الثلاثاء 24 محرم 1441 - 24 سبتمبر 2019

رمضان شهر الصبر - رمضان وقوة الإرادة

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 2455
هذه خطبة جمعة ألقاها الشيخ الشاب باسل بن عبد الرحمن الجاسر ، في مدينة حلب في 11/رمضان/1426، قبل وفاته رحمه الله إذ توفي 14/رمضان/1426 ، عن ثلاثين سنة، وكان هذا العالم الشاب شعلة تتوهج بالحماس والصدق والنصح والحرص على العلم ونشره وإحياءً لذكراه بنشر خطبته الجامعة في موقعنا وسنوافي القراء بترجمته بعون الله تعالى .
رمضان شهر الصَّبر: 11 / رمضان / 1426 هـ
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله ثمَّ الحمد لله، الحمد لله نحمده، نستعين به نستهديه نسترشده، نتوب إليه نتوكَّل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، {مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا *}[1]، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ سيِّدنا محمَّداً عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله، خير نبيٍّ اجتباه، وهدىً ورحمةً للعالمين أرسله
بلغَ العُـلا بكمالِـهِ    كشفَ الدُّجى بجمالِـهِ
حسُنتْ جميعُ خصالِهِ    صلُّـوا عليـهِ وآلـهِ
اللَّهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّدٍ عبدك، ورسولك، النَّبيِّ الأميِّ، وعلى آله، وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعد:
أيُّها الأخوة المؤمنون:
ها نحن أولاء نتجوَّلُ في صرح المدرسة الرَّمضانيَّة الشَّامخ، ونتنقَّلُ ما بين قاعاته، ونطَّلع على مختبرات هذه المدرسة، وفصولها الدِّراسيَّة؛ لنرى فيها تنوُّعاً عظيماً، ولنرى فيها غِناً لا يوجد في مدرسة أخرى غيرها…
نجد في فصلٍ من الفصول أُناساً كُلٌّ منهم يبتسم في وجه صاحبه، ويقدِّمُ لصاحبه ما يستطيع، وما يملك من أشكال الهدايا، والمِنحْ، نسأل: ما هذا الفصل وماذا يُدرَّس فيه؟
فيقال لنا: هنا في هذا الفصل يُدرَّس علم الحبِّ، يُدرَّس علم الرَّحمة والتَّسامح، حيث لا يوجد صرْحٌ كصرح رمضان يُدرَّس هذا العلم فيه بهذه الكفاءة، وبهذه السَّويَّة العالية.
نجد فصلاً آخر يُعلَّمُ فيه علم الصَّبر، وفي فصلٍ آخر يُعلَّمُ علم المراقبة، وفي مختبرٍ من المختبرات تُجرى اختباراتٌ صحيَّةٌ لهذا الجسم الإنسانيِّ، وقد كتب عليه: [صوموا تصحُّوا]…
نرى هذه المدرسة لا حدَّ لها، ولا نهايةَ لفصولها، ولا حصر لفوائدها، نسأل: أكُلُّ من يدخل هذه المدرسة يدرس في كُلٍّ هذه الفصول؟
فيقال لنا: إنَّ الدَّاخلين إلى هذه المدرسة كثيرون، ولكن الَّذين يتخرَّجون منها ويأخذون الشَّهادة قليلون، على الطَّالب الدَّاخلِ إلى هذه المدرسة أنْ يدرسَ في كُلِّ هذه الفصول، وأنْ يتقن دراسة كُلِّ المناهج، حتَّى إذا خرج من هذه المدرسة بعد مدَّةِ الدِّراسة الَّتي تبلغ تسعةً وعشرين يوماً، أو ثلاثين يوماً؛ يُنظرُ إلى ما حقَّق من إنجازاتٍ خلال هذه المدَّة؛ فإنْ درس المناهج كُلَّها بكفاءَةٍ عالية؛ أعطيَ شهادةً هي شهادةُ المغفرة، وشهادةُ القبول والرِّضى، وإلا خرج منها كما دخل، ولم ينتفع بهذه المدرسة إلا ببذل جهدٍ وجوعٍ، وعطشٍ… وخرج منها صِفْرَ اليدين؛ فلم يأخذ شهادةً، ولم يحلَّ عليه رضىً، ولم تجب له مغفرةً.
ها نحن أولاء أيُّها الأحبَّة، وقد تعرَّفنا في لقائنا الماضي على أحدِ مناهج هذه المدرسة الرَّمضانيَّة على منهج الحبِّ والرَّحمة، ها نحن أولاء نجاوز ذلك الفصل العظيم إلى قاعةٍ أخرى يُدرَّسُ فيها علمٌ آخر، لا يُدرَّسُ في مدرسةٍ أخرى كما يُدرَّسُ في مدرسة رمضان، علمٍ اختصَّ به رمضان، حتَّى اقترنَ اسمه باسمه، وحتَّى صار رمضان رمزاً لهذا العلم… إنَّهُ علم الصَّبر.
علم الصَّبر الَّذي ارتبط برمضان ارتباطاً وثيقاً، حتَّى صار رمضان يدعى شهر الصَّبر كما جاء في حديث مجيبةَ الباهليَّةِ رضي الله عنها: [أنَّ أباها أو عمَّها جاء إلى النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام مسلماً، ثمَّ غاب عنه عاماً، وبعد سنةٍ كاملةٍ رَجَعْ فلم يعرفه النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام قال: يا رسول الله: أنْا الباهليُّ الَّذي أتيتك العام الأوَّل، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: لم أعرفك، قال يا رسول الله: ما أكلت طعاماً مُذْ فارقتك إلاّ بليل]… (لقد كنت صائماً طوال هذا العام) فقال صلوات الله وسلامه عليه: [عذَّبْتَ نفسك، صُمْ شهر الصَّبر، ويوماً من كُلِّ شهر، قال يا رسول الله: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صُمْ يومين، قال: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صُمْ ثلاثة أيَّام، قال أُطيق أكثر من ذلك، قال: صُمْ من الحرم واترك، صُمْ من الحرم واترك، صُمْ من الحرم واترك...].
أرأيتم ماذا سمَّى النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام شهر رمضان؟ لقد سمَّاه شهر الصَّبر، قال: [صُمْ شهر الصَّبر، ويوماً من كُلِّ شهر]…
نعم إنَّه شهر الصَّبر، لأنَّ الصِّيام صبر، كما فسَّر بعض المفسِّرين قوله سبحانه وتعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ *}[2] من أخذ هذا اللَّفظ على ظاهره قال: الصَّبر هو الصَّبر المعروف عند النَّاس، ومن أوَّل هذا اللَّفظ قال: الصَّبر ها هنا هو الصِّيام {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} أيْ بالصِّيام، والصَّلاة فالصَّبر هو الصِّيام إذاً، رمضان إذاً قدِ اختصَّ بالصَّبر، وظهر فيه كما لم يظهر في غيره من الشُّهور.
أيُّها الأحبَّة: إنَّ رمضان يُعلِّم الإنسان أنْ يكون مريداً، أنْ يكون صاحب قرار، أنْ يتَّخذ قراره ويخلص له، ويبقى مثابراً على خدمة قراره إلى آخر الطَّريق، إنَّ رمضان يُعلِّمُك أنْ تكون رجلاً يا أيُّها الإنسان، إنَّه يعلِّمُك أنْ تكون صاحب كلمة، صاحب مبدأ… نعم عندما تتَّخذ قراراً بأنْ تمسك عن الطَّعام والشَّراب؛ فإنَّك بذلك تُعلن أنَّك صاحب مبدأ، وتُخلص لهذا المبدأ، وتخدمه…
أنت مقتنعٌ بضرورة الإمساك؛ لذلك أردت أنْ تمسك، ولذلك قَدرتَ على أنْ تمسك، ثلاثيَّةٌ لا انفصام بين أجزائها: القناعة، والإرادة، والقدرة، ومن قال: إنَّني مقتنعٌ بشيءٍ، ولكنَّني لا أُريده؛ فهو يكذب، ومن قال: إنَّني أريد الشَّيء، ولكنَّني لا أقدر عليه؛ فهو يكذب، من اقتنع بأمرٍ أراده، ومن أراد أمراً قدر عليه، لا انفصام بين الثُّلاثيَّةِ أيُّها الأحبَّة.
إنسانٌ مدخِّنٌ يقول: (أنا لا أستطيع التَّخلّيَ عن هذه السِّيجارة)؛ قد نصدِّقه يأتي إلى رمضان؛ فيتخلَّى عنها، يمسك عن الطَّعام، والشَّراب والتَّدخين وسائر المفطِّرات نهاراً كاملاً، وربَّما تغيب عن باله، حتَّى في اللَّيل؛ فيمسك عنها طوال الشَّهر، نقول: نراك قدْ قدرت، نعم لأنَّه أراد، ولمَّا وجدت عنده الإرادة وجدت القدرة، في غير هذا الشَّهر كان لا يريد؛ لذلك كان يتذرَّع بعدم القدرة، نعم إنَّه غير قادر لأنّه غير مريد…
فإذا زعمت أنَّك تريد شيئاً، ولكنَّك لا تقدر عليه؛ فأنت تكذب، واعذروني أيُّها الأحبّة لأنَّ الصَّراحة جارحةٌ في كثيرٍ من الأحيان، ولكن إنَّني أفضِّل الحقيقة المرَّة على الوهم اللَّذيذ، وهكذا كُلُّ عاقل يفضِّل الحقيقة المرَّة على الوهم اللَّذيذ، إنَّنا بحاجةٍ إلى أنْ نكتشف عيوبنا بصراحة، وإنْ كانت الصَّراحة مرَّة، وإنْ كانت الصَّراحة جارحة…
عندما تقول: إنَّني أُريد أنْ أستيقظ إلى صلاة الفجر، ولكنَّني لا أقدر، نقول: خُذْ بالأسباب؛ فيأخذ بالأسباب، يقول: ومع ذلك لم أقدر، نقول: ضَعْ مُنبَّهاً إلى جوارك، يقول: وضعت منبَّهاً؛ ومع ذلك استيقظت فأطفئته وتابعت نومي وأنا لا أشعر، لم أقدر… نقول: أُطلب من أحدٍ ما أنْ يوقظك، يقول: أيقظني كثيرون ولم أستيقظ، لم أقدر… نقول له: يا هذا عذَّبت نفسك، وعذَّبتنا، قُلْ لنا من البَدْءِ أنَّك لا تريد أنْ تستيقظ إلى صلاة الفجر؛ لذلك أنت لا تقدر، يقول: لا والله أنا أريد، نقول: إنَّك تريد إلى حدٍّ ما، ولكنَّ إرادتك لم تصر إرادةً كاملةً بحيث تثمر القدرة…
أسألك بالله عليك: لو كان عندك سفرٌ في السَّاعة الرَّابعة صباحاً في توقيت أذان الفجر أكنت تستطيع الاستيقاظ أم كنت لا تستطيع؟ بلى لأنَّك تريد أنْ تستيقظ، لو كان عملك دوامك الوظيفي في السَّاعة الثَّالثة صباحاً، أكنت تستيقظ، أكنت تقدر أم لا تقدر؟ بلى لأنَّك تريد، لو أنَّ إنساناً واعدك في السَّاعة الثَّالثة ليلاً ليعطيك مبلغاً من المال أو يعقد معك صفقةً تجاريَّة أكنت تقدر أنْ تستيقظ أم لا تقدر؟ بلى لأنَّك تريد في هذه الحالة، عندما لا تقدر فعل شيءٍ ما؛ فذلك لأنَّك لا تريده، وعندما لا تريده؛ فذلك لأنَّك لم تقتنع به القناعة الكاملة.
إنسانٌ مدخّن أقول له: يا أخي إنَّ التَّدخين حرام، يقول: والله أنا أعرف ولكنَّني لا أستطيع، نقول: إذاً لا تعرف، ما رأيك أنْ تطاوعني، وتسمع منِّي، أُحدِّثه عن أوجه التَّحريم في هذا التَّدخين؛ فيسمع، ويسمع؛ فيفاجئ ويذهل، يقول: كُلُّ هذا في هذه السِّيجارة؟! نقول: نعم وأكثر من ذلك، عندها يخرج علبة الدُّخان ويكسِّرها، ويقول: عهدٌ أقطعه أمامك، وأمام ربّي أنْ لا أعود إليها…
إذاً كان مقتنعاً إلى حدٍّ ما، كانت قناعته ناقصة؛ لذلك لم يكن مريداً؛ ولذلك لم يكن قادراً، لمَّا اكتملت قناعته تمَّت إرادته؛ ولمَّا تمَّت إرادته نضجت قدرته، عندها استطاع أنْ يفعل، من اقتنع أراد، ومن أراد قدر، ومن قدر فعل…
رمضان يُعلِّمك ذلك، رمضان يربِّي في نفسك الإرادة، يربِّي في نفسك الالتزام بالمبدأ، إنَّه يعلِّمك الصَّبر المبنيَّ على القناعة، فأنت مقتنعٌ بوجوب الإمساك؛ لهذا فأنت تمسك، مريداً قادراً على التَّخلِّي عن أُمورٍ ما كنت تستطيع التَّخلِّي عنها مع أنَّ الجسم هو الجسم، والنَّفس هي النَّفس، والطَّبيعة الإنسانيَّة هي ذاتها لم تتغيّر في رمضان عمَّا كانت عليه قبل ذلك، ولكنَّ الَّذي اختلف أنَّك في رمضان صرت مريداً فصرت قادراً، وفي غير رمضان لم تكن مريداً؛ فكنت عاجزاً…
يقول قائل: أنا لا أستطيع الاستغناء عن فِنجان القهوة الصَّباحيِّ، وإذا لم أتناول هذا الفِنجان؛ فإنَّ يومي كُلَّه يكون مضطرباً، في رمضان لا يتناول هذا الفِنجان، ولا يكون يومه مضطرباً، لأنَّه أراد؛ فاستطاع أنْ يغيِّرَ نظام حياته.
أيُّها الأحبَّة: إنَّنا نحتاج إلى أنْ نكون أصحاب مبدأ، لقد مضت علينا سنوات، ومضت على أُمَّتنا مئات السِّنين، ولم تكن صاحبت مبدأ، إنَّما كنَّا أُناساً مفعولاً بهم لا فاعلين، نعم على مدى عقودٍ بل قرون، ونحن يُفعل بنا، ولا نتَّخذُ قراراً، ولا نقِف وقفةً رجوليَّةً، ولا نكون أصحاب مبدأ، رمضان يُعلِّمنا أنْ نكون أصحاب مبدأ، يُعلِّمنا أنْ نكون رجالاً أصحاب كلمة، أصحاب قرار، أصحاب إرادةٍ، أصحاب قدرة…
الصَّبر أيُّها الأحبَّة: منهجٌ من المناهج الَّتي تُدرَّس في رمضان، ودرسٌ من الدُّروس العظيمة الَّتي تُعطى في مدرسة رمضان، الصَّبر بأشكاله المختلفة.
الصَّبر أيُّها الأحبَّة: كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ خير؛ لهذا جعلها الله تعالى سِمَةً لعباده الصَّالحين، فقال سبحانه: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *}[3] إنَّها خصلةٌ جامعةٌ لكلِّ خير، مانعةٌ لكلِّ شر.
أتدرون ماذا يعني الصَّبر أيُّها الأحبّة؟ الصَّبر له أشكالٌ ثلاثةٌ، لو فهمناها لعلمنا أنَّها لم تدع خيراً إلاّ واستوعبته، ولم تدع شرَّاً إلاّ وطردته، أشكالٌ ثلاثةٌ للصَّبر:
الأوَّل منها أهونها وهو الَّذي يراه النَّاس صعباً عسيراً إنَّهُ: الصَّبر على المكروه.
الثَّاني منها: هو الصَّبر على الطَّاعة.
والثَّالث منها: هو الصَّبر عن المعصية.
كُلُّ هذه الأعمال مرتبطٌ بالصَّبر، الأوَّل هو الصَّبر على المكروه، إذا نزل بك ما لا تحبُّ؛ فعليك أنْ تصبر {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ*}[4]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *}[5]
ما الَّذي يحملك على الصَّبر على المكروه؟ العقل يحملك على ذلك, الإيمان يحملك على ذلك, أمَّا العقل فإنَّه يقول لك: إنَّ هذا المكروه الَّذي نزل لا تستطيع تغيره ولا تستطيع دفعه، فإنْ صبرت أو لججت فالواقع لن يتغير؛ فاصبر فذلك خيرٌ لك، وذلك يساعدك على الرَّاحة النَّفسيَّة؛ وأمَّا الإيمان فيقول لك: إنَّ هذا المكروه الَّذي نزل بك من تقدير ربِّك، والله سبحانه يريد بك الخير، فسلِّم أمرك لله لأنَّ الله يعلم خيرك أكثر مما تعلمه، اصبر لأنَّ البلاء لا يدوم، اصبر لأنَّ الحال يتقلَّب في هذه الدُّنيا
الدَّهرُ لا يبقى على حالهِ *  لا بـدَّ  أن يُقبلَ أو يُدبر
فإن تلقـاكَ  بمكروهِـهِ * فاصبرْ فإنَّ الدَّهرَ لا يصبر
اصبر لأنَّ الله سبحانه قد أودع في ظلِّ الشَّر خيراً، فانظر إلى الخير الَّذي وراء الشَّرِّ تجد الشَّرَّ خيراً، وتشكر الله على كلِّ بلاء ينزله بك فضلاً عن الرَّخاء، ولو صَفَتْ قلوبنا لرأينا كلَّ أحوالنا خيراً ولرأينا كلَّ ما يُنزله الله بنا من صالحنا.
هذا الصَّبر أيُّها الأحبَّة هو أهون أشكال الصَّبر، أتعلمون لماذا؟ لأنَّنا إنْ صبرنا وإن لم نصبر فالأمر سيَّان من حيث النَّتيجة العمليَّة, ولكنَّ ما يخلف هو نظرة الله لنا وعاقبة الآخرة، فمن رضي فله الرِّضى ومن سخط فله السَّخط.
وأمَّا الشَّكل الثَّاني من أشكال الصَّبر أيُّها الأحبَّة فهو الصَّبر على الطَّاعة {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً *}[6]
{وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}… الصَّبر على الطَّاعة أيُّها الأحبَّة يعني أن تدوم عليها وألَّا تملَّ وألَّا تستجيب لنوازع السَّآمة، وما أكثر ما نرى هذه السَّآمة في العابدين، في أوَّل رمضان تمتلئ المساجد، أيامٌ قليلة تعود المسَّاجد إلى سابق عهدها، كثيرون سئموا لقد أخذتهم الحماسة وفارت نفوسهم ثمَّ انتهت هذه الفورة سرعان ما انتهت… لم يصبروا على الطَّاعة لقد رأوا هذا الأمر طويلاً…
إنسان تارك للصَّلاة نذكره وننصحه فيستجيب، أيامٌ معدودات ويترك مرةً أخرى ما القصة؟! لقد قال في نفسه: إلى متى سأبقى أصلي؟! الأمر طويل… وهذا أمرٌ لا نهاية له يوم يومان ثلاثة أربعة… وماذا بعد؟ نقول وبعد ذلك {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}، { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى *}[7]
الصَّبر على الطَّاعة أيُّها الأحبَّة ما أحوجنا إليه… رمضان يعلمنا أنْ نصبر على الطَّاعة، أنْ نصبر على التزام أمر الله وإنْ كان ذلك شاقَّاً علينا ولكنَّه من صالحنا، إنَّه يعلمنا قوَّة الإرادة، إنَّه يعلمنا أنْ نمشي في الطَّريق إلى آخره، وأمَّا الَّذي يمشي في طريقٍ خطواتٍ معدوداتٍ ثمَّ ينصرف عنه إلى طريقٍ آخر فإنَّه لن يصل إلى غايةٍ أبداً، التَّقلُّب سيودي بصاحبه إلى أسفل سافلين…
إذا سلكت طريقاً وأنت مقتنعٌ به فإيّاك أنْ تحيد عنه استجابةً لنوازع الهوى، أمَّا إذا تغيَّرت قناعاتك النَّاجمة عن عقلٍ سليم وقلبٍ سليم؛ فلا بأس أن تبحث عن الأصحِّ، وأمَّا أنْ تغيِّر اتباعك للحقِّ استجابةً للهوى فإنَّ ذلك سيرديك ويهوي بك…
أيُّها الأحبَّة: قوَّة الإرادة لا يساهم شيٌ في تقويتها مثل الصَّوم، سمعنا هذا من غير المسلمين فضلاً عن المسلمين، هذا الفيلسوف الألماني (جيهاردت) يقول بعد دراسة طويلة لسُبل تقوية الإرادة: (إنَّه لا يوجد شيءٌ يقوي الإرادة مثل الصَّوم)… إنَّه أقوى السُّبل القادرة على تقوية الإرادة لو أنَّك رشَّدته وانتفعت به ووجَّهت منافعه ولم تجعله يمضي هكذا دون فهمٍ وتدبرٍ.
الشَّكل الثَّالث من أشكال الصَّبر أيُّها الأحبَّة أكثر ما نحتاج إليه في هذا الزَّمان, الصَّبر عن المعصية، هناك أمرٌ عليك أنْ تصبر عليه وأنت متلبسٌ به، وأمرٌ عليك أنْ تصبر عنه وأنت حائدٌ عنه مبتعد، المعصية عليك أنْ تصبر عنها…
إذا رأيت مالاً كثيراً ليس لك وأنت محتاجٌ إلى مال ولو قليل… ونازعتك نفسك أنْ تمدَّ يدك إلى المال الحرام فاصبر عن المال الحرام…
إذا كانت نوازع الشَّهوة تُلحُّ عليك، ورأيت نساءً من حولك ونازعتك نفسك أنْ تنظر إليهنَّ ثمَّ أنْ تفعل أكثر من ذلك فاصبر عن الحرام…
وهكذا كلَّما نازعتك نفسك إلى حرامٍ فاذكر الصَّبر واذكر قوَّة الإرادة وقوَّة التَّحمُّل، اذكر أنَّ من صبر عن الحرام عوَّضه الله عنه حلالاً طيباً، ومن أيقن بذلك رآه بأم عينه…
يروى أنَّ سيِّدنا عليَّ بن أبي طالبٍ كرم الله وجهه دخل يوماً المسجد وأراد أنْ يربط دابته فلم يرَ حلقةً يربط بها دابته، رأى رجلاً فقال له: (هلّا أمسكت لي دابتي حتَّى أدخل المسجد أصلي فيه ثمَّ أخرج؟ قال: أفعل، فأمسك الرَّجل هذه الدَّابة، ودخل سيِّدنا عليٌّ، فلمَّا خرج سيِّدنا عليٌّ رأى الدَّابة واقفةً موضعها والرَّجل قد انصرف، ولكن الرَّجل قد أخذ معه لجام الدَّابة، لقد طمع في اللِّجام واستسهل نزعه عن الدَّابة وأخذه ليبيعه، قال سيِّدنا علي: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، أخذ الدَّابة إلى السُّوق -وقد حفظها الله له- ليشتري لها لجاماً، رأى في السُّوق لجاماً يباع، نظر فيه فإذا به لجام دابته! قال للبائع: (بكم هذا اللِّجام؟ ومن أين أتيت به؟) قال: (والله أتاني رجل فباعني إيّاه منذ قليل، من مدَّة قصيرة)، قال: (وبكم باعك هذا اللِّجام؟)، قال: (باعني إياه بثلاثة دراهم)، قال:(سبحان الله! هذا سارق ائتمنته على دابتي فسرق اللِّجام وباعه، وكنت أنوي لمَّا دخلت المسجد إذا خرجت أنْ أكافأه على خدمته وأعطيه ثلاثة دراهم…)! فاستعجل الرِّزق فأخذ اللِّجام وباعه فأخذه مالاً حراماً، ولو صبر عليه دقائق معدوداتٍ لأخذه مالاً حلالاً…
أيقن بذلك يا أيُّها العبد، أيقن أنَّك إنْ صبرت عن الحرام فالله سيعوضك عن الحرام حلالاً.
أحد علماء حلب كان يدرس في الأزهر أيَّام طلبه للعلم أيَّام كان شابَّاً صغيراً، كان فقيراً، وفقره كان شديداً بحيث لا يجد في بعض الأيَّام ثمن طعامٍ يسدُّ رمقه، خرج من الجامع الأزهر يوماً من الأيَّام يتجول في الأزقَّة والحواري بحثاً عن طعام لشدَّة جوعه، تجوَّل وتجوَّل ولم يجد سبيلاً يأكل منه، حتَّى وصل إلى قصرٍ عظيمٍ اقترب منه فوجد الباب مفتوحاً فدخل، وجد على أحد رفوف غرفةٍ من غرف البيت طعاماً لذيذاً شهيَّاً نازعته نفسه أنْ يأكل ولكنَّه صبر، تردَّد… ولكنَّه أحجم في النِّهاية وقال: (أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم أسرق؟ أكل المال الحرام؟)، انصرف هذا الفتى، تابع طريقه إلى جامعه وحضر حلقةً من حلق العلم، فلمَّا انقضت جاءه رجلٌ من كبار تجَّار المدينة (من كبار تجَّار القاهرة) قال له: (يا فتى إنَّني أراقبك من أيَّام وأنت تحضر مجالس العلم، وقد أحببتك وأريد أن أدعوك إلى طعام الغداء في بيتي)…
مضى هذا الفتى مع هذا الرَّجل وقد أيقن بأنَّ الله سبحانه قد فرَّج عنه كربه وقضى له حاجته، ولكنَّ ما كان يحدث في تلك الأثناء كان غير متوقَّعٍ أبداً، مضى هذا الفتى مع هذا التَّاجر يمشي في الأزقَّة والحواري وكأنَّه في منام! إنَّه يمشي في طريقٍ عجيبة! وكأنَّه يتتبَّع خطاه يوم كان يمشي عندما كان يمشي فجراً، لقد كان يمشي في الطَّريق نفسه خطوةً خطوة! مفرقاً مفرقاً! حارةً حارةً! إلى أن وصل إلى البيت نفسه الَّذي دخله هذا اليوم!! دخل التَّاجر هذا البيت ودخل وراءه، إنَّه صاحب هذا البيت، تعجَّب هذا الفتى تعجُّباً عظيماً، دعا هذا التَّاجر بالطَّعام فوضع أمامه الطَّعام ذاته الَّذي نازعته نفسه إليه فجراً! ولكنَّه أمسك عنه، لم يكتف هذا التَّاجر بذلك، ولم يتوقَّف الأمر عند الطَّعام… لقد كان التَّاجر يخطِّط لشيءٍ أبعد من ذلك، لقد زوَّج هذا الفتى بنته وكانت من خيرة فتيات زمانها لما أعجبه من تقواه وطلبه للعلم…
لم يكن التَّاجر يعلم ما حدث اليوم في تلك الأثناء، وقد وُضع هذا الطَّعام أمام الفتى، ذرفت عيني هذا الفتى دمعاً صادقاً، قال له التَّاجر: (ما بالك؟ ماذا يحزنك؟) قال: (لاشيء)، أصرَّ عليه التَّاجر ليتكلمنْ؛ فتكلَّم قال له: (لقد دخلت هذا البيت في هذا اليوم، ووقفت أمام هذا الطَّعام، ونازعتني نفسي أن آكل منه، ولكنَّني اتقيت الله وصبرت وألجمت نفسي عن الحرام ورجعت… فرأيت الثَّمرة سريعاً ما هي إلا ساعات حتَّى كافأني الله تعالى فأعطاني عوضاً عن الحرام حلالاً مضاعفاً)…!
ما أحوج الموظف إلى ذلك، وما أحوج الطَّالب إلى ذلك، وما أحوج الضَّابط إلى ذلك، وما أحوج رجل العلم إلى ذلك… ما أحوجنا جميعاً أيُّها الأحبَّة أن نتذكَّر أنَّ الله سبحانه قد قسم لنا رزقاً معلوماً؛ فمن أخذه حلالاً أُجِر عليه، ومن أخذه حراماً كانت تبعته لازمةً في الدُّنيا وفي الآخرة، ما أحوجنا إلى ذلك…
ما أحوجنا إلى أن نتعلم من رمضان علم الصَّبر، أيُّها الأحبَّة، علم الصَّبر الَّذي يعصمنا من الوقوع في الحرام ويثبتنا على الطَّاعة ويعيننا على تحمل الشِّدة والمصيبة، ما أحوجنا إلى صبر رمضان ورمضان شهر الصَّبر…
يا أيُّها الشَّابُّ الَّذي تشتهي الزَّواج ولم تتيسر لك أسبابه، تمشي في الطَّريق والنِّساء من حولك متبرجاتٍ سافرات… اذكر سيِّدنا يوسف عليه السَّلام الَّذي صبر عن الحرام فكافأه الله بأضعافٍ مضاعفة مما عرض عليه، كافأه الله بذلك حلالاً طيِّباً مباركاً: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} هل تيسَّر لك مثل هذا يوماً ما يا أيُّها الشَّابُّ؟ أم إنَّك تسلك طريق الحرام بنفسك؟! سيِّدنا يوسف لم يسلك طريق الحرام؛ بل الحرام عرض نفسه عليه؛ بل إنَّه فرض نفسه عليه فرضاً، أنت دون أنْ يُفرض الحرام عليك، ودون أنْ يعرض عليك… تبحث عنه بنفسك! وتسلك طريقه وتأخذ بأسبابه…! فها أنت ذا قبل ذهابك إلى الجامعة تقف أمام المرآة وتتزين وتتبرج… سعياً إلى لفت أنظار فلانةٍ وعلانةٍ من زميلاتك! وها أنت ذا تحاول أنْ تتقَّرب إلى بعض طالباتٍ يدرسن معك طمعاً في أن تحظى بكلمة!! هذا أقصى ما في الأمر!
يوسف عليه السَّلام يعرض عليه أكثر من ذلك، والأسباب كلُّها مهيَّأة لا يعرف أحد بذلك، أنت أمام كلِّ النَّاس لا تخجل لا تستحي من أنْ تسلك طريق الحرام…! وأن صرت عرضةً لكلام النَّاس فضلاً عن غضب ربِّ النَّاس! لا تبالي بذلك؟! لا تستحي لا من الله ولا من النَّاس؟! لا تحسب حساباً للخلق ولا للخالق؟!
غلََّقت الأبواب، هيَّأت أسباب الأمان، لا أحد يعلم… والفضيحة مستبعدة لأنَّه إنْ حدثت فضيحة ففضيحة السَّيِّدة أكبر من فضيحة الخادم… فهي إذاً أحرص منه على أن يبقى الأمر سريَّاً في طيِّ الكتمان… ومع ذلك… مع كل هذه الأسباب: {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} كان سيِّدنا يوسف صاحب مبدأ، كان صاحب قرار لا تنازعه نفسه إلى الحرام ولكنَّه عليه السَّلام يريد فيقدر… يريد ألا يفعل فيقدر ألا يفعل… ولو لم يقدر أن يمنع نفسه فإنَّ ذلك لأنَّه يريد الحرام…
فإذا قلت: إنَّني لا أستطيع أنْ أمنع نفسي عن الحرام مع أنَّني أريد… نقول: كذبٌ هذا الكلام… لو أردت لاستطعت… ولكنَّك لا تريد، أنت الَّذي سلكت هذا الطَّريق.
{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} دون ترددَ {قالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ *}[8]، وليت الأمر توقف عند هذا الحدِّ، لقد تحوَّلت هذه الفرصة إلى قانونٍ يفرض وتحوَّل هذا العرض إلى فرضٍ تترتب عليه تبعات: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ}[9] هل وصل بك الأمر إلى هذا الحدِّ يا أيُّها الشَّابُّ المسلم الَّذي ورثت ميراث النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وميراث الأنبياء والمرسلين؟ هل أنت متحقِّقٌ بما فعله سيِّدنا يوسف؟ هل عُرضت عليك الفتنة فرفضتها؟ ووصل الأمر إلى أن تهدَّد بالسِّجن إذا لم تسلك طريق الفتنة ورضيت السِّجن؟ هل وصل بك الأمر إلى هذا؟ أم إنّك من قبل هذا الأمر بمراحل رضيت ورضخت؟ وربَّما سعيت وركضت…
{وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ} جاء الجواب غريباً عجيباً! جاء الجواب معبِّراً عن صفاءٍ في القلب، وعن منطقٍ سليمٍ، وعن روعةٍ في التَّفكير، وعن ارتباطٍ وصلةٍ عظيمتين بالله تعالى {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ}[10]… السِّجن أحبُّ إليه من أمرٍ يسعى إليه الشَّباب بأرجلهم! وأيديهم! وبكل جوارحهم…! فضلاً عن قلوبهم! سيِّدنا يوسف لا يسعى إليه؛ بل لا يترك السَّعي إليه فحسب… يرفضه؛ بل لا يرفضه فحسب بل يمعنُ في الرَّفض؛ حتَّى إنّه ليفضِّل السِّجن؛ ومن بعد السِّجن العذاب؛ وفقد الحرّيَّة على أن يرتكب فاحشةً تميل إليها النَّفس ويميل إليها الهوى؛ لأنَّه يعرف ماذا يريد لأنَّه صاحبُ مبدأ، صاحبُ قرار، لأنَّه رجل… والرَّجل يصبر عن الحرام ما دام مقتنعاً بأنَّ الحرام مذمومٌ يغضب الله سبحانه
{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} قد تدَّعي يا أيُّها الشَّابُّ أنَّك لا تريد الحرام ولكنَّ الحرام يفرضُ نفسه عليك… هذه الآية تخطِّأ قولك، سيِّدنا يوسف دعا الله أن يصرف عنه كيدهنَّ فجاء الجواب سريعاً {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[11].
يقول لي شاب إنّ فتنة النِّساء كبيرة بحيث لا أستطيع أن أتخلص منها… نقول لأنَّك لا تريد أن تتخلص منها… يقول إنَّ فتاةً أو امرأةً قد علقت بي وأنا لا أستطيع أن أتخلص منها… نقول لأنَّك لا تريد أن تتخلص منها… ولو أردت لما عدمت الحيلة، والأسبابٌ كثيرةٌ لا تنتهي، ولكنَّك تريد لذلك تقنعُ نفسك بأنَّك لا تريد ولذلك لا تقدر، لا أنت تريد هذا الفعل ولذلك لا تقدر على مخالفته، ولا تقدر على التَّخلص منه؛ فمن أراد قدر ومن لم يقدر إذاً هو لا يريد {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
يا أيُّها الموظَّف، المحاسب، أمين الصُّندوق يا من بين أيديك أموال العباد وأنت محتاج، وربَّما يكون أولادك جائعين وربَّما تأتي مواسم الأعياد، ويأتي موسم المدرسة، وأولادك يطالبونك، والمال كثيرٌ بين يديك تذكَّر الصَّبر… تذكَّر الصَّبر عن الحرام…
يوسف صبر عن شهوة الجنس، وهناك من يصبر عن شهوة المال، وهناك من يصبر عن شهوة الطَّعام [ورجلُ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقال: إنِّي أخاف الله ربُّ العالمين] أتراه إنسانٌ حصورٌ لا يشتهي النِّساء؟ لا، لو كان لا يشتهي النِّساء لما كان في المسألة بطولة، ولما كان في المسألة مجاهدة، إنّه يشتهي النِّساء ومع ذلك يقاوم شهوته… وها هنا مكمن البطولة، ها هنا الصَّبر، وبقدر ما تزداد شهوته فيقاومها تعظم بطولته، وترتفع رتبته عند ربِّه سبحانه وتعالى، بقدر ما يزداد احتياجك للمال، وتقام شهوة المال الحرام، وتصبر عنه تكون قيمتك عند الله أعظم، ومقامك أعلى…
الصَّبر أيُّها الأحبَّة يعني أن تنظر دائماً إلى العواقب؛ فعندما ترى الحرام أمامك وتلحُّ نفسك عليه أن تتناوله فتنظر إلى العواقب فتجد عاقبة الحرام وخيمة… والصَّبر عاقبته عاقبةٌ جميلة… تستسهل الصَّعب، وتنفر من الجميل، لأنَّ الجميل إن أتى بالقبيح لم يبقى لجماله وزن.
الصَّبر أيُّها الأحبَّة يعني أن تفكر دائماً بأنَّ الله سبحانه وتعالى يراك في كل حال وفي كل وقت، عندها لن تجد في نفسك الدَّافع إلى فعل الحرام، وستجد قوَّة المقاومة قد زادت وكبرت بقدر ما تستشعر مراقبة الله تعالى لك، وأمَّا إذا استسهلت الخوض في الحرام فإنّما ذلك لأنَّه قد غاب عنك الأمران معاً… غاب عنك مراقبة الله لك، وغاب عنك التَّفكير بالعاقبة، إذاً ضعف عندك الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وهما الرُّكنان الأعظمان من أركان الإيمان؛ فمن آمن بالله علم أنَّ الله يراه فصبر عن الحرام، ومن آمن بالله علم أنَّه سيجزى بما يفعل، من آمن باليوم الآخر علم أنَّه سيجزى بما يفعل فصبر عن الحرام أيضاً…
يا أيُّها الأخوة كلُّ مسلمٍ مرابطٌ على ثغرٍ من ثغور الإسلام فانظروا لا يؤتينَّ الإسلام من قبلكم، عندما تخالف أمر الله سبحانه فقد اُقتحم الإسلام من قِبَلك، وكنت سبباً من أسباب ذلِّ المسلمين، عندما تخالف أمر الله سبحانه وتعالى عامداً متعمداً ولا تصبر عن الحرام فقد أسأت إلى الأمَّة كلَّها، وأسأت إلى الدِّين بأسره، وأسأت إلى التَّاريخ الإسلاميِّ أجمع… لقد اقتُحم الإسلام من قبلك، لقد فتحت ثغرةٌ من ثغور الإسلام من خلالك، كنت مرابطاً عليها عندما كنت طائعاً تقيَّاً مستقيماً مجاهداً مصابراً… فلمَّا تركت الصَّبر وانجرفت مع الشَّهوة وانجرفت مع الهوى فُتحت هذه الثَّغرة، فإذا فتحت ثغرةٌ من قِبَلك وثغرةٌ من قِبَلي وثغرةٌ من قِبَل الثَّالث والرَّابع… لم يبقَ للإسلام حصانة، صار الإسلام مثل المصفاة الَّتي لا يمكن أن تحجز ماءً…
لو كان الأمر متوقِّفاً على مخالفة فردٍ أو اثنين أو ثلاثةٍ أو أربعة لما كان النَّزيف كبيراً، ولكن كيف وقد صار النَّزيف من معظم أفراد الأمة؟ كيف وقد تخلَّى كلُّ واحدٍ عن سلاحه وترك الثَّغر الَّذي كان يحرسه؟ فهذا الموظف قال: الإسلام ليس متوقفاً عليَّ؛ فخان الأمانة! وهذا الضَّابط قال: أنا لست مسؤولاً عن الأمَّة كلِّها؛ فخان الأمانة! وهذا الطَّالب في جامعته وفي مدرسته خان الأمانة، وقال الإسلام ليس مرتبطاً بي فإنْ أنا أخذت شهوتي ولبيت متطلبات الهوى فهذا لا يعني أنَّني مجرمٌ بحق الأمَّة…! الأمَّة كلُّها هكذا… هل توقف الأمر عليَّ؟! شبعت من الكلام المثالي، وشبعت من المثاليَّات الجوفاء، وشبعت من الكلام الحالم الخياليِّ… إنَّني أريد أنْ أكون واقعيَّاً!
وأن تكون واقعيَّاً في هذا الزَّمان يعني أنْ تكون شرِّيراً، أن تكون واقعيَّاً يعني أنْ تكون فاسقاً، أنْ تكون واقعيَّاً يعني أنْ تكون منحرفاً… لأنَّ الواقع هكذا، الواقع فسادٌ وانحرافٌ وفسقٌ وفجور…
فإنْ أردت أنْ تكون ابن هذا الواقع فهذا يعني أنْ تكون إنساناً ممتلئاً بأشكال المفاسد والشُّرور… لأنَّ الواقع هكذا، الواقع ليس فيه خيرٌ إلا في الزَّوايا المهملة الَّتي لم يتنبه النَّاس إليها.
وأمَّا إنْ أردت أنْ تكون محافظاً على مسؤوليتك حارساً لثغرك فإنَّك عليك أنْ تكون حالماً نعم…! عليك أنْ تكون خيالياً نعم…! على حسب تفكير النَّاس الحقُّ خيال! والخير مثاليّّةٌ وهميَّةٌ! والَّذي يسمع أحوال الصَّحابة يظنُّ أنَّها من أساطير ألف ليلةٍ وليلة…! (لو رأيتموهم لقلتم عنهم مجانين ولو رأوكم لقالوا عنكم شياطين)…!
فإن أردت أنْ تكون واقعيَّاً! وأنْ تترك خيالات الصَّحابة! وأوهام الكتاب والسُّنة والعياذ بالله! فهذا يعني أنْ لا تكون مسلماً… هذا بالمختصر المفيد.
إذا سمَّيت الحقَّ وسمَّيت الكتاب والسُّنَّة وسمَّيت أحوال السَّلف الصَّالح خيالاً وطوباويَّة لا يمكن تطبيقها…! فهذا يعني أنَّك لا تنتسب إلى التُّراث الإسلامي وإلى الإسلام إلا بالاسم، لا تنتمي إليه إلا بالكلام، والكلام لا وزن له إذا لم يكنْ مدعَّماً مصدَّقاً بالأفعال…
أيُّها الأحبَّة نحتاج إلى الصَّبر في كلِّ مواقف حياتنا، نحتاج إلى الصَّبر على الصَّلاة، الصَّبر على الصِّيام، الصَّبر على الإنفاق، الصَّبر عن الفاحشة، الصَّبر عن المال الحرام، الصَّبر عن كلِّ أشكال المعاصي… نحتاج إلى الصَّبر بكلِّ أشكاله، وهذا ما فُقد من مجتمعاتنا لأنَّه فُقد بدايةً من نفوسنا {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[12].
رمضان شهر الصَّبر، فرصةٌ لنتعلم منه كيف نصبر؟ عندما تستطيع أنْ تمسك عن الطَّعام والشَّراب هذا يعني أنّك قادرٌ على فعل أشياء كثيرة… إنَّه رمز.
الصِّيام يقوِّي الإرادة، الصِّيام يمنعك من كثير من المنكرات [يا معشر الشَّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنَّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصَّوم فإنَّه له وجاء] الصَّوم يعوُّده الصَّبر، والصَّوم يعوُّده قوَّة الإرادة الصَّوم يقوُّي شخصيته…
فإذا لم تنتفع من رمضان بهذا الدَّرس، وإذا لم تدرس هذا المنهج؛ فإنَّك إذاً لن تخرج من رمضان ومعك شهادته ومعك إجازة شهر رمضان إجازة الصِّيام…
أيُّها الأحبَّة عوداً إلى دروس رمضان، وعوداً إلى صبر رمضان، عوداً إلى قوَّة الإرادة وقوَّة الشَّخصيَّة، كثيراً ما يسلك أناسٌ طريق الخير طريق الالتزام فيستصعبون هذا الطَّريق، يقول: (أنا ملتزمٌ من سنة من سنتين من ثلاث سنوات وماذا بعد؟ لقد حرمت نفسي كثيراً من الشَّهوات والمتع، وإنَّني…) اسمعوا هذه العبارة ما أخطرها…
لو أنَّ الإنسان انحرف عن طريق الخير وهو يندم، وهو منزعجٌ من نفسه، لربَّما غفر الله له، أي إنسان كان يصلي فترك الصَّلاة تقول: له يا هذا لماذا لا تصلي؟ لماذا أنت غارقٌ في المعاصي؟ فربَّما يبكي يقول: والله أنا نادم، أنا حزين، أنا أنظر إلى الأيام السَّالفة فأندم، لأنَّني فوت على نفسي تلك الطُّرق وتلك الخيرات… هذا لعلَّ الله يغفر له…
ولكن اسمعوا هذه العبارة الَّتي يقولها بعضهم…يلتزم مدَّة من الزَّمن ثمَّ ينحرف، فيقول: (إنَّني نادمٌ على تلك الأيَّام الَّتي ضيعتها وقت الالتزام! إنَّني نادمٌ على ما فوَّت من الشَّهوات والملذات أيَّام الاستقامة!!) ماذا تتوقعون أنْ تكون معاملة الله لهذا الإنسان… يقول الله تعالى له: لا تهتم، سوف أمسحها لك من صحيفة أعمالك، لا تحزن، تلك الاستقامة الَّتي ندمت عليها وتأسَّفت على فعلها سوف أمسحها، ولن تجد لها أجراً ولا ثواباً يوم القيامة، لأنَّك تراجعت عنها وانسحبت، لأنَّك لم تصبر ولم تدم عليها.
رجلان أحدهما طائع والآخر فاسق، قضى كلُّ واحدٍ منها عمره فيما هو عليه من طاعةٍ أو معصيةٍ، في آخر العمر قال العاصي لنفسه: (ضيعت عمري في المعصية…! وأخي ذلك الإنسان المبارك، ذلك الإنسان التَّقيُّ المرضيُّ، يتقرَّب إلى الله ويغتنم أوقات حياته! هنيئاً له! تبت إلى الله توبةً نصوحاً صادقةً) وذهب الرَّجل إلى أخيه ليتعلم منه العبادة ويعبد الله معه… في اليوم نفسه فكَّر ذلك الرَّجل الطَّائع المستقيم، فقال في نفسه: (أخي يتمتَّع بهذه الدُّنيا ويأخذ من لذَّاتها وشهواتها! وأنا في هذه الصَّومعة على رأس جبل أقضي على عمري ولا أنال من لذات الدُّنيا ومتعها! فلأذهب إلى أخي ولأنل من لذَّات الدُّنيا ومتعها معه!)… مضى الطَّائع إلى مكان المعصية، والعاصي إلى مكان الطَّاعة، ومات الرَّجلان على الطَّريق…! النَّتيجة: ذهب الطَّائع إلى جهنم والعاصي إلى الجنَّة…! إنَّما الأعمال بخواتيمها… تقول: ولكنَّ الخاتمة لم تتَّضح لأنَّ هذا لم يبدأ بالطَّاعة، وذاك لم يبدأ بالمعصية… نعم [إنَّما الأعمال بالنِّيات] كانت الخاتمة نيَّة الخير فختم له بالخير… وذاك كانت خاتمته نيَّة الشَّرِّ فختم له بالشَّرِّ… لأنَّه لم يصبر على الطَّاعة إلى آخر عمره، لقد صبر مدَّة ثمَّ انتهى صبره، لم يصبر على الطَّاعة ولم يصبر عن المعصية…
الَّذي يسلك طريق الله أيُّها الأحبَّة لا بدَّ من أنْ يكون نَفَسُه طويلاً طويلاً… ولا بدَّ من أنْ يكون صاحب همَّةٍ عالية عالية… ولا بدَّ من أنْ لا ينتظر النِّهاية بل أنْ ينتظر الموت، النِّهاية هي الموت [لا راحة للمؤمن إلا بلقاء الله]…
وأستعجب وأستغرب من إنسانٍ يدخل طريق الالتزام بشرع الله، ويجاهد نفسه ويتعلم الحلال ليفعله، والحرام ليتركه، وبعد مدَّةٍ قصيرة يأتي فيقول: (تعبت، مللت، سئمت…)! قد يقول ذلك صراحةً، وقد لا يقوله، ولكن المهمُّ يظهر عليه أنَّه تعبٍ من شدَّة المجاهدات، وتعبٍ من كثرة النَّصائح، وتعبٍ من كثرة المحرمات… ويقول في نفسه: كل شيءٍ حرام! وكلَّما فعلت شيءٍ يقال: هذا خطأ! وهذا خطأ! وهذا يجوز! وهذا لا يجوز! يتعب ويملُّ لأنَّ صبره قليل… لماذا صبره قليل؟ لأنَّه لا يفكِّر كثيراً بالله، ولا يفكِّر كثيراً باليوم الآخر… لو فكَّر بالله وباليوم الآخر لزاد صبره، ولثبت على طريق الحقِّ إلى أن يأتيه الأجل.
رمضان يعلِّمك ذلك… لو أنَّك تعلمته ولو أنك أخذت الدَّرس منه، ففي رمضان مناهج عظيمةٌ منها منهج الصَّبر، فتعلَّم الصَّبر من شهر الصَّبر، تعلَّم الصَّبر من الصِّيام، تعلَّم الصَّبر والمجاهدة من ترك الطَّعام والشَّراب، واعلم أنَّ الصَّبر ليس متوقفاً عند ترك الطَّعام والشَّراب إنَّما الصَّبر مطلوبٌ في كلِّ أحوال الحياة…
لمَّا تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، استدعى العلماء فجاءه ثلاثةٌ منهم، قال: إنِّي ابتليت بهذا الأمر فأشيروا عليَّ، قال أحدهم: يا أمير المؤمنين إنْ أردت النَّجاة غداً من عذاب الله فاتخذ كبير المسلمين لك أباً وأوسطهم لك أخاً وصغيرهم لك ولداً؛ فوقِّر أباك وأكرم أخاك وتحنَّن على ولدك, قال الآخر: يا أمير المؤمنين إنْ أردت النَّجاة غداً من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحبُّ لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ثمَّ مت إذا شئت, وقال الثَّالث: يا أمير المؤمنين إنْ أردت النَّجاة غداً من عذاب الله فصم عن الدُّنيا… وليكن إفطارك منها الموت ثمَّ مت إذا شئت… هذا الصَّبر الَّذي نفهمه صومٌ عن كلِّ حرامٍ وعن كلِّ أمرٍ لا يرضي الله، وصبرٌ على كلِّ طاعةٍ وعلى كلِّ أمرٍ يرضي الله، وصبرٌ على كلِّ بلاءٍ وعلى كلِّ أمرٍ يريده الله إلى أنْ يأتي الأجل، صبرٌ لا انقضاء له، هذا الصَّوم الَّذي نفهمه من شهر الصَّوم… لا صومٌ مؤقَّتٌ عن طعامٍ وشرابٍ من الفجر إلى المغرب لمدَّة تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، ثمَّ تنتهي المسألة… ويعود كلُّ شيءٍ إلى ما كان عليه! لا، الصَّوم مفهومه أكبر وأوسع، والصَّبر ينتظم الحياة كلُّها وينظِّم دقائقها وتفاصيلها…
هذا هو الصَّبر في شهر الصَّبر، فتعلَّموا الصَّبر من شهر الصَّبر، وكونوا صابرين على كلِّ بلاءٍ، وعلى كلِّ طاعةٍ، وعن كلِّ معصيةٍ، إلى أنْ يأتي أمر الله سبحانه… ويموت المرء وقد رضي الله عنه، وتمَّت حياته بما يرضي ربه…
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصَّابرين الصَّبر كلَّه في كلِّ مواضع الصَّبر المرضيَّة إنَّه خير مسؤولٍ وأكرم مجيبٍ… أقول هذا القول وأستغفر الله.
الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بوحدانيَّته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله الشَّفيع المشفَّع في المحشر، ما اتصلت عين بنظر وَوَعتْ أذن بخبر، أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، وأحثُّكم –وإيَّاي– على طاعته وأحذركم –وإيَّاي– وبالَ عصيانه ومخالفةِ أمره، واعلموا أنَّه لا يضرُّ ولا ينفع ولا يصل ولا يقطع ولا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع ولا يفرِّق ولا يجمع إلا الله، واعلموا أنَّ الله أمركم بأمرٍ بدأه بنفسه، وثنَّى بملائكة قدسه وعرشه فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً *}[13] اللَّهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّدٍ، وعلى آل سيِّدنا محمَّدٍ، كما صلَّيت على سيِّدنا إبراهيم، وعلى آل سيِّدنا إبراهيم، وبارك على سيِّدنا محمَّدٍ، وعلى آل سيِّدنا محمَّد، كما باركت على سيِّدنا إبراهيم، وعلى آل سيِّدنا إبراهيم، في العالمين إنَّك حميدٌ مجيدٌ.
اذكروا أيُّها الأحبَّة أنَّ الصَّابر حياته كلُّها نيِّرة مُضَاءة، واذكروا في ذلك قول النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: [الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله وبحمده تملآن، أو تملأ ما بين السَّماء والأرض، والصَّلاة نورٌ، والصَّدقة برهانٌ، والصَّبر ضياءٌ، والقرآن حجَّة لك أو عليك] أضيئوا حياتكم بالصَّبر، نوِّروا نفوسكم بالصَّبر، واقضوا على ظلمة اللُّجوج، واقضوا على ظلمة التَّسرُّع، واقضوا على ظلمة اليأس والسَّآمة، واقضوا على ظلمة القنوط والملل… بدِّدوا تلك الظُّلمة بنور الصَّبر، بنور طول الأمد، بدِّدوا تلك الظُّلمة بنور تسليم الأمر لله وانتظار الآخرة؛ فالمسلم لا ينتظر في الدُّنيا فرجاً، ولا ينتظر في الدُّنيا انتهاء بلاء… فرجه موته، وانتهاء بلائه دخول جنته، والصَّبر ينتهي عند الموت، ومن بعده عند دخول الجنَّة، فانتظروا الموت والجنَّة فتلك نهاية صبركم يا أيُّها المؤمنون.
إنِّي داعٍ فأمِّنوا: اللَّهمَّ انصر الإسلام

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا