مشبهة عند الجمهور كسقيم، وعند سيبويه من أمثلة المبالغة ورجحه المصنف، والصفتان للمبالغة اتفاقا، وذهب الجمهور إلى أن الرحمن أبلغ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، والرحيم أعم ولذا قُدّم الرحمن عليه لأنه مختص بالله فلا يطلق على غيره، واختار قطرب والزجاج أنـهما مترادفان وجمع بينهما للتوكيد اللفظي، وضعفه المصنف بأن الأصل التأسيس وهو أولى من التأكيد.

ومناسبة تعقيب الوصفين لاسم الجلالة بعد وصفه بالربوبية، أنه لما كان هو رب العالمين، وكان المربوبون ضعفاء، كان احتياجهم لرحمته وافتقارهم إليها ظاهراً، وذكر صفة الرحمة مع أن صفة الربوبية تقتضيها، تنبيها على أن تدبير أحوال الخلق ومعاشهم حاصل لهم في كمال الرفق واللطف.

(مالك يوم الدين) نبه تعالى ذكره على أنه دون غيره المالك المتصرف في عالم الآخرة كالدنيا فلا يشذ عنه شيء، وإضافة الملك ليوم الجزاء لئلا يغتر بما تقدم من سعة رحمته فيندفع في المعصية، إذ الجزاء على الفعل سبب الامتثال، وفيه إشعار بالعدل في الجزاء، وقرأ الجمهور (ملك) وقرأ عاصم والكسائي (مالك) وكلاهما مشتق من الملك الذي أصله الضبط والشد، قاله ابن عطية.

وحكى أبو علي أن أول من قرأ (ملك) مروان ورده ابن السراج بأن الخبر صح بـها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر عند الترمذي، وهو من الـمِلْك أي الحيازة والاختصاص أو من الـمُلك وهو التدبير والتصرف، والدين هو الجزاء قال الزِمّاني:

فلما صرّح الشرّ.........فأمسى وهو عُريانُ

ولم يبقض سوى العُدوا....ن دِنّاهم كما دانوا

أي: جزيناهم، والتعبير به أشمل من الحساب لأنه يعم الجزاء على الخير والشر كما، قال النابغة:

وكم جَزانا بأيدٍ غير ظالمة....عُرفاً بعُرف وإنكاراً بإنكارِ

(إياك نعبد وإياك نستعين) التفات من خطاب الغائب إلى الحاضر تجنبا للتكرار المخل بالبلاغة ودفعا للسآمة بإعادة نفس الإسلوب ولأنه بالحمد أقبل على الله بقلبه فتخيل أنه في مقام الربوبية فخاطبه بالحضور إجلالاً، وهو استئناف ابتدائي بقصد تمجيد الرب وإظهار ما يقتضيه حق الربوبية من الإخلاص بعد الحمد على عادة العرب في مفاتحة الملوك، ولمناسبة الدعاء بعده بالهداية إذ الداعي يقدم الثناء على المدعو وتمجيده قبل سؤاله.

و(إياك) ضمير خطاب منصوب والكاف للتوكيد، والمقصود تأكيد العبادة والاستعانة بالله وحصرهما فيه، والحصر في (إياك نعبد) حقيقي مستفاد من تقديم المعمول خلافا لابن الحاجب، وفي (إياك نستعين) ادعائي للمبالغة في عدم الاستعانة إلا بالله فيما لا يقدر عليه غيره.

والعبادة: الخضوع والتعظيم وعن الصوفية: العبادة: فعل يرضي الرب، والعبودية: الرضا بفعل الرب، ومراتبها ثلاثة: أن يعبده خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، ومن زعم كغلاة المتصوفة والفخر أنـها رتبة ساقطة فقد غلط لقوله تعالى (يرجون رحمته ويخافون عذابه) وقال (وادعوه خوفا وطمعا) وأرفع منها أن يجمع إلى ذلك شرف الانتساب لعبوديته، وأعلاها أن يجمع إليهما عبادته لاستحقاقه العبودية.

ولما كان المعبود محتجبا عن خلقه بسبحات الجلال شرعت العبادة لتزكية الروح بأنواع الفضائل والكمالات الحاصلة باتصالها بخالقها فيسمو العقل ويعتدل البدن فيستقيم الإنسان وينتظم المجتمع الذي به صلاح أمر العالم ففي قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) مجاز المراتب، وبه يدرك وجه كون العبادة محققة للمقصد من الخلق، وتحقيق العبودية بالرجاء تذللاً للمعبود ودفعا لليأس والقنوط من رحمته، والخوف تعظيما للمعبود ودفعا للأمن من عقابه، والحب إجلالا المعبود وتقربا إليه.

والاستعانة: طلب العون في تسهيل ما يشق ويعسر سواء كان بفعل أو قول، وهي نوعان: ضرورية يتوقف وقوع الفعل عليها ولا يحصل بدونـها، وغير ضرورية وهي ما يتوقف عليها حصول كمال الفعل، والاستعانة بالله طلب العون منه فيما لا يقدر عليه غيره، فهو عام في أمور الدين والدنيا بقرينة حذف متعلق الاستعانة وكان حقه الجر بعلى.

وتقديم العبادة على الاستعانة لأنـها حق خالص لله لا يشركه فيها غيره بخلاف الاستعانة فإنـها تطلب من المخلوق فيما يقدر عليه، ولأن من جملة ما يطلب الإعانة على العبادة.

(اهدنا الصراط المستقيم) الهداية: الدلالة بلطف وعكسها الضلال، وتعديته للمفعول دون واسطة (إلى واللام) لغة الحجاز على تضمينه معنى عرف، أي: عرفنا به وأرشدنا إليه ودلنا عليه، وعند الأشعرية لا يشترط الإيصال فيها فيكفي الدلالة على طريق الوصول، واشترطه الزمخشري وغيره، ولا نزاع أنه مطلوب شرعاً وتنقسم الهداية إلى أربعة: الأولى: هداية الخلق لمنافعهم (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) الثانية: هداية البيان (وهديناه النجدين) الخير والشر، الثالثة: هداية التوفيق باتباع الحق واجتناب الباطل (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وهاتان هما المراد بقوله (اهدنا الصراط المستقيم) الرابعة: هداية الآخرة إلى طريق الجنة.

والصراط: الطريق ويستعار للحق، وعن النقاش وابن الجوزي وحكاه أبو حاتم في (الزينة) معرب عن الرومية، وهو بالسين لجمهور العرب وقرأ به قنبل عن ابن كثير، وبالصاد لغة الحجاز موافقة للرسم وبه قرأ الجمهور، ولقيس إشمام السين بين الصاد والزاي وبه قرأ خلف عن حمزة، ولم يقرأ أحد بالزاي لغة عذرة وكلب والقين، وصحح ابن تيمية الصلاة به.!

والمستقيم: الذي لا عوج به، استعارة للحق الواضح الذي لا تخالطه شبهة باطل ولا يضل سالكه كالطريق الذي ليس به تعاريج، والمراد دين الحق وملة الإسلام قاله ابن عباس، فالتعريف فيه للعهد الذهني.

(صراط الذي أنعمت عليهم) بدل أو عطف بيان كرره لتأكيد معنى الصراط والاهتمام به وتحقيق مفهومه في النفوس ولهذا لم يقل (اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم) ونظيره (وإذا مروا باللغو مروا كراما) وقول الأحوص:

فإذا تزول تزول عن مُتخَمِّطٍ....تُخشى بوادرُهُ على الأقرانِ

وأسند الإنعام عليهم إلى ضمير الجلالة تنويهاً بشأنـهم وتنبيها على مخالفة حالهم لحال المغضوب عليهم والضالين، إذ النعمة من النعيم وهو راحة العيش ولذته الحسية والمعنوية في الدنيا والاخرة التي لا تحصل إلا بـهداية الـمُنعِم، ولا يعكر عليه حصول نعم الدنيا الحسية للكافر لتكدرها بعواقب الآخرة.

(غير المغضوب عليهم) اليهود (ولا الضالين) النصارى، ويعم من تشبه بـهم في صفاتـهم التي استحقوا بـها الغضب والضلال، والجملة صفة أو بدل من (الذين أنعمت عليهم) وصح الوصف بغير مع كونـها نكرة لا تتعرف بأل، لأنه أريد بـها نفي ضد الموصوف فصارت معرفة، إذ الشيء يتعرف بنفي ضده كقولنا الحركة غير السكون، قاله ابن السراج والسيرافي واختاره ابن الحاجب.

و(لا) مزيدة لتأكيد النفي خلافا لمكي في قوله إنـها لدفع توهم عطف (الضالين) على (الذين أنعمت عليهم) وللسيد في أنـها لدفع توهم نفي المجموع فيجوز ثبوت أحدهما، وقرأ الجمهور بكسر الهاء من (عليهم) وقرأ حمزة بضم (عليهم وإليهم ولديهم) وقرأ يعقوب بالضم في كل ضمير قبل هائه ياء ساكنة، وأجمعوا على إسكان ميمه في الوقف، وقرأ بضمها ابن كثير وأبو جعفر وقالون في رواية بضمها (عليهمو) وقرأ ورش به إذا وقع بعد الميم همز.

والغضب صفة تعرض للنفس فتثور وتطلب الانتقام، والصحيح أن الانتقام غير ملازم لماهية الغضب وإنما هو من لوازمه وآثاره كالإعراض عن المغضوب عليه وترك الإحسان إليه، ومذهب السلف الإمساك عن تأويله والاشتغال بما هو أنفع من العمل، لكن لما خاض أهل البدع والإلحاد فيه بقصد التشكيك، احتاج أهل العلم إلى تأويله في حق الله بلازم الغضب وأثره وهو العقاب، تنزيها لله عن التغيرات الذاتية والعرضية، وهو معروف في لسان العرب.

وللغضب حد اعتدال وهو الشجاعة والهمة والإقدام، وحد انحراف وهو التهور والحقد والبطش، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله الوصية: (لا تغضب) وكان عليه السلام لا يغضب إلا لله، وقيل لبعض ملوك فارس: بم دام ملككم؟ قال: لأنا نعاقب على قدر الذنب لا على قدر الغضب.

الحلقة السابقة هـــنا

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا